نور الشريف..فنان كبير رسم شخوص «نجيب محفـوظ» ببراعة

نور الشريف فنان كبير رحل عن الدنيا فى مثل هذه الأيام «15 أغسطس 2015» وقبل الرحيل قضى عشرات السنوات حاضرا على الشاشة الكبيرة والشاشة الصغيرة والمسرح وكان منتجاً لأفلام ذات قيمة،

 وكان مشجعاً للموهوبين من المخرجين وكتاب السيناريو، واستطاع أن يصبح فنان «الجماهير» الملتزم بمنظومة فكرية وسياسية وإنسانية، تعبر عن الطبقة المتوسطة، وهى الطبقة حاملة الرسالة الوطنية والأخلاقية، وهذا ما جعله قادراً على التعبير عن شخوص «نجيب محفوظ» ببراعة وروعة واقتدار، شهد به المراقبون والنقاد والمهتمون بالأدب والسينما، وهناك تشابه بين «محمد جابر محمد عبدالله» الذى هو نفسه «نور الشريف» وبين أبطال روايات «نجيب محفوظ»، لأن «محمد جابر» هو نفسه الطفل والشاب الذى عاش فى حى «الخليفة» القاهرى الوطنى، وكلمة «الوطنى» من قاموس عصر الاحتلال البريطانى، الذى كان يميز بين أحياء القاهرة، فيمنح الأحياء الفقيرة التى تضم التجار والعمال والحرفيين صفة «الوطنى» ويمنح الأحياء التى بها أجانب صفة «أفرنجى»، وهناك فارق كبير بين الحى الوطنى والحى الإفرنجى الذى فيه ثقافة وحياة تخالف الحياة والثقافة السائدة فى الحى الوطنى، الذى يسميه المصريون «الحى الشعبى» ويسمى الواحد من سكانه «ابن بلد» وهو مختلف عن «الفلاح» و«الصعيدى» و«السكندرى» والقصد هو أن «المواطن محمد جابر» الذى أصبح فيما بعد «الفنان نور الشريف» قرأ روايات نجيب محفوظ، ورأى فيها نفسه، ورأى تفاصيل عالمه الاجتماعى ومحيطه الثقافى الذى رصدته روايات قرأها فى سنوات دراسته الثانوية، وقبل التطرق إلى العلاقة الفنية بين «نور الشريف» و«نجيب محفوظ» أود التأكيد على أن «نور الشريف» كان فناناً مثقفاً، يقرأ الروايات ويسجل ملاحظاته على «الشخصيات» المكتوبة، فى كراسات مخصوصة وهذا السلوك ذكره للمذيعة «نهال كمال» فى حلقة من برنامج «لسه فاكر» الذى كانت تقدمه على شاشة التليفزيون المصرى، ولم يكتف «نور» بقوله هذا، وأضاف أنه يدون مراقباته للشخوص الأحياء، ويدون ما يراه من «لزمات» وأساليب فى الحركة والكلام، ويستدعى هذا المخزون فى التمثيل، وهذا هو سر نجاحه الفنى الكبير، والعلاقة الفنية بينه وبين نجيب محفوظ الذى تحل ذكرى رحيله فى هذا الشهر»30 أغسطس 2006» تحولت بعد النجاح إلى علاقة صداقة بين الفنان والروائى، وجذور هذه العلاقة يعود إلى فيلم «بين القصرين» الذى قدم فيم «نور الشريف» شخصية «كمال عبدالجواد» التى تحتل مكانة مهمة فى أدب «محفوظ» فهى قريبة الشبه به، ولها من ملامحه الفكرية والعاطفية، وكذلك شخصية «كامل رؤبة لاظ» بطل رواية «السراب» المأخوذ عن رواية محفوظ المشهورة، وشخصية «جعفر» فى فيلم «قلب الليل» وشخصيات ملحمة «الحرافيش» وكان «نور الشريف» من الفنانين الذين اقتربوا منها، من خلال أعمال كثيرة، وفيلم «المطارد» من هذه الأعمال المأخوذة عنها، وقام نور الشريف فيه بدور»المطارد» ورغم ثراء التجربة الفنية للراحل نور الشريف، ورغم ثراء العالم الروائى للكاتب الكبير نجيب محفوظ، تظل الأفلام التى جمعت بينهما من الأفلام المهمة فى تاريخ السينما المصرية.

«ريا وسكينة» و«الوحش».. فيلمان برؤية عميد الروايــة العـربيــة

فيلمان كبيران مشهوران، أخرجهما «صلاح أبوسيف» الذى هو صديق «نجيب محفوظ» عميد الرواية العربية، وهو الذى قرأ رواياته الأولى، فرأى فيه «سيناريست» كامل الموهبة، ورأى أن السينما يجب أن تستفيد بطاقاته وقدراته الكبرى، والفيلمان اللذان اخترتهما، مأخوذان عن تاريخ موثق لعصابتين إجراميتين، الأولى ظهرت فى الإسكندرية فى العام 1920، وتخصصت فى قتل السيدات العاملات فى «الدعارة» وهو نشاط كان مرخصاً من جانب الحكومة المصرية، وحكومة الاحتلال البريطانى، وكان نشاطاً يجمع الساقطات والساقطين، والذين أسقطتهم الظروف الاقتصادية الصعبة التى عاشها المصريون فى ظل جحيم الاحتلال والحرب العالمية الأولى، والعصابة الثانية، زعيمها «محمد منصور الخط» وهو صياد سمك فقير، عاش وقتل على أيدى «الشرطة» فى «أسيوط» وهو من مواليد قرية «درنكة» والفارق بين عصابته وعصابة «ريا وسكينة» فارق جوهرى، فهو «هجام» فى أغلب الأحوال، ورجاله يغيرون على بيوت الأغنياء «الأقباط» وهم أثرياء المنطقة التى يعمل بها، وإذا طلب «إتاوة» طلبها عبر وسيط من جانبه «مرسال» محل ثقته بالطبع، وخاض معركة كبرى ضد مديرية أسيوط، والنيابة العامة، والحكمدارية، وبلغ خبره «الملك فاروق» وبسببه تلقى الشاعر الراحل المعروف «عزيزأباظة» سخرية لاذعة من «جلالة الملك فاروق» فى حفل أقيم فى قصر عابدين، قال الملك للشاعر الذى كان يشغل موقع «مدير أسيوط» ساخرا:

ـ قل لى ياباشا، هوه اسمه «الخط» ولا «الحظ»؟

والسخرية هنا واضحة، كان «فاروق» يقصد الإشارة إلى فشل «مدير أسيوط» عزيز باشا أباظة ورجاله فى القبض على «محمد منصور» المشهور باسم «الخط»، وكأنه محظوظ، أو متحالف مع «الحظ» الذى يخدمه ويساعده على الهروب من كمائن الشرطة، ولكن عصابة «ريا وسكينة» كانت تتمتع بتعتيم إعلامى أو نقص المعلومات، الذى جعل الفيلم يعتمد على ما نشره الصحفى «محمد لطفى جمعة» على صفحات «الأهرام» بعد القبض على العصابة، ولكن بالمصادفة وحدها، استطاع الكاتب الصحفى الباحث المدقق «صلاح عيسى» العثور على ملف تحقيقات قضية «ريا وسكينة» وقدمه فى كتاب «رجال ريا وسكينة» وهو نفسه من حكى حكاية «خط الصعيد» فى كتاب «أفيون وبنادق»، والمهم هنا أن «نجيب محفوظ» بموهبته الروائية قدم حياة عصابة «ريا وسكينة» رغم نقص المعلومات معتمداً على رسم شخصيتى المجرمتين «ريا» وشقيقتها «سكينة» وظلت «زوزو حمدى الحكيم» و«نجمة إبراهيم» فى أذهان الذين شاهدوا الفيلم تمثلان المجرمتين، حتى ظهر المسلسل وأعاد تقديمهما من جديد، وكذلك «خط الصعيد» رسمه «محفوظ» وقدمه «محمود المليجى» وهو قريب من الشخصية التى كتبها صلاح عيسى فى أفيون وبنادق، كتابه المهم الذى صدر منذ سنوات قليلة.

مها صبرى.. امرأة من فيلم بين القصرين

نجيب محفوظ، استدعى خبراته التى استمدها من مجتمع القاهرة، والتقط شخصيات روايته الكبرى «الثلاثية» وهى تحتوى رصداً للحياة فى المدينة الصاخبة، فى بدايات القرن العشرين، حتى نهاية الحرب العظمى الثانية، ومن ملامحها فى تلك الفترة، نشوء علاقات عاطفية «سرية» بين التجار الكبار، وسيدات كن يعرفن بأنهن مطربات أو عالمات، والواحدة «عالمة» وكانت هذه العلاقات مظهراً من مظاهر الازدواجية الأخلاقية التى كان المجتمع يعيش فى ظلها، ويوجد لها المبررات، وكان «السيد أحمد عبدالجواد» هو النموذج للرجل المزدوج الشخصية، له عالم واضح، فيه الهيبة والاستقامة، وعالم خفى، فيه العلاقات السرية والانحراف بكافة صوره، واستطاع «محفوظ» أن يقدم شخصية «ياسين» وهو الولد الأكبر لهذا التاجر المزدوج الشخصية، وفيه كل ملامحه «السرية» وأن يقدم شخصية «كمال» التى تعيش فى عالم المثل العليا والفلسفة والحلم، وفى مشهد من مشاهد فيلم بين القصرين، ظهرت «زبيدة» مها صبرى وظهرت «جليلة» والسيدتان من ذات الشريحة «شريحة العوالم» وجرى بينهما حوار ساخن، على طريقة سيدات الأحياء التى تأوى هؤلاء المعروفات بانحرافهن الأخلاقى، وكان الهدف هو السيطرة على أموال «أحمد عبدالجواد» وانتصرت «زبيدة» العالمة الشابة الجميلة، على «جليلة» العالمة العجوز، التى تأبى الاعتراف بحقائق التاريخ، وحصلت «زبيدة» على ما أرادت من بضاعة، ومنحت «السيد أحمد عبدالجواد» الضوء الأخضر، وأفهمته بأنها «وحيدة» تبحث عن «ونيس» وجاء العامل الذى جهز لها البضاعة يسأل «عبدالجواد» عن البضاعة التى أخذتها «زبيدة» فقال له السيد المتصابى صاحب التجارة «أكتبها بضاعة أتلفها الهوى» وحياة «مها صبرى» أتلفتها السياسة، فكان زواجها من «على شفيق» المقرب من المشير «عبدالحكيم عامر» السبب فى منعها من الغناء والتمثيل، بعد وقوع هزيمة 5 يونيو 1967 وتغيرت الظروف، بفضل وساطة «أم كلثوم» ولم تحقق شيئاً غير الذى حققته، وبقى دورها فى «بين القصرين» مستقراً فى أذهان الجمهور، فقد كانت بالفعل امرأة، عالمة، حاملة كل خصائص نساء الليل فى تلك الحقبة.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

يرصصص
روايات نجيب محفوظ فى الإذاعة والتليفزيون.. فرحة لكل الناس
نجيب
محفوظ
نجيب
نجيب محفوظ.. مواطن شارك فى تحقيق أهداف الدولة الوطنية المصرية
فى ذكرى ميلاده (3) أفكار فلسفية وشخصيات عبثية فى مسرح نجيب محفوظ
نجيب محفوظ.. رواياته منحت الدراما المصورة حب الجماهيرالعريضة

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...