مغنِّ ومغنية يقفان خارج باب مسرح الطليعة ينشدان أغانى أوبرا كارمن لجورج بيزيه، وكلاهما فى ملابس الأوبرا الرسمية،
وتصدح الموسيقى بينما الباعة والمارة فى حالة من الدهشة لهذا الحدث الغريب، أى أغان أوبرالية فى معقل العشوائية / سوق العتبة! لجمهور غالبا لا يسمع من أنواع الغناء إلا شاكوش وبيكا ورفاقهم؟ وجمهور المسرح فى الداخل لا يراقب فقط الغناء بل ورد فعل المارة. ثم ندخل إلى خشبة المسرح تاركين السوق والباعة والمارة فى دهشتهم، حيث تحولت قاعة زكى طليمات أيضاً إلى سوق كبيرة يتجول فيها الباعة الجائلون يعرضون بضائعهم لجمهور المتفرجين وسوف يتكرر هذا الفعل عدة مرات كفواصل بين المشاهد. لتبدأ الأحداث بعد هذين المشهدين خارج المسرح فى سوق العتبة، ثم فى صالة الجمهور، للعرض المسرحى «أوبرا العتبة» هذا العنوان الذى يشى بالتهكم والرثاء فى آن.. التهكم من خلال المفارقة بين فن الأوبرا ومعقل العشوائية أى ميدان العتبة، والرثاء على هذا المكان والذى كان من قبل قبلة أهل الفن ليس فى مصر فقط بل والعالم وكان يحتضن أول أوبرا فى الشرق الأوسط.
فى داخل قاعة العرض تحولت خشبة المسرح / فضاء الحكاية الذى ستدور فيه الأحداث إلى بنايات تحت التأسيس أو فى مرحلة الهدم والإزالة وفى أحسن أحوالها قيد الترميم، حيث انتشرت القوائم الخشبية للسقالات فى فضاء المسرح من خلال ديكور عمر غايات الذى عبّر بقوة عن هذه الحالة التى تشى بأن هناك كياناً يتم هدمه أو إزالته أو ترميمه، فى مقدمة المسرح شاشة تليفون محمول ضخمة سوف تعرض بين الحين والحين من خلال التصفح مجموعة من المشاهد المتداولة فى السوشيال ميديا / لغة العصر، وإلى اليسار فضاء لمطربى الأغنية الشعبية ناتج اللحظة الراهنة، وبنظرة سريعة للديكور الذى يشكل فضاء الحكاية، يمين المسرح فضاء المثقف المكون من القوائم الخشبية التى توحى بأننا فى الطريق إلى إزالة هذه البناية، وإلى اليسار فضاء سيدة المنزل من نفس المادة، وفى المنتصف صناديق ورقية وأشياء أخرى، وتقريبا هذه الملامح الثابتة أو الأساسية لفضاء الحكاية وهناك شخصيات وملامح ثانوية، منها مشاهد عابرة، فى المترو، الميكروباص، سيدة تنشر الغسيل بعد أن تشد حبلاً بين الصالة وخشبة المسرح، بائعة الأحذية التى تعمل بدلاً من والدها المريض، مدرس الدروس الخصوصية وأسلوبه الذى يدل على تدهور التعليم، مشاهد وشخصيات من الحياة اليومية مع السوشيال ميديا والأغانى العشوائية، وسوق العتبة مع المثقف وربة البيت فى محاولة لتجسيد شرائح المجتمع المصرى وأيضاً المتناقضات التى يعيشها المواطن من خلال شخصيات متباينة، مجموعة من المشاهدة المبعثرة التى تضع العرض فى قالب مسرح الحياة اليومية والذى لا يقدم رؤية بانورامية بقدر ما يقدم نتفاً مبعثرة من الأفكار والأصوات والتيمات، والتى تجسد ما اصطلح على تسميته بالبروليتاريا الرثة التى تمثل العمال والعاطلين عن العمل، فهذا النوع من المسرح يقوم على تصوير الواقع بشكله الفج وجزئياته من خلال لوحات متتالية وهذا ما يقدمه العرض، ولا تجسد تصاعداً درامياً بل مجموعة من مشاهد الحياة اليومية، وفى هذا العرض كان بعضها رئيسياً وبعضها ثانوى، فهناك فضاء المثقف فى هذا المبنى المتداعى يقرأ من كتب الفلسفة لهوسرل، ثم يقرأ من شعر محمود درويش يخاطب نفسه فى عزلته والتى تجسد مفارقة كبيرة مع هذه العشوائية حيث تتقاطع معه أغانى المهرجانات التى وضعها المخرج أيضاً فى مساحة ثابتة، بل ويقرأ المثقف الذى جسد دوره محمد عبدالفتاح من قصيدة ت. س. إليوت الأرض الخراب فى دلالة واضحة على شعوره باليأس، وعلى الجانب الآخر ربة البيت دعاء حمزة التى تجسد المواطن الذى يكدس السلع، فهى أقرب إلى سيدة مصابة بفوبيا الخوف من اختفاء السلع، ففى مشاهد متعددة تطلب السوبر ماركت وتملى عليه قائمة طويلة من السلع، وبل ترسل لزوجها الذى يعمل فى الخارج أيضاً بقائمة أخرى يحضرها معه، ومع زيادة الطلبات تزداد صناديق أنواع الطعام التى تحيط بها حتى تتضاءل المرأة فى مقابل تضخم البضائع، وكلاهما، المثقف وربة البيت، الشخصيتان الرئيسيتان شخصيات سلبية، الأول يعيش فى عزلته يراقب الواقع ولا يتدخل أو يشتبك معه بل يقوم بفعل الرثاء، والمرأة ربة البيت تكدس الطعام دون ضرورة ولابد أن نتوقف أمام ظهور المواطن فى هذه الصورة السلبية فى العرض فهو المسئول عن الأزمة!
ووفقاً لمسرح الحياة اليومية الشخصيات تبدو وكأنها تولد فى بداية المسرحية من الفراغ إذ لا يعرف المتفرج شيئاً عنها، وإنما يتعرف عليها من خلال الموقف الذى تعيشه ومن هذه المواقف هى شخصيات سلبية، أما المشاهد العابرة فى المترو هناك لص يسرق امرأة، وفى مشهد الميكروباص الذى جسده المخرج ببراعة على مستوى الصورة والحركة تبدو بوضوح الصورة السلبية التى يقدمها العرض للمواطن من خلال مشهد هزلى، الهزلية كثورة على المنطق، خروج مؤقت عن المنطق المألوف للحياة وقلب منظم للمواضعات المتعارف عليها، فالهزلية ثورة على الأبنية العقلانية أو الأبنية النظرية والقواعد المألوفة التى تحكم النشاط الإدراكى والعملى للإنسان وتنتج صور العالم السائدة فى هذا الموقف أو تلك، فقط مشهد تخيلى أن المجموعة فى ميكروباص، السائق استمع إلى الراديو مع الركاب، ارتفع سعر البنزين هذا ما قاله المذيع، فرفع السائق الأجرة مباشرة دون أى قوانين، واشتبك مع الركاب فى حوار غير منطقى أيضاً، رضخ الركاب وبدأ كل منهم يتحدث فى الهاتف، المدرس، رفع سعر الدرس الخصوصى وهو فى طريقه إلى الحصص، والطبيبة التى تركت سيارتها لظروف الزحام وركبت المواصلات أبلغت مساعدتها فى العيادة برفع الأجرة فوراً من هذه اللحظة لأن البنزين ارتفع، والسائق رفع الأجرة، والتاجر الصعيدى أبلغ مساعده فى السوبر ماركت أن يفعل هذا.. وهكذا الجميع، موقف هزلى يتخلق من شبكة تعسفية من المفاجآت اللامنطقية والصدف الغريبة التى بدأت بخبر الإذاعة وما ترتب عليه! المشهد يجسد جماليات الهزل بأسلوب رائع، لكنه يحاكم المواطن وكأنه المسئول عن كل الأزمات والمشاكل فهو من يصنعها وكأنه يعيش وحده فى الفراغ، ليشعر المشاهد بغربة هذه الشخصيات عن العالم فى الفضاء الذى تتحرك فيه، الفضاء الذى صممه عمر غايات، ويعمق هذا الإحساس اللغة المنظمة الجاهزة والتى تبدو أنها فرضت على الشخصية فرضاً، لغة الباعة الجائلين فى السوق، لغة السوشيال ميديا، لغة أغانى المهرجانات والأغانى الشعبية التى أفرد لها العرض حيزاً خاصاً فى بنية الحكاية، لينتهى العرض كما بدأ بالضجيج وصراخ الباعة بين الجمهور.
ورغم أن مسرح الحياة اليومية يعطى إمكانية طرح تساؤلات إلا أنه لا يقدم أجوبة، ولا يعطى أى أفق لإمكانية تغيير الواقع، وخاصة أن بنية هذا القالب تقوم على التكرار والعودة فى النهاية إلى نقطة البداية، كما قدم المخرج هانى عفيفى العرض الذى كتب نصه معتمداً على بعض النصوص سالفة الذكر مستلهماًً حالة ميدان العتبة الحالى وتاريخها الفنى الذى تم اغتياله من خلال مجموعة اللوحات المبعثرة التى قدمها العرض والتى جسدت مجموعة المتناقضات التى لا يعيشها هذا المكان بل تمثل حالة عامة، رغم هروب العرض من الأسئلة المتعلقة بما آل إليه الحال واكتفى بملامح الشخصيات والتى تتحمل مسئولية هذه المتناقضات إلا أن المشاهد من خلال معايشة هذه النماذج يمكنه أن يجيب عن الأسئلة التى تركها العرض مفتوحة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تحل الفنانة مى عمر ضيفة شرف فى مسلسل «8 طلقات»، والذى يقوم ببطولته زوجها المخرج محمد سامى.
يودع الفنان محمود حميدة لوكيشن تصوير مسلسله «فرصة أخيرة » نهاية الأسبوع الحالى.
يواصل الفنان محمد إمام تصوير مشاهد مسلسله «الكينج»، والذى يشارك فى السباق الحالى.
يكثف فريق مسلسل «فخر الدلتا» ساعات التصوير للانتهاء من العمل الأسبوع المقبل.