فضاء حيادى يغلب عليه اللون الرمادى؛ فى دلالة واضحة على ملامح الشخصيات التى تعيش بداخله، فى المنتصف كرسى ضخم عليه، وإلى اليسار صناديق قمامة يرقد فيها الأب والأم،
وفى الجانب الآخر باب يبدو منه المطبخ، ونوافذ صغيرة تشى أننا فى سجن رغم أنه بيت للأسرة، وتقريباً لم يتغير الديكور أو الفضاء الذى رسمه بيكت لشخصياته فى مسرحية «نهاية اللعبة»، نافذتان؛ واحدة فى عمق المسرح من المفترض أنها تطل على البحر، وأخرى إلى جوار المطبخ الذى نشاهد مدخله الذى يعبر منه «كلوف»، وباب آخر من المفترض أن يؤدى إلى الشارع سوف يخرج منه «كلوف» فى نهاية العرض أو يوحى للمشاهد بهذا الفعل. وفى المنتصف كرسى ضخم يجلس عليه «هام» ولن يفارقه طيلة زمن العرض، يحركه «كلوف» يتجول به فى هذا الفضاء الذى يوحى بالكآبة والملل، وإلى اليمين وعلى مقربة من الجمهور صندوقان للقمامة يجلس بداخلهما الأب والأم والدا «هام» يطلان بين الحين والحين، يثرثران بكلمات قليلة..
هذا فضاء الحكاية لعرض «لعبة النهاية» الذى حافظ المخرج سعيد قابيل على رموزه ودلالته كجزء من البنية الأساسية للعرض، نوافذ عالية وبعيدة، باب مغلق، وسلم يحمله «كلوف» يحاول من خلاله رؤية العالم الخارجى وفقاً لأوامر «هام».. هذا الفضاء يعيش فيه أربعة شخصيات «هام»، يحكم ويسيطر وهو قعيد لا يستطيع الحركة، أما «كلوف» فهو الشخص الوحيد الذى يتحرك فى هذا النص / العالم ولا يستطيع الجلوس / الراحة، والأب والأم حبيسان فى صندوق قمامة، كل هذا فى مكان مغلق، فماذا فعل هؤلاء حتى تكون حياتهم فى هذا الجحيم الأرضى، لا توجد أحداث أو أفعال، سكون تام، فضاء الحكاية فضاء الموت؛ والجميع مستسلم لهذا المصير، فقط «كلوف» يرغب فى الخلاص، هو من يصعد السلم، يطل على الخارج، يرى أشياء ضبابية غير واضحة.. «كلوف» الغامض الهوية، أية صلة تربطه بهؤلاء الموتى، أبوه تركه هنا، من أبوه، يسأله «هام».. لماذا تبقى معى، ويرد: لماذا تبقينى معك، وكلاهما لا يملك إجابة واضحة، والإنسان فى مسرح العبث لا يملك إجابة!
مسرحية «نهاية اللعبة» التى قدمها مع إعداد جديد فى مسرح الطليعة المخرج سعيد قابيل فى محاولة لإحياء ذكرى عرضها فى مطلع ستينات القرن الماضى وبمناسة مرور ستة عقود على تقديمها من إخراج سعد أردش عام 1962، والنص تم نشره عام 1958، وأنا أشاهد العرض أسأل لماذا بيكت الآن، ولماذا مسرح العبث، ورغم أن المخرج الذى قدم النص تقريباً فى ملابسه الرسمية، دون أن يضفى عليه طابعاً معاصراً أو يحاول أن يضيف إليه توابل المسرح الآنية، الأفعال التى أصبحت معتادة فى مسرح هذه الأيام، سعيد قابيل مخرج متميز ويعى جيداً من هو بيكت ويعى أيضاً رؤية وفلسفة بيكت للعالم من خلال المسرح.. ودون شك كانت جرأة تحسب له أنه يقدم بيكت فى صورته الأصلية، الصمت، التكرار، الكثافة اللغوية، السكون، يشير بقوة للمشاهد أنه سيشاهد بيكت فى ملابسه الرسمية، مع بعض الحذف من حوار الشخصيات، وتحويل اللهجة الفصيحة إلى عامية مصرية كان من عوامل التقارب بين حيز اللعب وحيز الجمهور، وساهم بشكل كبير فى التواصل بينهما، بل وأضفى طابعاً ساخراً على هذا الحوار المكثف والجاد الذى يخلو تقريباً من الفعل، هذه اللهجة القريبة من المشاهد مع أداء د.محمود زكى فى دور «هام» بخبرته ووعيه المعرفى بطبيعة شخصيات بيكت، فليس سهلاً أن يؤدى ممثل قابعاً فى كرسيه على مدى ساعة تقريباً شخصية طبيعتها الصمت والسكون والكلمات المتكررة والحوار النمطى ويستطيع أن يكون مؤثراً ومعبراً بقوة عن مكنون هذه الشخصية، وأيضاً محمد صلاح فى دور «كلوف» الذى جسد كل تشوهات هذه الشخصية النفسية والجسدية، فقد كان محرك الأحداث فى كل المشاهد، حلقة الوصل بين الموتى الثلاثة، فى علاقته مع «هام» لا نعرف هل هو الابن أم الخادم، ثمة غموض فى رغبته فى البقاء أو فى رحيله، جسده ببراعة هذا الممثل الذى حافظ على مساحة الغموض فى هذه الشخصية. أما محمد فوزى الريس أو «ناج» الأب، مع لمياء جعفى «نيل» الأم.. كلاهما قابع فى صندوق قمامة يطل برأسه بين الحين والحين يؤدى مشهداً قصيراً، كمن أطل من فتحة القبر وسوف يعود للرقاد مرة ثانية، لحظات قصيرة لكنها مؤثرة.
المخرج سعيد قابيل الذى قدم صموئيل بيكت فى هذه الصورة التى حافظت على فلسفة الكاتب وفلسفة مسرح العبث دون خوف من النفور الجماهيرى الذى يختلف دون شك عن جمهور الستينات، قدم نص نهاية اللعبة أو لعبة النهاية، حيث اختلف المترجمون فى تعريب العنوان وهو يعى جيداً أن مسرح العبث ليس خارج الواقع أو بعيداً عنه، بل إن مسرح بيكت المزدحم بأشباح الموتى ينطلق من الواقع ويعالج هذا الواقع بأسلوب يبدو غير واقعى، لكن أحداث مسرح العبث وشخصياته حتى وإن بدت غريبة فى ظاهرها إلا أنها على مستوى البنية العميقة شخصيات واقعية، ففى هذه المسرحية ومن خلال ديكور أحمد جمال وإضاءة إبراهيم الفرن اللذين صمما فضاء هذه الحكاية مع رؤية المخرج ليبدو واقعياً على مستوى البنية السطحية للمنظر المسرحى، لكن إضاءة إبراهيم الفرن أضفت عليه طابع الغموض والشك وحولت البيت إلى مقبرة، فعلى مدى ساعة لا يشعر المشاهد بالملل رغم بُعد المسافة بين فلسفة مسرح العبث الذى ذاع صيته فى ستينات القرن الماضى، وبين اللحظة الراهنة، وذلك بسبب مفردات المنظر/المسرح التى قدمها العرض ببراعة وإتقان ليبدو مزيجاً من الواقع والعبث.
حين صدرت نهاية اللعبة نهاية الخمسينات وقوبلت بعاصفة من النقد والاستنكار، مسرحية شخصياتها بلا أفعال، ليس سوى الصمت والتكرار والانتظار الذى بدأه بيكت فى مسرحية «فى انتظار جودو»، وكان رد من تفاعلوا مع رؤية بكت وانحازوا إلى شخصياته، قالوا إذا كان الأب والأم يعيشان فى براميل، فهذا لا يبدو غريباً، هل لا يوجد إنسان لا يعيش فى برميل، يوجد عشرات ومئات ليس شرطاً أن يكون برميل بيكت؟، حتى «هام» القعيد الضرير المسيطر الذى يدير شئون البيت، حتى أفعال «كلوف» يوجد مثله المئات يديرون العالم وهم على هذه الصورة. وظنى أن من يتأمل شخصيات بيكت فى المسرح، والرواية حتى فى أشعاره، سيجد أنها شخصيات واقعية، لكن واقعية تحتاج إلى بصيرة ثاقبة حتى نراها، وهذا ما جسده سعيد قابيل فى هذا العرض الذى يبدو غريباً بين عروض المسرح المصرى فى السنوات الأخيرة.
وأخيراً عرض «لعبة النهاية» الذى ترجمه الشاعر والمسرحى اللبنانى بول شاؤول عام 1992، وهى الترجمة التى اعتمدها العرض ويحسب للمخرج أنه ذكر اسم المترجم فى بطاقة العرض وهذه البديهة أصبحت من النوادر فى عروض البيت الفنى للمسرح، وأقصد وضع اسم المترجم فى بطاقة العرض.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تحل الفنانة مى عمر ضيفة شرف فى مسلسل «8 طلقات»، والذى يقوم ببطولته زوجها المخرج محمد سامى.
يودع الفنان محمود حميدة لوكيشن تصوير مسلسله «فرصة أخيرة » نهاية الأسبوع الحالى.
يواصل الفنان محمد إمام تصوير مشاهد مسلسله «الكينج»، والذى يشارك فى السباق الحالى.
يكثف فريق مسلسل «فخر الدلتا» ساعات التصوير للانتهاء من العمل الأسبوع المقبل.