سميرة سعيد.. أيـام الرهانات الخاسرة

منذ ظهوها لأول مرة على شاشة التلفاز المغربى وعمرها لم يتجاوز التاسعة بعد وهى تعرف كيف تأسر الناظرين..

 هى الآن فى قمة نضوجها، وكيف لا يكون ذلك وقد تجاوزت السادسة والستين بثلاثة أشهر.. كيف لا يحدث ذلك وقد امتلأت المكتبة الغنائية بألبوماتها وحفلاتها وأحاديثها الواضحة الجريئة؟

عن سميرة سعيد أحدثكم.. وقد أصدرت منذ أيام أحدث أغنياتها "كداب"، وهى الأغنية الثالثة من ألبومها الجديد من ألحان عمرو مصطفى، الذى يبدو جليا أن سميرة تبحث معه عن الغريب والجديد هذه المرة، وتراهن عليه بعد أن جربت خلال العامين الفائتين أكثر من شكل غنائى ما بين "التكنو" والشرقى الطربى الذى يعيدنا لسنوات البدايات.. لكن التجربتين كلتيهما لم تحقق لسميرة المكانة والوجود اللذين تريدهما، فهى ومنذ قدمها بليغ حمدى لجمهور القاهرة فى عام 1977 لا ترتضى عن المقدمة بديلا.. لكن يبدو أنها تعثرت هذه المرة.. فما يقدمه لها عمرو مصطفى لا يزيد عن كونه "خزعبلات" موسيقية تخرج بسميرة سعيد من دائرة "الجرأة والتجريب" اللذين يميزانها إلى دائرة "العبث" وبينهما أشواط شاسعة.

بليغ.. أول الطريق

قبل أن تلتقى سميرة الطفلة بعبدالحليم حافظ فى القصر الملكى.. كانت مجرد طفلة تعشق الغناء الذى تجيده والدتها ويسمعه والدها المحب للموسيقى.. ثم اكتشفوا أنها "مميزة" بين أفراد العائلة فذهبوا بها إلى أحد برامج المواهب.. ولأنها كانت قصيرة، فقد رفعوا جسدها النحيل على كرسى حتى يمكنهم تصديرها.. وبمجرد أن نطقت برائعة السنباطى "الأطلال" كانت قد سحرت قلوب كل من استمعوا إليها.. اخترقت كل الحواجز ووصلت إلى القصر الكبير، حيث يستضيف الملك فى كل عام نجوم الغناء والتلحين من القاهرة، وفى مقدمتهم حليم الذى أحب سميرة.. وذهب لزيارتها بمنزلها وقرر تقديمها فى حفل بالقاهرة.. لكن الطفلة الصغيرة لم تستطع أن تفعلها.. وتأجل الحلم حتى أنجزت دراستها الثانوية.. وفى ذلك الوقت لم تنقطع عن الغناء والظهور فى برامج التلفاز، وتسجل مكتبة التليفزيون المغربى أحد أعمالها وهى طفلة فى عام 1973 حيث تغنى لرمضان ولبيت الله.

وفى عام 1977 جاءت سميرة للقاهرة، لكن حليم كان قد رحل منذ شهور.. فكان أن احتفى بها كبار ملحنى مصر.. الموجى ومحمد سلطان وبليغ حمدى.. وعلى مدار خمس سنوات قدمت سميرة ثمانية ألبومات.. كان أولها "الحب اللى أنا عايشاه" ودرتها "علمناه الحب" فى عام 1982.

"علمناه الحب على إيدينا".. لحن بليغ البديع الذى أذاعه التليفزيون المصرى قدم للجمهور العربى مطربة راسخة "استوت" ونضجت تماما.. ولم يكتف بليغ بما قدم، فقد منحها كل ما يملك من "فكر" وتاريخ إنسانى دفع "وردة" إلى الرحيل عن عصمته، بعد أن تسبب الوشاة فى الزج باسم سميرة كحبيبة وزوجة محتملة لبليغ.

فى ذلك العام.. قدم بليغ أولى تجاربه فى التقديم التليفزيونى من خلال تليفزيون أبوظبى.. برنامج "جديد فى جديد"، وكانت فكرته تقوم على استضافة مطرب أو أكثر وتقديم أكثر من لحن جديد له من ألحان بليغ بالطبع.. وظهرت سميرة فى حلقة نادرة بصحبة الراحلة الكبيرة ليلى مراد.. فى تلك الأثناء لحن بليغ لسميرة عددا كبيرا من الأغنيات، وظل فى أبوظبى لفترة بعيدا عن وردة التى كانت تعانى آلام الحمل، وسربت الصحافة اللبنانية خبر "زواج بليغ المحتمل"، فكان أن صممت وردة على الطلاق الذى لم يحضره بليغ وأجبر عليه، ووكل أحد المقربين منه لإتمامه تلبية لرغبة وردة.

لا أحكى هذه القصة من قبيل النميمة.. فالبعض يعرف معظم تفاصيلها.. ونفت سميرة فى أكثر من لقاء تليفزيونى فى السنوات الأخيرة أن تكون سببا فى قصة انفصال بليغ عن وردة.. لكن ما يعنينى فى الأمر أن بليغ وجد فى سميرة ضالته.. وجد فى حنجرتها ما لم يجده عند أخريات.

فى ذلك العام، كان قد قدم على الحجار لأول مرة بأربع أغنيات من ألحانه وإنتاجه.. وكذلك قدم محمد الحلو ومحمد منير وتوفيق فريد وسوزان عطية.. كان فى عز "تألقه" وشغفه وإصراره على تعويض الساحة الموسيقية بأسماء جديدة.. وموسيقى جديدة.. فكانت سميرة حاضرة..

"بنلف نلف نلف نلف/ والسنين بتلف تلف تلف

وآلام بتزيد وجراح بتجف/ حبيبى

بنودع ربيع.. ونستقبل ربيع/ يخضر الشجر

وتتنسى الدموع ويحلو السهر/ حبيبى

ونصبح ذكريات.. مجرد ذكريات..

مجرد كلمة حلوة من ضمن الأغنيات"..

تلك الكلمات كتبها بليغ فى وداع عبدالحليم حافظ عام 1977.. وقدمها لسميرة فى ألبوم "آخر هوى" لتغنيها وردة أيضا بتوزيع مختلف.. وبعد سنوات طويلة يقوم مصطفى قمر بإعادة توزيعها وغنائها فى فيلم "البطل" بعد وفاة بليغ بقليل.. ومن بعدها يغنيها العشرات.. لتؤكد مجددا أن اختيارات بليغ لسميرة كانت وستظل المحطة الأهم فى رحلتها التى لم تتوقف ثانية عن البحث والتجريب.

السنوات العشر التالية شهدت تعاون الكثيرين مع سميرة.. بداية من حلمى بكر وليس نهاية بجمال سلامة.. كل من جاء بعد بليغ حاول أن يستغل ذلك الصوت الأنثوى الذى يتشظى سحرا لتقديم أهم ما لديه من موسيقى مختلفة.. وسارع الشعراء إلى تقديم ما يعتقدون أنه مختلف عن السائد كذلك.

قصة صناعة "مش هاتنازل عنك مهما يكون" كما حكاها مؤلفها الشاعر عمر بطيشة تقول بأن سميرة لم تكن بداية تعاونها مع جمال سلامة "جريئة بما يكفى"، فقد قررت عدم طرح "مش هاتنازل" بعد تسجيلها.. وركنتها.. ولأسباب لا علاقة لها بها كما حكى لى المنتج محسن جابر حيث تصادف أن "الوش التانى من الألبوم" كان يحتاج إلى أغنية أخرى.. كان أن سمحت سميرة بنزولها مرغمة لتفاجئ الجميع بنجاحها المبهر.

ربما كانت هذه الأغنية ومن قبلها "بنلف" هى التى شجعت سميرة على اللعب مع الجمهور لعبة التجريب مرة وراء أخرى.. ومنحها النجاح المتتالى فرصا إضافية.. فقد صارت رقما مهما فى مسيرة الغناء العربى بكل لهجاته.. وسمح لها جمهورها بأن تفعل ما تشاء.

وفى مطلع التسعينات.. ذهبت وردة إلى الأغنيات الطربية بإيقاع المقسوم مع صلاح الشرنوبى.. وكذلك فعلت ميادة الحناوى ونجاة الصغيرة وكثيرات غيرهن.. لكن سميرة اختارت أن تجربة فى "المضمون" فيما تقدمه من معانى واختارت "سككا بعيدة".. لغة جديدة فى تعامل الأنثى المتمردة مع حبيها.. فغنت..

"أيوة.. باشتاقلك ساعات

أيوة باحتاجلك ساعات

وأبقى عايزاك ليا وحدى

ما انت أجمل حكاية عندى

إنما لو تنسى قلبى

هانسى قلبك واللى فات"..

هذه الندية.. وتلك المعانى.. التى حولت العلاقة بين الرجل والأنثى لحالة احتياج متبادلة.. صنفت سميرة فى "منطقة جديدة" كمعبرة عن حال جيل جديد من النساء يرفض الاستكانة والمسكنة.. وموسيقياً جربت استخدام إيقاعات الراى وغيرها.. ومن عام إلى آخر أضافت مساحات جديدة لنفسها وللأغنية العربية أيضا..

"عندى حالة ملل

بافقد بيها الأمل

مش عارفة عايزة إيه

مش عارفة رايحة فين

محتاجة أشوف حاجة

تسعد قلبى الحزين

يمكن محتاجة حب يهزنى

ويلفنى ويجيلى من كل اتجاه

يمكن محتاجة قلب يحسنى

ويرد مشاعرى تانى للحياة".. إلخ..

صوت عابر للمسافة وللأجيال

فى تسعينات القرن الماضى وبداية الألفية الجديدة طرأت ظواهر لافتة على ساحة الغناء.. أبرزها ظاهرة اللطم والنحيب فى مفردات الأغانى.. والردح فيما بعد للحبيب الذى غادر.. وتدنى مستوى المعانى والمضامين التى تسلكها تلك الأغنيات.. وأيضا عرفنا أشكالا موسيقية شاعت ثم اختفت.. وفى وسط ذلك الضجيج بقى صوت سميرة محتفظا بأناقته وتفرده واختياراته..

جاء جيل جديد من الشعراء والملحنين والموزعين.. والمطربين والمطربات أيضا.. أصبح هناك نانسى ونوال ولطيفة وإليسا وذكرى وأصالة وأنغام ومن بعدهن شيرين عبدالوهاب..

وعبرت سميرة كل تلك الأزمنة وكل تلك المستجدات ينظر إليها جميع هؤلاء النجمات "بشغف ودهشة".. ويبحثن عن سر تلك اللمعة التى لا تغيب عن تلك الحنجرة.

فى أحد أيام أغسطس هاتفنى الزميل الإعلامى الكبير محمد هانى.. "سميرة تريدك أن تذهب لها".. كنت قد التقيتها قبلها بسنوات طويلة فى استوديو هانى مهنى الذى كان زوجها فى ذلك الحين.. وكنت لا أزال فى أول السكة.. واستمعت لى جيدا.. وطلبت أن أجرب معها شكلا مختلفا فى الكتابة ولم أفعل.. لم أجد لدىّ ما يليق بها.. وبعد عشرين سنة ذهبت إليها مجددا.. وجدتها كما هى.. هى سيدة تعرف دروب الموسيقى جيدا، شرقيها بغربيها.. تعرف أحدث ما وصل إليه علم التوزيع.. تفتش فى الإيقاعات من كل بلاد الدنيا ودائما تبحث عن معنى جديد.

أمضيت فى بيتها ساعات، وخرجت ليتأكد لى مجددا أنها سيدة تسابق الزمن بحثا عن "لحن وكلمة" فى ذهنها وحدها.. هى تسبق الجميع وتعرف كيف تمسك بالضوء الهارب..

"أيوة الحياة وطن البشر

أيوة الهوا وطن الوجود

أيوة السما وطن الطيور

أما أنا.. وطنى الغنا

لما باغنى باحس إنى فى الوجود

ولما باسكت

صوتى يخرج م الحدود"..

نعم.. هى كذلك بالضبط.. هذه السيدة تتوطن الغناء والموسيقى، تستوطنهما كما وصفها المبدع بهاء الدين محمد بالضبط.. ولهذا فهى كثيرا ما تذهب بعيدا عن ذلك الوطن الحائر.. ولهذا أتفهم محاولتها الأخيرة مع عمرو مصطفى والتى أعتقد أنها "ضلت".. وخرجت عن الحدود التى تبقى سميرة فى قلب "جمهورها" وأنا أحدهم..

"حبيبى مش عليّا أنا

ده لو تحلفلى ميت سنة

مش هاجاب سكة فى كلمتين/ عليّا أنا

أمورك مبينة

غير أن عقلك مش هنا

وعامل عملة من يومين

كداب.. طبعا كداب/ بس يا كداب"..

كلمات مفتعلة مصنوعة بلاستيكية تدعى "الغرابة" والتجريب لا يأتى بالغرابة.. وليس معنى رص أى كلمات من عينة "ييجى سكة" أنك مختلف.. ولأن المؤلف غارق فى حالة "شتات" فالملحن كذلك.. جملة موسيقية مصنوعة.. لا بهجة ولا وحشة ولا إنسانية.. جملة موسيقية حائرة مثل صاحبها الذى شتتته معاركه عن موهبته الحقيقية.. فراح بعيدا وقد أخذ صوت سميرة معه.. عساها تعود قريبا.

Katen Doe

محمد العسيري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سعاد

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص