ريّا وسكينة فى قفص بحديقة الحيوان بأمر الحكومة فى سنة 1921

صوت الفنان الكبير الراحل «حسين رياض» محفور فى آذان أجيال، وهو من أساطين المسرح والسينما، موهبته الكبيرة

 جعلت منه رمزاً من رموز الفن فى مصر والوطن العربى، وهو صوت رمضانى منذ عشرات السنوات، لعلك يا عزيزى القارئ تتذكر فيلم «فى بيتنا رجل» الذى قام فيه «عمر الشريف» بدور البطل الثورى «إبراهيم حمدى» وقام فيه «حسين رياض» بدور الموظف الذى تحكم عليه الظروف باستضافة هذا البطل، وأحداث الفيلم تدور فى «رمضان» حيث هرب إبراهيم من مستشفى قصر العينى بعد أذان المغرب مباشرة وعقب انطلاق مدفع الإفطار، وهو الوقت الذى تخلو فيه شوارع القاهرة من الناس، وفى الديوان الذى يعمل فيه «حسين رياض» كاد أن يفطر فى نهار رمضان، بسبب تفكيره الزائد فى قضية «إبراهيم حمدى» الذى وضعه فى خصومة مع «الحكومة» على غير توقع أو انتظار، لولا أن نبهه زميل له قبل أن يشعل السيجارة، ونعود إلى موضوعنا الأصلى وهو عن «حسين رياض» فى برامج الإذاعة المصرية التى كانت تقدمها فى رمضان منذ نصف قرن من الزمان، ومن أتشهرها برنامج «أيام زمان»، والحلقة التى نتعرض لها، كتبها «محمود يوسف» ورواها «حسين رياض» وكانت حول أحداث العام «1921» وهو عام عصيب فى حياة الشعب المصرى، فيه تعثرت المفاوضات بين «عدلى يكن» و«كيرزون» وزير خارجية بريطانيا التى كانت تحتل مصر، وكانت ثورة 1919 مازالت مشتعلة فى قلوب الجماهير التى خرجت وراء «سعد باشا» مطالبة بالحرية والاستقلال والدستور، وفى العام 1921، سجنت بريطانيا المئات وأصدرت أحكاما ضد المئات من الثوار المصريين المطالبين بالدستور والاستقلال، لكن الحدث الكبير الذى أصاب الشعب بالخوف والرعب، هو ظهور عصابة «ريا وسكينة» وانكشاف تفاصيل جرائمها والمواجهة بينها وبين «الداخلية» و«النيابة العامة»، ومن المثير أن شائعة سرت بين الناس تقول إن «ريّا وسكينة» سوف تضعهما الحكومة فى قفص، مثل القرود والأسود داخل حديقة الحيوان بالجيزة، وصدق الناس الشائعة، وزحف الآلاف ليشاهدوا المجرمتين فى القفص، وقدرت الأعداد التى صدقت الشائعة بحوالى أحد عشر ألف مواطن، جاءوا من مختلف المديريات ليشهدوا لحظة انتظروها طويلاً، لحظة التنكيل بالعصابة التى قتلت العشرات من السيدات الفقيرات فى مدينة الإسكندرية، وبالطبع لم تضع الحكومة هاتين المجرمتين فى قفص حديدى، بل وضعتهما فى «حبل المشنقة» ورغم مرور مائة عام وأكثر على ظهور هاتين المجرمتين، مازالت الجرائم التى ارتكبتاها تشغل العقول، والأعمال الفنية التى تناولت قصتهما منحتهما البقاء فى الأذهان، ومظاهر الخسة والنذالة فى قلبى هاتين المجرمتين تمثلت فى دفن الضحايا فى أرض غرفة السكن، وممارسة طقوس الحياة ببرود، وهو أمر غير مسبوق، فالقاتل يلقى جثة المقتول فى البحر أو يدفنها فى موقع بعيد عن مقر سكنه وحياته، لكن «ريّا وسكينة» تجردتا من الآدمية وارتضتا الحياة والأكل والشرب والنوم فوق جثث ضحاياهما، وقدم برنامج أيام زمان فى معرض حديثه عن العام الفارق»1921» حديثا للمناضلة «هدى شعراوى» تناولت فيه العلاقة بين الرجل والمرأة فى المجتمعات المتحضرة، وقدم دور «ضيعت مستقبل حياتى» للفنان «السيد درويش»، وهو الدور الذى حقق نجاحاً كبيراً وأشاد به الجمهور والمتخصصون فى الموسيقى والبرنامج من تقديم «سعد لبيب» والفنان «حسين رياض» منحه من موهبته نفحة طيبة جعلته برنامجاً يقاوم الزمن حتى يومنا هذا.

سيرة الظاهر بيبرس على الرَّبابة فى الإذاعـة المصرية

الظاهر بيبرس هو السلطان المملوكى الذى وضعه التاريخ فى مقدمة الجيش «المملوكى» ليواجه قوتين مدمرتين، قوة الصليبيين وقوة المغول، فهزم الصليبيين فى معركة المنصورة وكان أيامها قائد المماليك البحرية التى رعاها وجهزها «الملك الصالح أيوب»، ولكن موت الملك الصالح أثناء المعركة المصيرية جعل «شجر الدر» تدير دفة الحكم بالاتفاق مع رجال القصر ورجال الجيش، وكان «ركن الدين بيبرس البندقدارى الصالحى» حامل لقب «أبوالفتوح» هو العبقرى العسكرى الذى أجهز على قوة الصليبيين بما أوتى من قوة فى التخطيط العسكرى وضبط القوات وإدارة المعارك، وتصدى بيبرس للمغول على أرض الشام وهزمهم فى «عين جالوت» وكان هو قائد مقدمة الجيش تحت قيادة «سيف الدين قطز» وقتل «قطز» عند الصالحية، وقيل إن من قتله هو «بيبرس» وحكم مصر، حسب قانون المماليك، الذى ينص على تولية من يقتل السلطان ليكون هو السلطان الجديد، وتعرض السلطان الجديد لصراعات وأزمات، حسمها لصالح نظامه، ومن هذه الأزمات، أزمة الجوع والغلاء وشح الأقوات، وهو أمر متكرر فى مصر، لأنها تعتمد على فيضان النيل، فى رى محاصيلها، فإذا زاد الفيضان عن الحد المقبول، وقعت المجاعة، وإذا انخفض منسوب الفيضان، حدثت المجاعة أيضاً، وفى زمن الظاهر بيبرس، شحّت الأقوات، ففتح الخزائن السلطانية ووزع القمح على الشعب، فأحبه الناس، وكتب المؤلفون له سيرة شعبية تضم آلاف الصفحات، تروى بطولاته وتصف حب الناس له، وهذا لم يحدث مع «سلطان مملوكى» غيره، فلا توجد سيرة قلاوون مثلاً أو سيرة الغورى، لكن السيرة الشعبية اختص بها الناس «الظاهر بيبرس» وحده، والشاعر «بيرم التونسى» جعل من هذه السيرة المكونة من خمسة مجلدات، حلقات درامية إذاعية، قدمتها الإذاعة المصرية فى ستينات القرن الماضى فى زمن الوحدة المصرية السورية، وربط فيها بين مصر والشام من خلال سرد حكايات الظاهر بيبرس، الذى خاض معارك كبرى على أرض الشام ضد المغول والصليبيين، وجعل نهر الفرات حدا فاصلاً بين «المغول» فى العراق و«المماليك» فى الشام ومصر، ومسلسل «الظاهر بيبرس» من أروع ما قدمته الإذاعة المصرية، ورواها على الرّبابة الشاعر «السيد فرج السيد» وقام بدور الراوى الشاعر الشعبى «سيد حوّاس» وكان ذلك فتحا كبيراً فى الربط بين الراديو والشاعر الشعبى والدراما والتاريخ والسير.

عصفور النار.. من إبداع عكاشة وفاضل والشريعى وحجاب

لا يمكن مرور رمضان من دون مسلسل للمخرج الكبير «محمد فاضل»، ومن أعماله الكبرى «عصفور النار» الذى منح فيه الفنانة فردوس عبدالحميد فرصة الغناء إلى جانب القيام بدور «حورية» الفتاة الجميلة المحبوبة الشجاعة التى تتصدى للظلم النابع من رأس عمها العمدة «صقر الحلوانى» عمدة قرية الحلوانية، وكانت ألحان «عمار الشريعى» وكلمات الشاعر الكبير «سيد حجاب» من أسباب نجاح المسلسل، فرغم وجود طاقم الفنانين الكبار «محمود مرسى وعلى الغندور وأنور إسماعيل وفردوس عبدالحميد وعبدالله محمود وأمينة رزق»، ورغم قوة السيناريو والحوار، وأهمية الفكرة «الحرية الغائبة» إلا أن أغنيات «سيد حجاب» و«عمار الشريعى» هى التى عمقت الإحساس بالسيناريو، واختيار «فردوس عبدالحميد» للقيام بدور حورية رغم كبر سنّها جعل عناصر العمل تكتمل، فأصبح عصفور النار، وكأنه امتداد درامى لفيلم «شىء من الخوف» الذى أخرجه حسين كمال وقام بطولته «محمود مرسى» فى أواخر ستينات القرن الماضى، ومن المهم هنا القول إن أسامة أنور عكاشة كان مدركاً تفاصيل مجتمع القرية فى الوجه البحرى ومدركاً تاريخ الفلاحين المصريين، وكان «محمد فاضل» موفقاً فى اختيار فريق الممثلين، كل ممثل كان فى مكانه الصحيح، ورغم أن المسلسل أذيع فى ثمانينات القرن الماضى إلا أنه مازال صالحاً للمشاهدة فى الوقت الحالى، فالناس يحبون الحرية والعدل، ويكرهون القسوة والظلم، وفى «عصفور النار» ظهر التفوق الفنى المصرى، وكان «المسلسل المصرى» فى زمن إنتاج هذا المسلسل مطلوباً فى كل الدول العربية، وماسبيرو هو مدرسة الدراما فى الوطن العربى كله بشهادة الجماهير وشهادة المتخصصين.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص