ألف وردة على قبر زكريا الحجاوى

الملك فاروق حدد إقامته فى المطرية.. والسادات أبعده عن «الجمهورية» ونسيناه

"نزلت السوق..

أبيع التوبة للى يتوب..

شبكونى"..

ربما تصلح هذه الكلمات التى كتبها فى إحدى أغنياته عن العيد لفيلم سينمائى، وغنتها خضرة محمد خضر وعمر الجيزاوى وفاطمة سرحان منذ عشرات السنين، مدخلا لقراءة حكاية رجل، ولد ومات عاشقا للناس والموسيقى والبلد، فطاردناه جميعا وأتعبناه بقدر ما أحبنا، فراح بعيدا مجبرا ليموت وحيدا فى غربة صحراء الخليج. إنه زكريا الحجاوى الذى تمر ذكرى وفاته هذا الشهر دون أن يتذكره أحد.. أى أحد..

"زرعت فدان جمايل

وأربعة معروف

ورويتها ياما شهامة

بالذوق وبالمعروف

واللى حماها أنا..

بالجدعنة ومعروف

أتاريها أرض طين

بتنكر المعروف"!

وهذا هو مواله الذى كتبه فى اليوم التالى لطلاقه من المطربة الشعبية الأشهر فى ستينات وسبعينات القرن الماضى خضرة محمد خضر.. فهل كان حقا يكتب مواله معاتبا لخضرة التى جاء بها من شوارع كوم حمادة، مجرد فتاة تبيع الفجل، لتصبح نجمة مطربات الشعب.. ثم تتركه بعد أن اشترطت عليه أن يشرب كل منهما من دم الآخر، فى أغرب حفل طلاق أقيم فى امبابة، بحضور عشرات المطربين والمطربات، لتصبح بعده أختا شقيقة له على طريقة الأساطير.

فهل كان ذلك الموال الأحمر مجرد همسة عتاب لزوجته أم أنه كان يقصدنا جميعا ويتهمنا بنكران الجميل؟!.. ولماذا أكتب أنا هذه السطور؟.. هل لأنفى عن نفسى نفس التهمة التى تطادر جميع من أحبوه، الذين لم يكن أولهم الرئيس السادات نفسه، ولن يكون رجاء النقاش أو يوسف الشريف أو محمود السعدنى حلقة أخيرة منهم.. فى السلسلة التى لا آخر لها من العشاق؟!

الصدفة وحدها قادتنى هذا الأسبوع لحكاية زكريا الحجاوى.. لأكتشف بالصدفة أيضا أن ذكرى وفاته فى السابع من ديسمبر قد حلت!!

كنت أفتش عن "أصل الصراع" بين من نسميهم الإسرائيليين وبيننا نحن العرب.. من أين بدأت القصة.. وبالصدفة وجدت كتابا مدهشا عن "حكاية اليهود" يكشف بشكل مغاير تفاصيل ذلك الصراع.. وينسف ليس على الأقل قصة كنت قد آمنت بها منذ سنوات، مفادها أن اليهود شىء والصهاينة شىء آخر.. لكن عمنا زكريا الحجاوى الذى توفى وحيدا فى صحراء قطر فى السابع من ديسمبر عام 1970 توصل إلى شىء آخر فى كتاب بديع اسمه "حكاية اليهود"، طبعته سلسلة الدراسات الشعبية التى ترأس تحريرها الراحل خيرى شلبى مطلع التسعينات ومؤلفه "زكريا الحجاوى".

المفارقة.. أنه لم يخطر على بالى قبلا أن الرجل كان مشغولا بهذه القصة، فضلا عن انشغاله بدراسة أكاديمية جادة تتعقب قصة اليهود لكن من مدخل "شعبى".. كيف رأى المصريون ذلك "الشعب" الذى جاء ليغتصب أرضهم وتراثهم وتاريخهم.. تلك الدراسة المهمة والنادرة كشفت عن وجه آخر لعمنا زكريا الحجاوى، مما دفعنى للبحث فى قصته شخصيا.. فالرجل الذى يقول يوسف إدريس إنه أحد رواد كتابة القصة الواقعية.. ويكتب نجيب محفوظ مقدمة الكتاب الوحيد الذى تناول سيرته.. لم يكن مجرد باحث جوال عن "الغوازى" كما يتصوره البعض.. بل كان رجل بحث وعلم وسياسة وفن وما خفى كان "أعظم".

 

 بسم الله الرحمن الرحيم وهنبدأ الليلة

فى معظم الأفراح الشعبية فى مصر، وربما فوق المتوسطة منها، عادة ما تسبق العروسين إلى القاعة فرقة نحاسية معها أحد عازفى آلة المجرونة القادمة من صحراء مطروح أو الوادى الجديد، ولفيف من الدفوف.. وأول ما ينطق به "الكورال" الذى يصاحب الدفوف والزفة وحركة المعازيم أغنية قادمة من زمن بعيد جاء بها زكريا الحجاوى من النسيان.. من ألسنة الفلاحين فى الأجران ودون "نوتة موسيقاها"، ثم أطلقها فى مقدمة كل العروض التى قدمها فى مصر والخارج لتصبح لازمة أى فرح فيما بعد..

"بسم الله الرحمن الرحيم

وهنبتدى الليلة..

ونقول يا عين.. يا عين

ونقول يا ليل .. يا ليل"..

فمن أين أبدأ القصة الرجل الذى لا أعرفه، لكننى حفظت ملاحمه عن "شيحة وألاعيبه".. عن ناعسة وأيوب.. وعن حبيبه الذى فى إسنا.. فيما هو فى أرمنت.. صاحب فيلم سيد درويش وأدهم الشرقاوى.. وحسن المغنواتى الذى أحبته نعيمة عاكف.. صاحب الستين ملحمة شعبية تلك التى أطلقتها الإذاعة المصرية طيلة فترة الستينات إلى كل العالم العربى؟

من أين أبدأ؟!.. هل نذهب إلى تلك الجزيرة الواقعة فى قلب بحيرة المنزلة واسمها المطرية؟! جميعهم يفعلونها ويبدأون قصته من هناك..

ولد أخير.. آخر العنقود لرجل صياد ميسور من صيادى تلك القرية، تعود أصوله إلى قبيلة الحجاوى التى تسكن مدينة العريش.. فى بيته الواسع جرامافون يغنى لسيد درويش مطرب الثورة التى لم تتشكل بعد.. اليوم هو الرابع من يونيو عام 1914.. والطفل الذى أصبح اسمه زكريا صار واحدا من جيل استقبل حلم سعد زغلول ورفاقه بجلاء الاحتلال.. سنوات قليلة ويصبح الطفل المدلل تلميذا فى مدارس الحكومة.. يقرأ ويكتب ويغنى ويرحل مع الراحلين خلف المداحين فى موالد الأولياء.. أصبح طالبا متفوقا فراح إلى بورسعيد وهناك تعلم عزف البيانو على يد موسيقى إيطالى فى مدرسة حرة لتعليم الموسيقى وتعلم كتابه النوتة.. لكنه تعلم ما هو أهم وأشقى "أنه مصرى".. ومن بورسعيد إلى القاهرة جاء وحيدا ليتعلم فى مدرسة الصنايع الملكية .. كلية الهندسة حاليا.. لكن مشاركته فى مظاهرة ضد الاحتلال ونداءه الذى أطلقه يومها "مصر لا تحتاج إلى زعماء.. مصر فى حاجة إلى البطاطين" دفعا بالقلم السياسى ورجال الملك إلى اتخاذ قرار ترحيله إلى قريته مجددا وتحديد إقامته فى جزيرة "المنزلة" محروما من الحصول على الشهادة النهائية.

لكنه قبل أن يعود إلى قريته كان قد تعرف على من هم مثله من السياسيين والأدباء الشبان، ومن بينهم أنور السادات الذى صار صديقا له إلى حين.

عاد الحجاوى للقاهرة مجددا.. والتحق بوظيفة أمر له بها النقراشى الذى كان واحدا فى جماعة وطنية تتسمى باسمه.. مجرد موظف فى ريف الحوامدية.. ولأنه مجرد أمين مخزن يكتب الأغانى ويقرأ الأدب الروسى ويدمن الحكايات والسير الشعبية تصور نفسه واحدا من أصحابها، فراح يوزع عهدة مخزنه الملىء بالبطاطين على فقراء القرية فى مدخل شتاء قارس.. فكان من الطبيعى أن يصبح متهما.. وأن يدافع عنه الفلاحون بشهاداتهم.. فتكتفى الإدارة بنقله إلى وظيفة أخرى لم يمارسها طويلا ليتركها ويعمل بالصحافة ويصبح سكرتيرا لتحرير جريدة المصرى التى ينشر بها قصصه الأولى.. تلك التى كتب عنها يوسف إدريس أنها بداية القصة الواقعية.

 كل ما فيكى يا مصر بيغنى

الرجل الذى تعلم الموسيقى وراح ينشدها لم يكن مجرد صحفى هاو.. لكنه تمرس فى بلاطها محررا فى معظم أشكال الصحافة، من كتابة الخبر للتحقيق للقصة الصحفية، حتى باب المرأة لم يتركه الحجاوى ليكتب فيه عن أزياء ممثلى هوليوود، وهو الأمر الذى جعل صحيفة المصرى الأشهر وقتها تترك له صفحة كاملة يفعل بها ما يشاء على حد وصف "يحيى حقى".. وهو الأمر الذى دفع الرئيس السادات لاختياره مديرا لتحرير أول صحيفة لثورة يوليو اختار لها السادات اسم "التحرير".. لكن الحجاوى قرر أن يكون اسمها "الجمهورية".. وصاحب امتيازها "جمال عبدالناصر"، واختار أبوابها ومحرريها وجهز أعدادها التجريبية.. وفجأة صدر قرار السادات بإبعاد الحجاوى إلى الشارع..

وقتها قيل إن السادات توصل إلى مذكرات يرسلها الحجاوى لعبد الناصر عن الجريدة وأحوالها تسخر منه ومن دوره فيها.. لكن هذه القصة نفاها شهود عيان بعد ذلك ليوسف الشريف، وضمنها كتابه عن الحجاوى.. وأضاف أولئك الشهود القصة التى صار الجميع يعرفونها.

عندما سجن السادات بتهمة اغتيال أمين عثمان تم نقله إلى المستشفى، وهناك جرت عملية تهريبه على يد ياسين عبدالغفار والأديب محمد على ماهر ابن مدينة طهطا صديق الحجاوى والسادات، وكان يعمل موظفا بالمستشفى.. وعبر القبو وممرات داخلية يعرفها ماهر وصلا إلى السيارة التى كانت تنتظرهما ويقودها ضابط سابق اسمه "حسن عزت" وابن شقيق الحجاوى الذى أخذهما إلى بيت الأسرة، حيث اختبأ السادات هناك لشهور بين الصيادين عاملا باسم "الريس إبراهيم".

أكل السادات وشرب ونام وعاش لشهور فى بيت الحجاوى الذى عرض نفسه وأسرته لشبهة التستر على هارب.. ولم يذكر السادات هذه القصة فى كتابه "البحث عن الذات".. لكن روايات عدة أكدتها فيما بعد كتفسير لسر تخلصه من الحجاوى فى جريدة الجمهورية، حيث كان يناديه باسمه مجردا "يا أنور" على اعتبار أنهما صديقان، دون أن يدرك "الشاعر العازف" أن صاحبه لم يعد ذلك المطارد.. بل صار رجلا من رجال الثورة.

ذهب الحجاوى إلى الشارع وحيدا ممرورا بلا مأوى ولا مال.. ولم يعد للصحافة مرة ثانية.. وراح يجوب البلاد بحثا عن مصر الحقيقية.. ولم يتخل عن مناصرته للثورة التى آمن بها فكتب عنها ولها عشرات المسلسلات التى قدمتها الإذاعة..

"يا عاشق المال

كفيك الحال مع أصحابه

حسبت ان البلد فاتوها أصحابه

حتى أتانا جمال هوه وأصحابه

وقال جمال..

يا زمان ارجع لنا تانى

قام الزمان الندل ورجع لأصحابه"..

ولم يكتف الحجاوى بمسلسلاته وما فيها من أغنيات ومعان داعمة لحركة يوليو.. لكنه راح يكتب واحدا من أوائل الكتب التى حاكمت العصر الملكى باسم "ملك ضد شعبه"، ثم أعاد تقديم فكرة الكتاب وأحداثه فى فرجة شعبية مسرحية بعدها بسنوات..

"يا حلو يا اسمر

غرامك فى الحشا شبابيك

وسمارك بخفة والعيون شبابيك

أنا أشهد لأنك مافيش زيك

من شبابك.. من الشبابيك

أنا خاطرى أطولك..

واشوف طولك من الشبابيك

يا ابو حسن وجمال ما شفتش

مثال أوصافك

لازم أغنى وأوصف جمال أوصافك

وأنا قلبى حبك

ونار العشق كاويانى

ورسمك جميل.. رموش العين كاويانى

بعدك علىّ طال.. والنوم مجافينى

ولافيش يداوينى

خلاف طلك من الشبابيك"..

"طلة من الشباك" كما وصفها الحجاوى بلسان مطربته جمالات شيحة فى وصف الأسمر عبدالناصر أعادت الحجاوى إلى الحياة، عندما كلف ثروت عكاشة ويحيى حقى زكريا بكتابة "مسودة الحضارة" وجمع المأثورات الشعبية بعد أن أعادوه إلى "مصلحة الفنون"، فراح يجوب القرى ليأتى بمتقال قناوى من قنا.. وخضرة من سنباط.. وجمالات شيحة من الشرقية.. ومحمد طه وأبودراع.. ويقدم أول أوبرا شعبية عن نص توفيق حنا واكتشافه لأسطورة "يا ليل يا عين"، وبعدها يطلق سرادق الحسين الذى ذهبت إليه جيهان السادات متفرجة ومشجعة.. وذهب نجوم السرادق إلى تونس وروسيا وعشرات البلدان.. ثم يعود الحجاوى ليدعونا لتأسيس الثقافة الجماهيرية ومعهد الفنون الشعبية، ويعد البرامج ويكتب الأفلام عن مصر الحقيقية.. لكن ضابطا شرطيا كان يدعى أنه أديب أعاده إلى الشارع مرة أخرى لتنتهى قصة أول مشروع حقيقى لجمع التراث الشعبى فى مصر.. هزمنا فى يونيو.. ومات عبدالناصر وجاء السادات رئيسا ولم ينصف الحجاوى، بل مُنعت كل أعماله فى الإذاعة.. وزاد الطين بلة بأن هدمت الحكومة شقته التى يسكنها فى إحدى عمارات الجيزة لتنفيذها شارعا جديدا، فلم يعد للرجل بيت ولا وظيفة، لولا أن ساعده الأصدقاء والتلاميذ بأن أوجدوا له وظيفة فى قطر.. تحت رئاسة الأديب السودانى الراحل الطيب صالح، الذى سانده كثيرا وهو يحاول جمع تراث الخليج الشعبى فى كتاب لم يصدر.. فقد فاجأته أزمة قلبية فى السابع من ديسمبر عام 1975.. ليموت غريبا وحيدا كما كتب رجاء النقاش فى رثائه له.

وقتها فقط تذكر الرئيس السادات صاحبه القديم، وقرر إعادة جثمانه وتكريمه فى حفل تأبين كبير، بل وذهب إلى المطرية وقابل ناسها الذين عرفهم وقت هروبه، وأمر بتحويل منزل أسرة الحجاوى إلى متحف، وأمر بتعيين نجله أسامة فى إحدى المؤسسات المهمة.. وأعلن إطلاق اسم الحجاوى على مسرح السامر الذى كان قد أسسه الرجل قبلها بسنوات.

منذ شهور.. أعادت د.نيفين الكيلانى افتتاح مسرح السامر بعد تجديده.. لكن أحدا لم يتذكر زكريا الحجاوى.. أغنياته وأفلامه وملاحمه وكتبه فقط هى التى تتذكره الآن.

Katen Doe

محمد العسيري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص