شهادات نادرة عن «فنان الشعب» فى عيون معاصريه

«سيد درويش» نسج ثوب فنه من خيوط البسطاء/ «سيد مصطفى» يحكى عن الـ 3 ليال فى «بوظة برابرة» مع «سيد درويش» / قصة اللقاء الأول مع زكريا أحمد.. وأخصب فترات «درويش» الفنية مع على الكسار

ما أكثر الكتب التى تناولت حياة الفنان سيد درويش الفنية والشخصية، فموسيقاه شكلت حالة فنية خاصة جدا لم يستطع الزمان أن ينساها بالرغم من وفاته فى ريعان شبابه وهو فى سن  الـ36 عاما. لقب "فنان الشعب" حمله "سيد درويش" بعدما ذاع صيته بين الناس كواحد من المعبرين الحقيقيين عن همومهم، ويمكن القول إنه نسج ثوب فنه من خيوط البسطاء، غير أنه جاء كذلك من وسطهم، وكان فقيرا مثلهم.

 ولد "سيد درويش" فى 17 مارس عام 1892 بحى كوم الدكة بالإسكندرية، وكان أبوه فقيرا يعمل بالنجارة واسمه "درويش البحر"، أما أمه  فاسمها "ملوك"، وأصر الأب على أن يعلمه حتى يراه شيخا حافظا للقرآن، وتعلم  "سيد درويش" القراءة والكتابة، لكن بعدما مات أبوه اشتغل عامل بناء ليعول أسرته المكونة من أمه وشقيقاته، وكانت حلاوة صوته سببا فى أن يشتهر بين المصريين، ولأن أمه كانت تريده أن يتم تعليمه فقد ألحقته- بجانب عمله- بالمعهد الدينى بالإسكندرية ليتعلم تجويد القرآن، وارتدى "درويش" الزى الأزهرى ولقب بالشيخ "سيد درويش" وكان عمره 13 عاما.

حاجة الشيخ سيد درويش إلى المال، خاصة فى ظل الظروف الاقتصادية العالمية السيئة (فترة 1907)  قد دفعته إلى أن يطرق أبوابا عديدة، فبعد العمل  مع الحرفيين فى سن الخامسة عشرة بدأ يغنى فى الأفراح والموالد مرددا  ما أتم حفظه من أناشيد وتواشيح  دينية ويستطيع أن يتكسب عيشه وأسرته منها، وبالفعل خلع ملابس الشيوخ وبدأ يغنى تاركا الدراسة، لكنه لم يترك طائفة المعمار، حيث صادف أثناء جلوسه على أحد المقاهى بين العمال ممثلا يدعى "محمد عطا الله" الذى سمع صوته وأعجب به واقترح عليه أن يعمل فى  فرقة تمثيلية يملكها شقيق أمين عطا الله، وبالفعل التحق بالفرقة، وبعدها أصبح الشيخ سيد درويش مشهورا لدرجة أنه أنشأ فرقة مسرحية خاصة به، وكان يقوم بدور البطل، لكنه لم يكن يجيد فن الإدارة، حيث كان مسرحه فى حى سيئ السمعة يكثر فيه وجود الجنود الأجانب، لذلك كان الإقبال ضعيفا،  وتوقفت الفرقة وبدأ يعود سيد درويش إلى التأليف الموسيقى فقط، وعندما مات سيد درويش فى 15 سبتمبر 1923 لم يشعر به أحد ولم يحضر جنازته سوى عدد قليل جدا، لكن فجأة انتبه البعض إلى قيمة هذا الفنان العظيم.

 علاقته بـالشيخ «زكريا أحمد»

سافر درويش إلى بلاد الشام كمحطة عمل عاد  بعدها إلى الإسكندرية فنانا بملامح جديدة، وبدأ يؤلف ألحانا خاصة به، فعمل  فى الأفراح الشعبية حتى عرفه أهل الإسكندرية، ثم بدأت أمواج الحياة ترفعه إلى أعلى فذاع صيته وتردد  اسمه فى  الأوساط الفنية، حتى جاء الشيخ "زكريا أحمد" بتكليف من الشيخ "على محمود" للذهاب للإسكندرية لإحضار الشيخ سيد درويش، وذهب الشيخ زكريا إلى كوم بكير واخترق الأزقة المظلمة والحارات حتى وصل إلى مقهى الشيخ سيد درويش، وعندما دخل الشيخ زكريا  المقهى فوجئ برجل عريض طويل يرتدى ملابس المشايخ مثله، ويجلس بين أفراد التخت يغنى فى عصبية بينما هم يستمعون إليه منصرفين عن غنائه بلعب الكوتشينة وشرب الحشيش، وكان الشيخ يغنى ويلحن لحنا بسيطا عميقا فى ذات الوقت، فاللحن قبل سيد درويش كان إعجازا لا يستطيع أن يغنيه إلا الصييتة، ولكن حول درويش اللحن إلى لحن بسيط، وتقدم الشيخ زكريا وقال له "قوم بينا" وقام الشيخ زكريا بصحبة الشيخ سيد ودخلا بيتا وصعدا للدور الرابع، وعلى ضوء الكلوب الباهت راح يغنى الشيخ سيد أحدث ألحانه فجلس عشر ساعات يسمعه دون أن يدرك الوقت، ولم يبت الشيخ سيد فى الإسكندرية، بل جاء بصحبة الشيخ زكريا إلى القاهرة، ورغم فرحته إلا أن الجمهور لم يرض عنه فى بدايته مما أصابه بإحباط شديد، وفضل أن يعود إلى الإسكندرية التى أصبحت مدينته الوحيدة التى تعترف به، ورغم ذلك كانت تمر عليه فترات يعانى فيها من ضائقة مالية فكان بكل تواضع ودون أى تنازلات فنية أمام لقمة العيش ينزل إلى الأرض ليرفع "قصعته" يحملها كعامل بناء مرة أخرى أو أن يعمل كاتب حسابات فى متجر زوج  شقيقته الكبرى، لكنه عاد من الإسكندرية مرة أخرى ليقدمه الشيخ "سلامة حجازى"، وتحديدا فى شهر يوليو 1918 قام بتلحين أول رواية له وكانت فى فرقة "جورج أبيض" عندما قرر أن يتحول إلى  المسرح الغنائى كوسيلة لإخراج الناس من هموم الحرب العالمية الأولى، وكان أول لحن له أوبريت "فيروز شاه"، وهو بداية نجاحه وشهرته بالقاهرة، حيث فوجئ بترديد الناس لألحانه.

 «الانتخابات» مع «الكسار»

علاقة الفنان "على الكسار" بـ "سيد درويش" كشفها "ماجد على الكسار" نجل الكسار على صفحات مجلتنا "الإذاعة والتليفزيون"فى حوار له منذ سنوات فقال: "قدم الكسار فنا مصريا يعبر عن هموم وأحلام الناس، ولأنه تفرد بمصريته عن سائر الفنانين الذين سبقوه وعاصروه بفرقهم ممن أتوا من بلاد الشام أو من اليهود أمثال: يعقوب روفائيل.. وصنوع وسليم نقاش وجورج دخول.. وعزيز عيد.. ونجيب الريحانى، وعمل الكسار مع سيد درويش الذى حمل لواء التلحين للمسرح لسنوات طويلة، وكان تعاونه مع الكسار أخصب فترة إنتاج قضاها فى تلحين أوبريتات الكسار منذ عام 1919 حتى عام 1923، وكان آخر أعماله المسرحية تلحين أوبريت «الانتخابات» لكنه فارق الحياة قبل إتمامه له، ومما لا يعرفه الكثيرون أن الفضل يرجع لـ «على الكسار» فى تقديم الشيخ «زكريا أحمد» كملحن للمسرح، عندما أسند إليه تلحين رواية «دولة الحظ» عام 1924 بعد رحيل سيد درويش.

 «زرونى كل سنة مرة».. حرام

"جينى جلال" حفيدة المطرب "حامد مرسى" تحدثت عن علاقة جدها بفنان الشعب "سيد درويش" قائلة: "أطلق على جدى لقب «بلبل مصر الوحيد»، وكان قد انضم إلى فرقة جورج أبيض المسرحية ثم فرقة على الكسار، وتولى الإشراف على المسرح الشعبى، ومن أشهر ما قدم أغنية أنا المصرى، وجدى كانت له علاقة غير عادية بمطرب الشعب سيد درويش، فعندما زار جورج أبيض إيتاى البارود عام 1918 لتقديم حفلة هناك، وبعد انتهاء "جورج أبيض" من تقديم الفصل الأول لمسرحيته، طلب منه مأمور المركز «بدرخان بك» أن يستمع إلى المطرب "حامد مرسى" وقام بغناء أغنية للشيخ «سلامة حجازى"، وفى تلك الليلة اتفق مع جورج أبيض على العمل معه فى فرقته، بعدها بدأ يعمل فى القاهرة ثم سافر إلى الإسكندرية والتقى بسيد درويش وتعرف عليه، وأعطاه "درويش" أحد ألحانه، وبذلك كان أول من غنى أغنية سيد درويش الشهيرة «زورونى كل سنة مرة»، وظل جدى عامين كاملين يغنى كل ألحان سيد درويش، ثم سافر معه فى رحلة إلى الشام لمدة 7 أشهر كاملة، وطوال هذه الرحلة ظل ملتصقا بـه، وبعد عودته إلى مصر بدأ يعمل فى فرقة «على الكسار» التى كان يعمل بها موسيقار الشعب سيد درويش".

 درويش فى «بوظة برابرة»

الملحن "سيد مصطفى أحمد الفطاطرى" وشهرته "سيد مصطفى" ولد فى 9 يونيه عام1906 بحى السيدة زينب، وبدأ مشواره الفنى كملحن عام 1927، فقد أسند إليه "على الكسار" تلحين مسرحيات لفرقته حتى بلغ عددها 27 مسرحية، ثم هجر فرقة الكسار فى أوائل الثلاثينات مع اشتداد أزمة المسرح، وتحدث "سيد مصطفى" عن حياته وكتب فصول منها بنفسه على صفحات مجلة الراديو المصرى  "الإذاعة والتليفزيون حاليا" بعنوان "حياتى"، وفى العدد رقم 590 الصادر بتاريخ 6 يوليه 1946 كتب سيد مصطفى عن محطة هامة فى حياته، وهى علاقته بالموسيقار "سيد درويش":  ذات ليلة ذهبت إلى فرح فى حى عابدين، وكان بين المدعوين الأستاذ "على الكسار" وعرفنى ببعض أهل الحى، فسألونى أن أغنى فغنيت وانسجم الكسار، وأرسل لى فى اليوم التالى يدعونى لملاقاته بمسرحه "الماجستيك"، وكان المسرح يومئذ مؤلفا من خيمة كبيرة ولكن الإقبال عليه كان عظميا، وتعاقد معى على الغناء مقابل خمسة جنيهات فى الشهر، وكان بمسرحه فى ذلك الحين مطربان هما عبدالقادر قدرى ومحمد عبدالوهاب، فانضممت إليهما وكنت ثالثهما، كان ملحن المسرح يومئذ هو المرحوم الشيخ "سيد درويش"، وقد لاحظ أننى أتميز بسرعة الحفظ فكان يصحبنى فى سهراته، ويلحن ويلقننى الألحان، ثم أذهب إلى المسرح صباحا فأتولى تحفيظ الألحان لأفراد الفرقة بالنيابة عنه أثناء "البروفة"، ثم يأتى الشيخ "سيد" فى آخر البروفة، فيراجع الألحان ومن هنا توثقت صلتى بالشيخ "سيد درويش" وكان ذلك فى طلائع مجده الفنى فى عام الثورة عام 1919، وقد لحن قبل ذلك عدة روايات لفرقة "نجيب الريحانى" منها كشكش بيه ولو ثم اشتغل مع الكسار، وانضمت إلينا السيدة "تحية أحمد" و"حامد مرسى"، وبعد ذلك بثلاثة أشهر استقال "محمد  عبدالوهاب"، وانضم  الأستاذان "عبدالرحمن رشدى" و"عمر وصفى"، ولحن "سيد درويش" لفرقة الكسار عدة روايات أذكر منها "راحت  عليك.. بنت الحاوى.. بربرى فى الجيش.. قلت له.. وأم أربعة وأربعين والحلال".. وغيرها.

وأذكر أيضا أنه أخذنى  ثلاث ليال متوالية قضيناها فى "بوظة برابرة" ليهيئ نفسه لألحان رواية "بربرى فى  الجيش"، وقد اشتركت مع الشيخ "سيد درويش" فى كثير من  الاسطوانات وكان اشتراكى فيها تارة معه شخصيا وتارة مع  ألحانه، فقد عبأت معه عدة ثنائيات "روايات" كنت أؤدى معه فيها صوت الفتاة، ومنها أديك، أهو قلتها، يا أبو زقزوق،يا هادى يا هادى، وهيص ياسى كشكش بين البنات، وعبأت منفردا من ألحانه اسطوانات يا نواعم يا تفاح يا حاجة حلوة كويسة ،الجرسونات.

«بديع خيرى» يكتب على صفحات «الراديو المصرى»

«درويش».. خادم الموسيقى

أصدقاؤه يذكرون: كيف نسى «درويش» الذهاب إلى حفل «كتب كتابه»

كتب المبدع الفنان "بديع خيرى" على صفحات مجلة الراديو المصرى فى عددها رقم ( 653) بتاريخ 20 سبتمبر 1947 مقالا بعنوان "ذكريات مع سيد درويش". وهذا نص المقال:

الدنيا ـ وآه من الدنيا ـ ياما راح تبنى وتعلى ـ وياما راح تهدم شامخ ـ الدنيا قد ما تغرس بالشمال تروى الزهر فى باهى رياضـه ـ قد ما تعصف باليمين وتقتلع العود الرطيب أوان ربيعه..

ـ الليلة ـ إذا ذكرنا البنا العالي- جارت به معاول الزمان ـ إذا ذكرنا الزهرة النادية صاحت بها مناحل الأقدار-ذكرنا "سيد درويش"..

عالم لوحده من الموسيقى الجياشـة إنسان متفرد ـ جيل من الفن الرفيع استتم فى سنوات قلائل - سنوات مر مداها لكن طال خلودها، سنوات كان من العجيب أن الموت يترصد ويطويها ـ كان العجيب هو العكس أعمار النوابغ أشبه بأعمار البدور ـ إذا اشتد نورها هرب النذير بزوال ضياها.

نصيبى الليلة من ذكرى زميلى الراحل هو سرد بعض الطرائف عن نواحيـه الشخصية، بحيث أقصد على قدر الإمكان أنى أرسم للمجتمع صورة تقريبية لسيد درويش على ضوء حوادث واقعية رأيتها بنفسى، ومن واجبى للذكرى وللتاريخ أنى أكشفها بوضوح. التواضع ـ أو بمعنى أوضح ـ إنكار الذات، كان من أبرز مميزات سيد، ويكفى أنى أستدل على كده بشىء واحد من أشياء كثيرة؛ الكارت المطبوع بتاعه عاش قد ما عاش واشتهر قد ما اشتهر ولا اتغير شىء عن سيد درويش وتحتها "خادم الموسيقى"، ولا يزال إخوانه المعاصرين اللى محتفظين بآثاره يقرونى على صحة قولى، وأظن زهده عن الألفاظ البراقة اللى كان فى إمكانه يسندها لشخصه واللى كان من حقه يتصف بها عن جدارة وعن غير ادعاء ده فيه الدليل الكافى على مبلغ مواراة سيد درويش لعبقريته على أنى لازم أفرق بين إنكار النفس فى التواضع المدهش ده وبين عزة النفس إلى أقصى الحدود إذا كان الموقف يمس ناحية من نواحى فنه..

على ما أذكر  مرت على أنا  فترة من الضيق ما أكونشى مبالغ إذا قلت إن ورقة بخمسة جنيهات وقتها تهز قلوبنا إحنا الاتنين من الفرح وتفك أزمتنا، وما اكونش مبالغ كمان إذا قلت إن قبل کده بكام يوم كل واحد منا ما كانشى يقل فى جيبه عن 100 جنيه أو أكثر، لكن بقا الشباب واللهو والمجاملات ما علينا  خطرت لنا فكرة؛ لنا صديق أرمنى وفى الوقت نفسه مهندس صوت يعنى ساعة ما يحب يسجل أى أغنية اشتراها يقدر يملاها فى  التو والساعة، وده  شىء ما كانشى متيسر لغيره من شركات الأسطوانات لأن دول لهم  ميعاد مخصوص يجيهم  مهندس صوت من أوروبا يباشر العمل ويسافر وده السر فى أننا ما قصدناش الشركات دى اللى بتقبض لما ييجى الميعاد بخلاف صاحبنا اللى يقبض فورى فى الحال وفورى فى الحال هو المهم عندنا اتفقنا أنا و سيد ننفرد بروحنا أكتب أنا كام قطعة  "قوام" وهو أول بأول يلحن ونوريهم لأخينا بضاعة جديدة نتحصل منها على اللى نقدر عليه وبالفعل قصدنا المحل واتكلمنا ويا الخواجه فى الموضوع برضه بمنتهى عزة النفس وبلهجة اللى فى جيبهم عشرات وميات لكن كان طبيعى تاجر زى ده فى السوق ما تفوتوش الطايرة أدرك الراجل اللى كان معتاد أنه لما يعوز منا شغلانة يبعت ورايا مرة واتنين إننا علشان نیجی برجلينا النوبه دى ونعرض إحنا الشغل، لازم تكون الحالة فيها ما فيـها،  باختصار انتهز الفرص وكسر مقاديفنا وآخر ما عرض علينا مبلغا هو نص المعتاد تقريبا إنما أنا فى الوقت ده لقيت اللى نطوله فى الوقت ده مهما كان قليل عال العال (وعصفور فى اليد ولا عشرة فوق الشجرة) واجتهدت فى إنهاء المسألة بأى شكل، إنما الشيخ سيد اللى كان ساكت طول المدة وسايبنى أرغى  غضبان وشدنى على غفلة وقطع  بمنتهى العصبية أوراق الزجل على أوراق النوتة وصرخ فى الخواجة: اسمع وافهمنى طيب أنا اتعودت الجوع كتير لكن ما اتعودش مرة فى حياتى أرخص كرامة فنى، وخدنى وقتها على صديق له كان متعهد عمومی لورق اللوترية استلفنا منه ما تيسر ولا أظن أنى فى حاجة للتعليق بأكثر من اللى سمعتوه عن كرامة الفنان وعزة نفس الفنان..

كان من غرائب الشيخ سيد أنه قبل ما يلحن شيئا لازم يعيش فيه جوه بين أهله وأربابه، ويحاول أن يشعر بشعورهم ويستمد من طبيعتهم صورة طبق الأصل يزخرفها هو كده بفنه وبالطابع الموسيقى المناسب.. أذكر مرة أننى قدمت له زجل كان فى الرواية الاستعراضية اللى اسمها "قولوا له" علشان يلحنه، كان الزجل يتضمن  شكوى طايفة السقايين اللى بيملوا بالقربة على ضهورهم واللى  بدأوا يتلاشوا قدام  تعميم حنفيات المية فى البيوت وتهديد  مهنتهم بالزوال، كان مطلع الزجـل "يعوض الله يهون الله عالسقايين دول كفرانين متعفرتين م الكوبانيه"، كل من سمع اللحن ده لا يزال يذكر أنه من إبداع ألحان "سيد درويش"  ولا انساشی أنه خدنى ثلاثة أيام ورا بعض  بدری من الفجر على حته فيها حنفية عمومية فى جهة اسمها على ما أذكر حيضان الموصلى ناحية الأزهر  يملو منها السقايين جماعات جماعات واجتهد يجر حديثهم ويتصاحب وياهم ويسمع مناداتهم بحيث لو أن واحد منهم كان مهتم بالتلحين وأسند اليه تصوير القطعة دى ما كانشى عملها غير كدة، ولحن المراكبيه ده راخر كان يقصد له إمبابه مخصوص وينزل فى شلة ريس منهم اسمه "محمد أبو عجينة" وعشرات من الحوادث اللى زى دى فى قطع مختلفة من ألحانه وأشوف ان تكرارها مالوش لزوم مادامت متشابهة، غاية ما هناك أن نفس الأوزان اللى كان يسمعها من نداءات البياعين مثلا أو تعابير أولاد  الكار زى لحن الشيالين اللى أوله شد الحزام على وسطك غيره ما يفيدك كان يطلب منى  وضع الأزجال فى أوزان متقاربة من الأصل.. وده زيادة فى دقة المطابقة.. مثلا.. "على مال مكة على مال جدة مال المدينة ده شغل الحجاز" ده كان نداء سمعته من واحد بتاع بلح مكبوس من نوع العجوة.. إيه رأيكم طلب نفس الوزن ده منى واتلحن"  ملیحه قوی القلل القناوى، وأبدع فى تلحينه كل  الإبداع.. ومن القبيل ده كنا فى طنطا نوبة وسمع العيال  فى الشارع بيهللوا (الساح يا بتاح يا خروف نطاح ) قام الشيخ "سيد" من وسطنا وكنا سبعة تمانية وفاتنا ومشى ورا الأولاد موجـه ودانه بكل اهتمام مسافة طويلة ورجع تانى يطلب منى وضع ختام ستار الفصل الأول من استعراضية « ولو » اللى كان مطلعه « يابو الكشاكش كان جرى لك إيه ياهل ترى"، وده نهج فى الموسيقى قلما الإنسان يتخيله سهل قد ما هو فى منتهى الصعوبة، وأحيانا كان الشيخ سيد يترنم فى وحدته أنغام معينة يستوحيها فى أوقات ما أكونشى أنا وياه فيها، كان يوضع لها ألفاظ لمجرد ضبط المقاييس ويقابلنى بعد كده يطلب منى صب الزجل فى نفس التفاعيل، وعادة كانت الألفاظ اللى يوضعها ما فيهاش أى اتصال بمعنى أو بسياق أو غيره مثلا: يا أخينا يا للى ماشى تعال هنهوه.. تعالالى لما أقول لك واسمع هنهوه.. أنا مالى ومالكم حـد الله.. ما بينى وبينكو يا هوه.

أما وطنية سيد درويش ده شىء يعبر عن نفسه بنفسه فى قوة ألحانه فى حماسة تعبيره فى إثارة النفوس، وأمامنا من مخلدات سيد درويش من النوع ده « إحنا الجنود ـ يا مصر يحميكى لأهلك ـ مصرنا وطننا ـ فوق يا مصر فوق  دايما بتنادينا..وغيرها كتير..

وأذكر فى المجال ده أننا فى الثورة المصرية سنة 1919 كنا سوا فى اجتماع وطنى انعقد فى الجامع الأزهر وخرجنا من هناك ركبنا عربية حنطور وقف الشيخ سيد فيها ينشد بنفسه طول الطريق لحنه (قوم يا مصرى )على أسماع المارة اللى تبعونا وهم يرددون بحناجرهم القوية كلامه كلمة كلمة وسطر سطر، وازداد عدد المتجمهرين لما بقت مظاهرة طويلة عريضة اتعرضنا فيها للمدافع الإنجليزية الرشاشة قدام المنعطف بتاع ترامواى الخليج، وانكسرت العربية اللى كان فيها الشيخ سيد من شدة التلاحم والتزاحم، وشاف انه لازم يعوض العربجى المسكين طلع اللى كان فى جيبه كله واداه له كبشة واحدة، وعرفت بعدين ان المبلغ 121 جنيه وكسور هى أول وآخر ما كان يمتلكه يومها..

ـ أما عن تدين سيد درويش فيكفى أن أذكر أنه كان يستحيل يمر أسبوع ما يزورش فيه ضريح من أضرحة أولياء الله، وعلى الأخص سيدنا الحسين والقهاوى المتواضعة اللى عند الباب الأخضر كأنها كانت تعرفه حق المعرفة، وألذ جلساته كانت ويا الجماعة اللى بيسموهم المجاذيب يعشوه ويعشيهم ويقضوا سوا جانب كبير من الليل، وكان له بينهم صديق عزيز عليه جدا.. هدومه مرقعة وحافى ومربى ذقنه اسمه المريسى، كان يسميه الشيخ سيد "الفيلسوف المخفى"، ويحترمه أشد الاحترام.. ويهمنى أن أسجل فى معرض تدينه أنه على قد انهماكه فى ألحان المسرح والتخت، وعلى قد ما بلغ فيهم مكسبه كان جنب كده ما ينقطعش أبدا عن تقديم التواشيح النبوية إلى زملائه القدامى من المقرئين، ويرفض على الدوام أن يقبل أجرا على تلحين شىء يختص بالدين ويعتبر التطوع ده كقرب منه إلى الله، والشهود على كده كتير فيهم الأحياء وفيهم الأموات، وبلغ من تفانى الشيخ سيد فى خدمة القرآن الكريم أنه شرع فى وضع تجويد فنى مربوط بقاعدة موسيقية مع مطابقته لأحكام الإلقاء الشرعى والتجويد الصحيح بحكم أنه كان مقرئا فى مستهل حياته، وأسمعنى بالذات بعض السور آية فى الروعة والخشوع..

ـ ناحية من نواحى سيد درويش كانت تدهشنى جدا قليل إذا حفظ بالظبط لحن يكون لحنه سريع النسيان يصادف أنه كان يتم تلحين القطعة وينظر لها ويرجع يحاول أن يتذكر أولها علشان تتسجل بالنوتة، ومن كده كان يصطحب وياه بعض أشخاص من فرقة الملحنين كل شغلتهم يلازموه واللى يتغنى به وهو بيلحن  يحفضوه عنه أول بأول، منهم محمد شلبی- وفهمى أمان و عبدالعزيز بشندى ومحمد الهواش. ودول هم اللى قبل ما يبدأوا البروفة فى المسرح يسمعوه اللحن كده يستعيده ببعض الإضافات ولو غاب اللى حافض منهم تبقى عطلة وشكلة..

ويحضرنى فى المناسبة دى أنه مرة كان فى شركة تسجيل الأسطوانات ومطلوب منه يومها تسجيل عشر قطع واللى كان مستعد له أربعة فقط شيع فى الحال يدوروا له على سنيده القديم من أول نشأته فى اسكندرية الشيخ محمود مرسى اللى بتسمعوه أحيانا فى الإذاعة، وبالفعل حضر وقعد يذكر الشيخ سيد بقطع كتير كان ناسيها هو من ألحانه السابقة وبالشكل ده تمم الشغلانة على ما يرام وأكثر، ونسيان سيد درويش موش كان بس فى ألحانه كان حتى فى أهم مناسـات حياته.. تصوروا أنه ليلة كتب كتابه على زوجته الثانية والدة الأستاذ حسن درويش ابنه الأصغر. كان المأذون منتظرا فى البيت والناس مجتمعين حواليه والأهل والقرايب وهو معانا فى بيت صديق طليانی اسمه "امبرتو أمييه"، مندمج فى ترديد حتة جديدة بيلحنها وذاهل وناسی خالص میعاد كتب كتابه والمراسيل تدور عليه من هنا ومن هناك، وفين وفين لما خطر على باله فجأة أن الليلة عقد زواجه وقام بعد تأخير طويل وهو يبكى من كسوفه للموقف الشاذ ده، ووصلناه احنا وقعدنا نعتذر بحادث وهمى اخترعناه كدب فى كدب علشان نبرر موقفه، تصادم وجه سليم ورحنا مع السواق عالقسم وأبصر ايه ـ وفاتت بين اللى صـدق واللى ما صدقش.

كان سيد درويش إذا غنى يغنى أولا علشان يطرب روحه وفى الوقت اللى هو مختاره موش اللى يطلبه غيره مهما كان غنى أو عظيم.. عنيد فى الرفض إذا كان ما لوش مزاج. وفى جلساتنا الخاصة كان إذا حب يغنى لازم نطفى النور ونسكت كلنا ما نبديش أى استحسان للنهاية، واللحن اللى يعجبه هو اللى يغنيه موش اللى ينطلب منه وده كلفه ثمنا غاليا من أعصابه.. فى ليلة ما انساهاش أبدا كان لنا صـديق فى القللى حب يجوز ابنه واستشار الشيخ سيد فى المطرب اللى يحيى الحفلة واعتقد الشيخ سيد أن التلميح ده معناه طلبه بالذات، وبالفعل حقق رجاه ووعده بأنه هايكون بنفسه مطرب الحفلة ويتبرع من باب المجاملة طبعا، وجينا وياه ليلة الفرح شلة من أصحابه، والمعازيم كانوا أغلبيتهم من سواد الشعب زمايل العريس وأبو العريس، وعلى فكرة كان صاحب الفرح معلم بيدير مخبز، ابتدا الشيخ سيد يغنى بإرادته هو ونقى زى عوايده الدور اللى يعجبه هو، وكان ملاحظ مع  الأسف أن السميعة فى شىء من الاستغراب والملل، وطبعا قطعة «أنا لا ألام » اللى غناها كلها محسنات فنية مرتبطة بأوضاع دقيقة فى صميم الأصول الموسيقية. اللى يحسها عالم بالأصوات مثلا عازف ممتاز - إنما مجرد سميعة من أوساط الطقاطيق. شىء ما يقدروش يدركوا سره..  انتهت الوصلة بفتور ونزل الشيخ سيد من التخت وهو دموعه مبللة وشـه للفشل المؤلم ده - واحنا حواليه نخفف عنه ونؤكد له أنه متوهم وأن الناس كانت مبسوطه قوى..

دارت الأيام يا شيخ سيد ودرنا

داحنا أطيافك بتبعتها تزورنا

أنت ما غبتش ولا فارقت دورنا

لك تاريخ زاخر بأحزاننا وسرورنا.

 

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سيد
منيب

المزيد من فن

على ربيع يعود للدراما بمسلسل جديد

بدأ الفنان على ربيع التحضيرات لمسلسل جديد يعود من خلاله إلى الدراما بعد غياب.

أحمد حلمى يستعد ل «حدوتة»

يواصل الفنان أحمد حلمى التحضيرات النهائية لفيلمه الجديد «حدوتة »، والمقرر أن يعود من خلاله إلى السينما بعد غياب.

الحمل يبعد أسماء أبواليزيد عن الدراما

اعتذرت الفنانة أسماء أبواليزيد عن بطولة مسلسل جديد مع الفنان عصام عمر، كان من المقرر أن تقوم بتقديمه خلال الفترة...

شعارها «مصر أولاً» شيرين تعود لأحضان المصريين

عادت صاحبة التجربة الاستثنائية... حتى في أزماتها، عادت لتمنحنا درساً جديداً في فنون الحياة وتقدم لنا تجربة من لحم ودم......