حكاية نجيب محفوظ عبقرى الرواية مع السينما المصرية فــى ذكرى رحيله

لو نظرنا إلى العلاقة التى جمعت بين «نجيب محفوظ» والسينما، سوف نجدها ثلاثية الأبعاد، البعد الأول هو «كتابة السيناريو» والبعد الثانى «القصة السينمائية» والبعد الثالث «رواياته فى السينما»، أما عن السيناريو فصديقه «صلاح أبو سيف» المخرج الكبير هو من رشحه له،

 كان قرأ روايته «عبث الأقدار» فعرف أن كاتب هذه الرواية يمتلك القدرة على كتابة السيناريو، ودعاه للعمل معه ومنحه سيناريوهات مكتوبة وكتبا متخصصة فى فن السيناريو، وبرع الروائى الكبير فى هذا المجال، بل سجل اسمه فى نقابة المهن السينمائية «فرع السيناريو» واحترف، واشتهر وكتب سيناريوهات لقصص وروايات كتاب آخرين منهم «إحسان عبد القدوس»، ولم يكتف بذلك بل كتب قصصا مخصصة للسينما، ولكن البعد المهم فى علاقة ـ نجيب محفوظ ـ مع السينما يتمثل فى تحويل رواياته إلى أفلام، ومن أشهرأفلام السينما المأخوذة عن رواياته «قلب الليل، الطريق، السمان والخريف، أهل القمة، الحب تحت المطر، الحب فوق هضبة الهرم، بداية ونهاية» وغيرها الكثير المأخوذ عن روايته المهمة «الحرافيش»، ولو حولنا هذه العلاقة إلى رقم فإن جملة ما عمل فيه ـ محفوظ ـ من أفلام بلغ أربعة وأربعين فيلما، شاملة ما كتبه من سيناريوهات وما كتبه آخرون من سيناريوهات لرواياته وما كتبه من قصص معدة خصيصا للسينما ولم تشملها الكتب التى أصدرها طوال حياته، لكن هناك علاقة وظيفية ربطت بين «عبقرى الرواية العربية» وصناع السينما المصرية، فى زمن الوزير المثقف الضابط الحر «دكتور ثروت عكاشة» الذى تولى مهام وزارة الثقافة فى ستينيات القرن الماضى واختار «محفوظ» ليكون فى منصب «الرقيب» على الأفلام، يراجع السيناريوهات ويمنع ويجيز، ومعه فريق من الرقباء، واستطاع فى تلك الفترة من حياته أن يقيم مصالحة بين «جهاز الرقابة» وصناع السينما، فلم يكن يرفض السيناريوهات «عمال على بطال»، واستطاع أن يمنع «الرشوة»، فالمتبع ـ قبل أن يتولى محفوظ منصب الرقيب ـ قيام الرقيب برفض السيناريو، فيلجأ المنتج لدفع رشوة للرقيب ويحصل على موافقة رقابية مختومة بختم النسر، ولكن ـ محفوظ ـ فى الفترة التى تولى خلالها هذه المهمة جعل المنتجين والرقباء فى حالة تصالح وتكامل، فانتهت العداوة التى كانت قائمة بين «الرقيب» و»المنتج»، وانتقل ـ محفوظ ـ من موقع الرقيب على الأفلام إلى موقع المسئول عن مؤسسة دعم السينما، واستطاع أن يقدم منجزا كبيرا، فظهرت أفلام مهمة بعد أن تلقت الدعم المالى من الحكومة، وظهرت الأفلام المأخوذة عن روايات كبار الأدباء المصريين، ولم تنس «السينما الوثائقية» الكاتب الكبير، فأنتجت عن حياته وعالمه الإبداعى والأماكن التى تحرك فيها أبطال رواياته عدة أفلام منها ما أنتجه «اتحاد الإذاعة والتليفزيون» ومنها ما أنتجته هيئات وجهات أخرى غير مصرية، وفى «30 أغسطس» من كل عام يتذكر المصريون هذا الكاتب الكبير الذى رحل عن الدنيا فى العام 2006، وترك ميراثا مهما من الروايات والقصص والسيناريوهات التى كان لها الأثر المهم فى بناء وجدان الجماهير، ومن المعلوم للجميع أن «نجيب محفوظ» وموهبته الكبيرة، لو لم تجد اهتماما من «ثورة يوليو» ما كان له أن يتحقق ويمتع الناس بما له من قدرات إبداعية فذة، فالموهبة التى منحها الله له، وجدت الدأب والمثابرة من جانبه، فعمل واجتهد وثابر، ووجدت النظام السياسى والثقافى الذى يدعمها ويستفيد منها، فالكاتب الصحفى «محمد حسنين هيكل» اختاره ليكون من كتاب الأهرام، واحتفل بعيد ميلاده الخمسين فى حضور رموز الكتابة الكبار، وحضرت أم كلثوم الحفل، والإذاعة حولت رواياته إلى مسلسلات، والمسرح قدم رواياته قبل أن تحول إلى أفلام سينمائية، والتليفزيون أنتج مسلسلات مأخوذة عن أعماله أيضا، وهذا هو الوضع الصحيح، كاتب كبير، ونظام ثقافى وسياسى يدعمه ويحميه ويهيئ له مناخ الإبداع باعتباره من «القوى الناعمة» الحقيقية التى تمنح «الدولة» وزنها وقيمتها المعنوية.

الأم القاتلة.. قتلت ضرتها ودخلت السجن لتحمى زوجـها وأولادها!

فيلم الأم القاتلة، كتب قصته  الفنان «محمود المليجى» وشارك فيه بدور الشرير المقامر، والبطولة النسائية كانت لزوجته «علوية جميل» ومعها «تحية كاريوكا»، وأبطال الفيلم ـ الرجال ـ حسين رياض وشكرى سرحان ونور الدمرداش، وفى الفيلم أيضا «شادية» وكانت فى بداياتها وغنت أغنيتين، والفكرة التى قام عليها السيناريو مرتبطة بالثقافة التى كانت مسيطرة على الطبقة المتوسطة فى مصر فى سنوات الأربعينيات والخمسينيات، ثقافة «القمار والرفق السرى»، فقد كانت الجاليات الأجنبية تمثل المعلم والدليل المرشد لهذه الطبقة فى جميع مناحى الحياة، فكانت الطبقة المتوسطة «المهندسون والمحامون والأطباء وأصحاب المشروعات الخاصة» تقلد الجاليات الأجنبية فى أسلوب الحياة، فانتشر بينها سلوك «المقامرة» وإقامة العلاقات غير المشروعة «الرفق السرى» بين الرجال والنساء، وهذا كله خلق أزمات اجتماعية، عبرت عنها السينما فى تلك الفترة، ومثال ذلك فيلم «الأم القاتلة»، المشهد الأول منه يظهر فيه سجن النساء، فى يوم عيد الفطر، والسيدة الفاضلة «علوية جميل» تجلس على «البرش» وتحكى حكايتها، التى هى «قصة الفيلم»، فهى قبل أن يتم سجنها، كانت زوجة لمهندس مشهور يملك مكتبا هندسيا معروفا، وكانت من النوع المتغطرس، المهموم بتطبيق القواعد السلوكية الصارمة، ولكنها فى ظل هذه الصرامة، نسيت زوجها المهندس، فعانى من حالة حرمان عاطفى، وسقط ضحية «راقصة»، استطاعت بمساعدة صديقها المقامر، استدراج هذا المهندس الوقور «حسين رياض» وجعلته يتزوجها، وحصلت منه على الأموال، ولم تكتف بذلك بل أغرت الشاب الغرير «ابن أخيه» واتخذته صديقا لها، ولما اكتشفت «الأم الصارمة» أن «الراقصة» دمرت بيتها ونغصت عليها حياتها، قررت قتلها، وقتلتها، وقضت المحكمة بسجنها خمس سنوات، وقصة الفيلم مازالت صالحة لظروف مجتمعنا، فمازالت النفوس الخربة تسعى لتدمير حيوات الآخرين، ومازال أصحاب القلوب المحرومة من العطف والحنان يقعون ضحايا لهؤلاء الأوغاد.

عفاف راضى..

 وحدى قاعدة فى البيت!

عندما تقع عينى على صورة عفاف راضى، أتذكر صوتها الجميل، كنت أسمعه وهى تغنى ضمن برنامج الأطفال على موجة البرنامج العام «هم النم يا روحى هم النم» و»مرة سألت الأستاذ أرنب ما انتاش ليه لابس نضارة»، وأتذكر «الراديو» الذى اشتريته فى أولى إعدادى بستة جنيهات، وأغنيتها «وحدى قاعدة فى البيت، فكرت فى حالى، حالى وبكيت»، ولو أعطينا ـ الحنين للطفولة وبواكير المراهقة فرصة التدفق ـ أقول إن «عفاف راضى» ارتبطت فى مخيلتى بمجلة «صباح الخير»، كانت صورتها مرسومة بريشة رسام لا أتذكر اسمه، فكان الراديو يذيع أغنياتها الحلوة، وأنا أستمع وأقلب صفحات المجلة، ورغم طفولتى وحداثة سنى ـ فى سبعينيات القرن الماضى ـ أحببت صوتها المختلف، ولما كبرت وسمحت الظروف بمشاهدة فيلمها «مولد يا دنيا» زاد إعجابى بها، وكنت محظوظا فرأيتها تمشى على قدميها فى مسرح البالون، كانت مشاركة فى مسرحية من مسرحيات قطاع الفنون الشعبية، كانت جميلة الصورة، راقية التعامل مع المحيطين بها، ومما قيل عنها إنها كانت ضمن مطربات أحب «عبد الناصر» أصواتهن، بل إن هناك رواية شفاهية متداولة، تقول إن الرئيس الراحل ـ عبد الناصرـ طلب الاهتمام بصوت عفاف راضى وقال عنها إنها «زى فيروز»، وحصلت ـ عفاف ـ على الدكتوراه فى الموسيقى، وهى التى غنت «حتى لونى قمحى من خيرك يا مصر»، وهى المولودة فى العام «1954» متعها الله بالصحة والعافية، وهى من «السنطة» غربية، ومولودة فى «المحلة الكبرى» وعمها «السيد راضى» الفنان المسرحى والمخرج المعروف، وكانت حفلات «أضواء المدينة» التى كانت تنظمها الإذاعة المصرية تعتمد عليها وتقدمها للجمهور، وهى مطربة أكاديمية، صاحبة قلب طيب وموهبة خصبة وصوتها الحلو مازال فى أذنى..

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

روايات نجيب محفوظ فى الإذاعة والتليفزيون.. فرحة لكل الناس
نجيب
محفوظ
نجيب
نجيب محفوظ.. مواطن شارك فى تحقيق أهداف الدولة الوطنية المصرية
فى ذكرى ميلاده (3) أفكار فلسفية وشخصيات عبثية فى مسرح نجيب محفوظ
نجيب محفوظ.. رواياته منحت الدراما المصورة حب الجماهيرالعريضة
فى ذكرى ميلاده شكل القصة وجوهر المسرح فى حكايات نجيب محفوظ

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...