كانت أول بطولة كبرى لعادل إمام مع آخرين من أبناء جيله فى «مدرسة المشاغبين» الذى شاركه البطولة رفيق مشواره سعيد صالح مع يونس شلبى وأحمد زكى وهادى الجيار بالإضافة إلى نجوم الجيل السابق نظيم شعراوى وحسن مصطفى وعبدالله فرغلى وسهير البابلى،
ففى مطلع السبعينات وفى ذروة تألق المخرج المسرحى الكبير جلال الشرقاوى ولدت فكرة مسرحية «مدرسة المشاغبين» مع سمير خفاجى والكاتب المسرحى المتميز على سالم، المسرحية التى كانت محطة مهمة فى حياته، بل ومحطة فارقة فى مسيرة المسرح المصرى فى النصف الثانى من القرن العشرين.
مدرسة المشاغبين
أثارت «مدرسة المشاغبين» جدلاً كبيراً امتد حتى تسعينات القرن الماضى، فهل أفسدت جيلاً من الشباب كما اتهمها البعض؟ واتهمها البعض الآخر أنها أحدثت تحولات مؤسفة فى حياة الشباب حين أتاحت لهؤلاء شرعية الاستخفاف والاستهانة بدور المعلم! إذن أين الخطأ فى هذه المسرحية، والسؤال بعد مرور ما يقرب من نصف قرن على عرضها، هل يمكن أن تفسد مسرحية جيلاً من الشباب كما اتهمها البعض إلا إذا كان هذا الجيل هشاً ضعيفاً والحاضنة الاجتماعية التى يعيش فيها فاسدة، وأن هناك أخطاء تراكمت على مدى سنوات، فوجد هؤلاء المشاغبون هوى فى نفوس الشباب، وإلا كان الشعب المصرى، تأثر وقلّد ريا وسكينة بعد فيلم صلاح أبوسيف حال عرضه 1953! فالمسرحية حققت نجاحاً كبيراً على المستوى الجماهيرى واستمرت أربع سنوات على خشبات المسارح فى القاهرة والإسكندرية وبيروت، ويعترف جلال الشرقاوى فى مذكراته «حياتى فى المسرح» أن المشكلة كانت فى تجاوز الممثلين وخروجهم عن النص وقال «لا أنكر أنهم بالغوا بل وأسفوا فى بعض الأحيان، ولم يستطع مخرج أو منتج كبح جماح هؤلاء النجوم» لتتحول المسرحية التى وصفها البعض بأنها تعبر عن التمرد على السلطة ومقاومة الجيل القديم ومحاربة المجتمع الانتهازى وإعلاء قيمة الحب والعلم، وأن الانحراف ظاهرة عرضية تنشأ نتيجة خلل فى النظام الاجتماعى، تحولت مع نزوات النجوم إلى عرض تجارى!
شاهد ما شافش حاجة
فى عام 1975 كان عادل إمام على موعد مع البطولة المطلقة مسرحياً للمرة الأولى فكما ذكرت «مدرسة المشاغبين» بطولة جماعية وإن كان الدور الأبرز فيها لعادل إمام، لكن كان سعيد صالح شريكاً أساسياً، وهذه البطولة كانت من خلال مسرحية «شاهد مشفش حاجة» والتى استمر عرضها لمدة سبع سنوات من إخراج الدكتور هانى مطاوع، وفى هذه المسرحية ظهر الفنان الموهوب بصورة مختلفة ليقدم كوميديا تناقش أعماق النفس الإنسانية ورغم الطابع الكوميدى الساخر للأحداث إلا أن العرض قدم صورة لا تخلو من رؤية فلسفية لشخصية سرحان عبدالبصير الذى يعمل ممثلاً فى برنامج للأطفال ولا يشتبك مع العالم، فقط يعيش فى عالم الأطفال والحيوانات، يعيش فى عالم البراءة، ليجد نفسه فجأة شاهداً فى قضية تتعلق بجريمة قتل! فتتغير الدنيا ويصطدم بعالم لا يعرفه، يواجهه فى البداية بمنطق الطفولة.. وبينما كان الجمهور يستمتع بهذا العرض على خشبة المسرح ويشاهد، هذا الشاهد متلعثماً أمام المحكمة يخرج عن النص، ويمارس هوايته فى الارتجال مهاجماً الحاضر والماضى، بعد أن اكتشف مواهبه فى الارتجال والقدرة على إقامة حوار مع الصالة.
الواد سيد الشغال
وفى عام 1985 يقدم عادل إمام ثالث أعماله المسرحية التى يلعب فيها دور البطولة «الواد سيد الشغال» تأليف سمير عبدالعظيم وإخراج حسين كمال، وكما تم اقتباس «مدرسة المشاغبين وشاهد مشفش حاجة» أيضاً تم اقتباس هذه المسرحية من فيلم «طلاق سعاد هانم» أوعلى الأقل تشابهت القصة التى قدمها أنور وجدى وعقيلة راتب من قبل، ولكن قام سمير عبدالعظيم بكتابة معالجة معاصرة للحكاية، حيث تطرح فى بنيتها العميقة قضايا فساد المجتمع وطبقة رجل الأعمال سواء من خلال توظيف الأموال أو هروب رجل الأعمال بعد استيلائه على القروض من خلال حكاية سيد «عادل إمام» الذى لجأ إلى المنزل الذى يعمل خاله فيه طباخاً هرباً من تنفيذ عقوبة السجن لمدة عام بتهمة ضرب أحد النصابين من أصحاب شركات توظيف الأموال الذى نصب عليه واستولى على أمواله القليلة، ويجد له الخال وظيفة معه فى المطبخ ليخدم هذه العائلة الثرية، وفى نفس توقيت ظهور سيد فى هذا المنزل يتم طلاق ابنة الثرى صاحب المنزل للمرة الثالثة من زوجها فيتم اختيار سيد ليقوم بدور المُحلل، لتدور الأحداث التى تتخللها العديد من المفارقات بين واقع الزوجة الثرية وممارساتها وسلوكها فى مقابل هذا القادم من الأحياء الشعبية. وهنا يجسد عادل إمام دور الشاب المشاكس الحشرى خفيف الظل الذى يفرض حضوره على هذه الأسرة الثرية، حيث يفرض ابن الطبقة الشعبية سلوكه وعاداته وتقاليده على طبقة الأغنياء الجدد، وهى ظاهرة أصبحت شائعة فى المجتمع المصرى فى السبعينات من القرن الماضى «فى الأحوال العادية وفى الظروف الاجتماعية العادية نسبياً تميل الطبقات الدنيا إلى تقليد الطبقات الأعلى فى أنماط سلوكها... أما فى الظروف التى تتعرض فيها الطبقات العليا للانحدار والتدهور على درجات السلم الاجتماعى يحدث العكس حيث تأخذ الطبقات الهابطة فى تقليد واقتباس أنماط وسلوك الطبقات الأدنى واعتناق قيمها»، وينحاز جلال أمين إلى هذا الرأى لعدة أسباب منها اكتساب الثقة بالنفس عند هذه الطبقات بسبب صعودها وهذا الصعود يؤدى بها إلى غزو فضاءات الطبقة العليا ناهيك عن غزو وسائل الإعلام والتأثير فى الرأى العام.. وهكذا تأخذ فى تأكيد وجودها.. وماكان محتقراً من عادات وتقاليد لهذه الطبقات أصبح لا يدعو إلى الخجل، وعادل إمام فى هذه المسرحية وحين يقتحم فضاء هذه الطبقة يثبت هشاشتها وضعفها ويفرض عليها ثقافته وعاداته، حيث ينتصر الفهلوى القادم من قاع المجتمع على هذه الطبقة!
الزعيم
وفى عام 1993 يعود عادل إمام إلى تراث المسرح المصرى وبالتحديد إلى حكاية من صيغ مسرح الفودفيل الذى برع فى كتابته بديع خيرى وقدمه كمخرج عزيز عيد، وساهم فى نجاحه أبطال المسرح فى ذلك الزمان وعلى رأسهم نجيب الريحانى وفؤاد شفيق ومحمد كمال «شرفنطح» وحسين رياض وغيرهم، ممن يمتلكون مهارات تمثيلية استثنائية، فى أداء عروض الفودفيل التى تقوم على الحبكة البسيطة والسهلة والمواقف الملتبسة التى تثير الضحك وتكون من عوامل التشويق والإثارة من خلال شخصيات تحمل مواصفات خاصة تحدث لهم أو يجدون أنفسهم فى مواقف غريبة تؤدى إلى نتائج مثيرة، حوادث أقرب إلى حكايات ألف ليلة وليلة، أقرب إلى منطق الليالى أو اللامنطق فى الأحداث ومبرراتها الدرامية.
ففى مسرحية «الزعيم» والتى كتبها الدكتور فاروق صبرى وأخرجها للمسرح شريف عرفة وأيضاً من إنتاج فرقة المتحدين، يجسد فيها عادل إمام دور الفتى الصعلوك الذى تقوده الأقدار ذات يوم إلى قصر الحاكم ويفاجأ بأن الحاشية الفاسدة تقبض عليه وتنصّبه حاكماً! تضعه قسراً على كرسى الحكم وذلك للشبه الكبير بينه وبين الحاكم بعد وفاته، إذ وجدت الحاشية أن الفرصة سانحة لتنفذ أغراضها ومصالحها وتحتاج هذا الشخص الذى يشبه الحاكم ليكون مجرد قطعة ديكور، والفكرة أو هذه الحكاية عولجت من قبل فى العديد من المسرحيات والأفلام المصرية بدءاً من رواية أبى الحسن المغفل لمارون نقاش وأعمال عديدة أشهرها للجمهور فيلم «سلامة فى خير».
دون شك الحكاية مثيرة وتقوم أيضاً فى بنائها العميق على الخيال حين يصبح واقعاً، والواقع الذى يصبح خيالاً وذلك حين يجد الصياد أو الفراش أو الشيال أو الكومبارس، أى شخص من البسطاء وعامة الشعب نفسه ملكاً أو أميراً ولو ليوم واحد! لينضم عادل إمام من خلال معالجة فاروق صبرى المعاصرة للفكرة ويكشف من خلالها فساد النخبة الحاكمة وجرائمها فى حق الوطن والشعب فى رؤية معاصرة وحكاية من هذا الزمان بطلها «زينهم» وهو كومبارس فقير يعيش فى حى شعبى، يشبه الحاكم أو الزعيم شبهاً واضحاً يدفع إلى اختياره كى يلعب دور الحاكم فى فيلم تسجيلى، وطبقاً لحبكة الفودفيل يموت الحاكم فجأة وتتفق آراء الحاشية الفاسدة على الاستعانة بزينهم ليلعب دور الزعيم لعدة أيام حتى ينتهى هؤلاء من توقيع اتفاقية لدفن النفايات الذرية فى البلاد تعود فيه بالخيرات على هذه العصابة الفاسدة التى تحكم البلاد، وكما حدث فى مسرحية «الواد سيد الشغال» يصبح التقابل بين الواقع الشعبى وطبقة الأغنياء الجدد يصبح التقابل بين واقع هذه العصابة قصر الحكم وشخصية زينهم القادم من قاع المجتمع مصدر الكوميديا! وكما وجد بطل سعدالله ونوس فى مسرحية «الملك» نفسه وهو يصحو من النوم بين فتاتين جميلتين يداعبانه مداعبات لا تخلو من مماحكة جنسية يجد عادل إمام أو زينهم نفسه فى نفس الموقف، وتتوالى المواقف الكوميدية القائمة على الالتباس، التباس الحكاية التى تقوم فى معالجتها على صيغة الفودفيل.. وتنتهى المسرحية بحيلة بسيطة وساذجة كما تنتهى حكايات الفودفيل، وذلك حين تأتى فتاة وطنية لتقتل الزعيم، وحين تكتشف حقيقته أى إنه الكومبارس زينهم تقص عليه نبأ الاتفاقية المشبوهة، فينتبه زينهم! ثم يتخلص من الحاشية بطريقة ساذجة أيضاً حيث يدفع مسئول المخابرات بالقضاء على نائب الزعيم ورئيس ديوانه، ثم يدفع وزير الداخلية للقضاء على مسئول المخابرات، وهكذا تخلص من الجميع.
بودى جارد
وفى مسرحية «بودى جارد» عام 1999 وهى آخر أعمال عادل إمام على خشبة المسرح من تأليف يوسف معاطى وإخراج رامى إمام يقف عادل إمام على خشبة المسرح نجماً وحيداً لا منافس له مع عزت أبوعوف، وسعيد عبدالغنى وشيرين سيف النصر ويتأكد المشاهد أن العرض تم تفصيله، صُنع خصيصاً من أجل عادل إمام! تدور أحداث المسرحية فى قالب كوميدى، حول مجرم صغير يلتقى فى السجن بمجرم كبير المقام يقنعه بالعمل حارساً شخصياً لزوجته وأعمالها غير الشريفة فى النهب والسرقة، فيقع الحارس الشخصى فى غرام السيدة التى يحرسها، وبالطبع يكتشف الزوج رجل الأعمال هذه العلاقة فيدبر له مكيدة ليدخله السجن، وهذه المسرحية تتناول القضايا السياسية بشكل مباشر، من خلال طرح قضايا اللحظة الراهنة وأسئلة الواقع أو مأساة الإنسان من خلال رؤية لا تخلو من الإسقاط السياسى، حيث يقدم العرض عالم اللصوص والنصابين الذين يعيشون فى قمة المجتمع، ويمارسون النهب والسرقة، وهذه الشريحة هم نواب القروض وكانت تلك القضية من أكثر القضايا تعقيداً وإثارة للجدل نهاية التسعينات من القرن الماضى بالإضافة إلى قراصنة المال العام ومن يمارسون البغاء السياسى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...