مسرحية «عدو الشعب» للنرويجى هنريك إبسن (1828 - 1906) تقوم فى بنيتها الأساسية على شخصية الدكتور توماس ستوكمان،
الذى هو محورالحكاية، فى مواجهة أخيه المحافظ بيتر/ رجل السلطة الفاسد.. ثمة مواجهة عنيفة بين الشرف والفساد، بين أخلاقيات العلم وغطرسة السلطة.. وهذا النص الذى جاء كتقاليد مسرح ذلك الزمان فى خمسة فصول يجسد بقوة الصراع بين أصحاب المصالح الذين يفضلون هلاك الناس على خسارة مصالحهم والاعتراف بسوء حكمهم.. والمشكلة (العقدة) أن «حمام السباحة» موضوع المسرحية عبارة عن مقبرة من السموم، هكذا يصفه الدكتور ستوكمان، ويضيف: «لقد بحثت فى كل الأمور بضمير حى، وفعلت أقصى ما يمكن فعله، كان عندى شك فى الأمر منذ فترة طويلة»!
من يقرأ النص يعرف أن الفصول الثلاثة الأولى ما هى إلا تمهيد وشرح لتفاصيل حياة الشخصيات التى عاشت فى القرن التاسع عشر، وفى الفصل الرابع يقدم إبسن الخطبة الرئيسية التى تكشف هذا الفساد، الخطبة المحورية التى تناقش المشكلة الرئيسية على لسان ستوكمان، ويطمح إبسن لأن تتحقق للمشاهد ما سماها المتعة الذهنية، فالبطل فى هذا النص شخصية مثالية تجسد الضمير الحى، ضمير المجتمع، تجسد القيم والمبادئ فى مقابل الانتهازية والنفاق والفساد، وهى شخصية مثيرة لما تحمله من صفات مثالية.
الكاتب الشاب ميخائيل وجيه فكر أن يستدعى هذه الشخصية المثيرة والثرية من نص هنريك إبسن ويبعث فيها الحياة لتحاورالممثل الذى يقوم بنفس الدور، وكما خرجت شخصيات الكاتب الإيطالى لويجى برانديللو من بين السطور، وحاكمت المؤلف وتمردت عليه من خلال المسرحية الشهيرة «ست شخصيات تبحث عن مؤلف»، خرج أيضاً د.ستوكمان من العرض المسرحى والتقى الممثل قاسم فى غرفته فى لحظة فارقة فى حياة هذا الممثل.. ففى الليلة التى كان ينوى فيها الاعتراف بابنته التى تخلى عنها لأكثر من عشرين عاما، وفى اللحظة التى ظن فيها أنه سيمحو خطاياه بمجرد هذا الاعتراف، يخرج ستوكمان أو الضمير الحى من الخيال إلى الواقع ويطلب منه أن يخطب فى الناس ويخبرهم بالحقيقة، وبالطبع يقصد حقيقة الحمامات المسمومة، وسيدور بينهما حوارحول احتياج الشخصية الحقيقية للممثل الذى يمتلك منصة الكلام كل ليلة، وطلب أن يساعده فى قضيته، قضية الحمامات وفساد الضمائر.. وفى وسط الذهول الذى سيطر على الممثل يحاول الأخير تفسير ما حدث، فيخبرونه فى المسرح بأن الشخصية المسرحية التى من خيال المؤلف لها وجود روحى غير مادى، غير ملموس، وأيضا بها طاقة كافية تجعله ينفصل عن مؤلفه ويسكن فى الممثل أو يلبسه وفقا للتعبير الذى جاء فى العرض، بل والابنة التى ينتظرها قاسم تدخل الغرفة لتلتقى ستوكمان، تلتقى الشخصية المسرحية التى تتحدث لغة المؤلف، ويلتبس الأمر على مساعد المخرج، فثمة مزج بين الواقع والمتخيل، تداخل بين الشخصية المسرحية والممثل الذى أصبح نسخة من الشخصية، والشخصية أصبحت نسخة منه، يختلط الأمر على الجميع، يختلط الواقع بالخيال.
فمن المفترض أن الممثل قاسم يجسد دور شخصية تتسم بالصدق وتدافع عن المبادئ، وفى حياته يعيش عكس هذه القيم ويمارس معكوس أفعال الشخصية التى يؤديها كل ليلة على خشبة المسرح، وتقريبا قاسم وفقا لهذا النص يمثل فى كل الأحوال، فى الحياة وعلى خشبة المسرح.. ووفقا للعرض «واحد بيمثل الحقيقة وواحد بيحقق التمثيل».. وتقريبا خرج ستوكمان من النص ليصلح من أمر الممثل ليتمرد عليه ويرفض أفعاله فى هدوء، دون ضجيج.. فقد كان برانديللو يتساءل «أى العالمين أشد حقيقة، عالم الواقع أم عالم الخيال؟.. العالم المادى الزائل أم عالم الإبداع الفنى؟».. وفى مسرحية ستوكمان يبدو عالم الإبداع الفنى ممثلا فى شخصية ستوكمان أشد حقيقة من زيف الممثل قاسم!
فضاء المسرح من مستويين لهذه الحكاية، وفقا لرؤية المخرج المسرحى أسامة رءوف، غرفة الممثل قاسم بمواصفات غرفة النجم، بها مرآة ومقعدان وطاولة وكرسى أمام المرآة.. غرفة مزدحمة بصور الممثل وحده ليس مع آخرين، وهذا لا يخلو من دلالة، الغرفة أو المستوى الأول فى مقدمة المسرح، وهى فضاء الزيف رغم أنها تجسد الواقع، وفى العمق خشبة مسرح حيث يتم عرض مسرحية عدو الشعب بطولة قاسم الذى يؤدى دور ستوكمان، وسوف تدورالأحداث بين المستويين، التمثيل والواقع، مساحة العرض المسرحى ومساحة الحياة الخاصة بقاسم.. وسوف تتداخل الأحداث والأزمنة وتنتقل الشخصيتان الواقعية والمسرحية بين هاتين المساحتين، واستطاع ببر اعة أن يجسد الشخصيتين فى لحظات عديدة من عمر العرض المسرحى بنفس الهيئة ونفس الملامح فى نفس المشهد، فهناك الفنان «ياسر عزت» الشخصية الرئيسية، والذى أدى الواقع والخيال.. وعلى مدى ساعة حاول أسامة رءوف التنقل بين مشهدين، الأول فى مقدمة المسرح والثاتى فى العمق، بين الواقعى والمسرحى، ورغم بعد فضاء المسرح فإنه كان حاضرا وقريبا.. ورغم أن الحيز الواقعى كان قريبا من الجمهور فإنه كان بعيداً وخيالياً.
الإطار العام للحكاية حول شخصية ستوكمان فى الواقع والمسرح والبنية السطحية للحكاية أقرب إلى ميلودراما ممثلة فى حياة الرجل الذى هرب من ابنته حين تركها للأم واختار التفرغ للشهرة والمجد، والابنة التى جاءت لعمل مقابلة صحفية مع ممثلها المفضل الذى هو الأب الذى لا تعرفه، تلتقى معه فى موقف مؤثر، تلتقى بالخيال، بالدكتور ستوكمان، لقاء رومانسيا، جميلا.. وحين تلتقى الأب/ الواقع يحدث الصدام، الخيال أجمل من الواقع، الأب يحكى والابنة لا تسامح، لنستنتج المقولة الأساسية للعرض، قاسم يمارس التمثيل فى الحياة كما فى خشبة المسرح، لكنه ينجح ويبنى مجدا فى الفن ويفشل فى الواقع، ولا يجيد التمثيل على مسرح الحياة حيث يقدم دورا حافلا بالزيف والكذب.
كاتب النص قدم فكرة جيدة استفادت من إبسن وبرانديللو، استلهم من الأول الشخصية الرئيسية، ومن الثانى فكرة خروج الشخصية المسرحية من الخيال إلى الواقع، من خلال حكاية من زمنين، زمن مسرحية عدو الشعب، وزمن الممثل.. أما أسامة رءوف الذى اعتاد على تقديم نصوص غير تقليدية، بدءاً من «جزيرة العبيد، وجريمة فى جزيرة الماعز، وسيدة الفجر»، فقد حاول أن تكون حكاية الممثل فى الصدارة، لأنه دون شك من لم يقرأ أو يعرف مسرحية عدو الشعب لإبسن فسوف يعانى أثناء المشاهدة، لأن العرض قائم ومشروط على هذه الشخصية «الدكتور ستوكمان».
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...