ناصر عبد الرحمن: أكتب عن جدودى والناس اللى أعرفها

"أكتب عن ناسى ولهم" بهذه الجملة لخص الكاتب الكبير ناصر عبد الرحمن علاقته بالكتابة، سواء للسينما أو التليفزيون، يبحث دائما عن أناس يشبهونه وآخرين يشبهم، قال لى أنا لا أجيد اختراع الشخصيات،

 كل من كتبت عنهم أعرفهم فردًا فردًا؛ بدأ عبد الرحمن كلامه عن رحلته التى بدأت منذ أن كان طفلًا فى سن السادسة من الصف الإبتدائي، وقتها أصبح الكاتب الرسمى لخطابات العائلتين، سواء عائلة الأب أو الأم... وهذا الأمر لو تعلمون عظيم فى الصعيد.

أشار عبد الرحمن إلى أجداده الخمس قائلا: عبد الرحمن، حمدان، عبد الغفار، محمود، حامد، هؤلاء الخمسة ينزلون إلى القاهرة للعمل فى الإجازة الموسمية المسماة بإجازة الصيف، المهم أجدادى حمدان، عبد الرحمن، محمود اشتغلوا فى سوق العتبة، بينما جدى حامد اختار أن يعلم أولاده وعمل فى منطقة مصر الجديدة، بينما جدى عبد الغفار سافر إسكندرية و"محدش يعرف عنه حاجة".

ويضيف: أجدادى الثلاثة الذين عملوا فى سوق العتبة الذى بناه الإنجليز فى فترة الأربعينيات من القرن الماضي، كانوا يقضون الصيف فى القاهرة، وفى الشتاء يعودون لسوهاج، ولا أذكر أول مرة سافرت لمحافظة سوهاج، لأننى وقتها كنت طفلًا.

 يكمل ناصر كلامه قائلًا: أبويا من مواليد العتبة، بينما عمى الذى يكبره بعامين فقط مواليد قرية الكوامل فى سوهاج، والمرة التى سافرت فيها لسوهاج، وما زالت لاصقة بذاكرتى، حينما مات جدى عبد الرحمن، وقتها كنت طفلًا بعمر السبع سنوات، كانت أول مرة أرى "أبي" يبكي، وأرى الجبل وشموخه، وهذه المرة انتابنى بشعور مختلف تمامًا، وأول مرة أرى الحيوانات تنعزل تمامًا حزنًا على رحيل صاحبها، ورأيت "الدوار" أو"المندرة"، وفيها جلسات الرجال، وكل ما أكبر قليلًا يصبح هذا المكان المفضل بالنسبة لي.

 ويواصل: أكاد أجزم أن القطار ما هو إلا شريط يشبه الشريان الذى يصل بين قلوب الصعايدة وعقولهم، قلبهم فى البلد والعقل فى القاهرة، مكان "لقمة العيش"، وأسأل كل الصعايدة عن القاهرة ستجد أنها مكان للعمل فقط، لذا يقول لك مسافر للقاهرة، بينما يقرر العودة لمحافظته "أنا مروح"، والفرق كبير بين السفر و(المروح)؛ "أبويا" قبل ما يتوفى فى نوفمبر عام 2004 سافر سوهاج واشترى قيراطين أرض، فنفسيته وهو فى القاهرة تشبه نفسية المهاجر "اللى مسيره يروح".

ويقول عبد الرحمن: أنا من مواليد منطقة روض الفرج، ولدت فى شارع عويس البحري، بينى وبين البحر 3 دقائق تقريبًا، ولأن جدتى كانت ترسل لبناتها خطابات للإطمئنان عليهن، بدأت أكتب أنا تلك الخطابات، لأنه لم يكن لدينا تليفون "أرضي"، كان موجودًا عند العمد والأثرياء فقط، ولأن جدتى كانت "سيدة قعيدة" كان الخطاب هو الحل.

ويكمل: من هنا بدأت وتكونت لدى مهارتى الكتابة والسمع الجيد، جدتى كانت تحكى باللهجة الصعيدية، فكان علىّ أن أدرك جيدًا وأعى تماما ما تقوله لي، ثم أكتبه باللغة العربية الفصحي، كانت هذه المرحلة تشبه الاختبارات الطويلة، إلى أن اختبرنى عمى علام ذات يوم فى كتابة أحد الخطابات، وحينما كتبته بدقة متناهية، أصبحت الكاتب الرسمى لكل خطابات العائلة أو العائلتين، وهما جدى "عبد الرحمن" وجدى لأمي.

ويوضح الكاتب الكبير: علاقتى بالكتابة بدأت من الخطابات، كما أننى فى المدرسة كنت متميزًا فى كتابة مواضيع التعبير، بل كنت أكتب أغلب الموضوعات لزملائى فى الفصل، وحينما كبرت تعلقت بالسينما، لأن منطقة روض الفرج التى وُلدت بها كان بها 11 سينما أو دار عرض بمعنى أدق.. أشهرها سينما شبرا، أمير، كليوباترا، ألف ليلة ـ صيفي، مسرة، وشبرا بلاس.

وعن أثر هذه المنطقة وما فيها من دور عرض فى شخصيته، أضاف عبد الرحمن قائلًا: أنوى فى القريب العاجل أن أكتب فيلمًا عن سينما مسرة، لأنها كانت مليئة بالحواديت غير الطبيعية والتى لا تنتهى تقريبًا، من بينها كنا نجلس على دكة ليس بها كراسي، ومتخصصة فى عرض أفلام بروس لي، وتعلمنا اللعب بالفرامنش، وهو سلسلة من الحديد وكنا "بنعور" بعض بها، لمجرد تقليد نفس الحركات ومشاهد الأكشن التى كان يفعلها بروس لي، والفرامنش كنا بنعمله عند الحداد.

وعن أول فيلم سينما أحبه وجعله يقع فى غرام الفن السابع، قال ناصر عبد الرحمن: هناك 3 مخرجين كبار جعلونى مولعًا بالسينما، دون ترتيب، لأهميتهم فى حياتي، وهم: محمد خان، خيرى بشارة، عاطف الطيب، والأفلام هى "الحريف" لخان، و"سواق الأتوبيس" لعاطف الطيب، و"يوم حلو ويوم مر" لخيرى بشارة، أنا مدين بالفضل لهؤلاء المخرجين، فقد جعلونى أتأثر تمامًا بهذه السينما الراقية والجميلة، وهذه الأفلام جعلتنى أستوعب أن الحياة عبارة عن سينما.

 ويضيف: بحكم مولدى فى منطقة شبرا كنت أخذ درس خصوصى فى العمارة المقابلة لعمارة الراحلة داليدا، وأستاذ اللغة الفرنسية كان يتحدث بعشق عن أوروبا، وكنت أمر على منزل المخرج الكبير محمد بيومي، كل هذه الأمور جعلتنى أعشق السينما وحكاياتها.

ويرى عبد الرحمن أن فيلم "الحريف" به واقعية سحرية، مؤكدًا أنه تأثر بشخصية البطل جدًا، ويقول: حينما كنت أذهب لجدى حمدان، تاجر الفاكهة الذى يسكن بأحد شوارع الزمالك، تحديدًا فى شارع شجرة الدر، وطوال الوقت كنت أرى عمارات وبنايات الزمالك التى لا تشبه أى بنايات أخري، وحينما كنت أركب العجلة وراء ابن خالتي، كنت أرى عمارة عبد الحليم، وقتها كان قد رحل، لكن لك أن تتخيل طفلًا يشاهد عمارة كان يسكن بها العندليب، أو عمارة ليبون فى الزمالك أيضًا، وكانت تسكن بها سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، وآخرين من مشاهير الفن.

ويضيف: من المواقف التى لا أنساها فى حى الزمالك، رجل ثرى كان يزرع مانجة فى جنينة البيت، ويأتى لشراء المانجة من جدي، فى إحدى المرات سأله جدى "ليه مش بتاكل من المانجة اللى بتزرعها ؟!"، قال له "دى طرحها للناس أنا أحب أشترى بفلوسي"، وغيرها من الحكايات التى لا أنساها.

ويوضح عبد الرحمن: حينما كتبت فيلم "كف القمر"، كنت عايز أكتب عن جدودى الخمسة، وكذلك حينما كتبت مسلسل "جبل الحلال" كتبت عن أناس أعرفهم ويعرفونني، أنا أكتب عن الناس ولهم، وأيضًا حينما كتبت عن صديقة فى مسلسل "ضرب نار"، أو مسلسل "ستهم"، وهناك بعض الأسئلة التى تتبادر إلى ذهنى حينما أقرر أن أكتب، من بينها: لماذا أكتب ؟ ولمن ؟، وإذا لم يصدقنى أهلى وناسى والذين أعرفهم أكون كاتبًا غير حقيقى بالمرة.

ويواصل: حينما كتبت فيلمى الأول "المدينة" للمخرج يسرى نصر الله، من بطولة باسم سمرة، مرَّ على السيناريو 5 سنوات كى يرى النور، كما أقول لك سرًا أعلنه لأول مرة، وهى أن "عطا" بطل فيلم المدينة هى شخصية "ضاحي" فى فيلم "كف القمر"، الشاب "السريح"، وكذلك مصطفى "السريح" فى مسلسل "ستهم"، تلك الشخصيات أعرفها ورأيتها وأخذت منها.

ويضيف: فى فيلم "المدينة"، الشاب الذى قفز من مكان لمكان، عبر البحر حينما شعر أنه غريب فى بلده، كان يعبر بشكل أو بآخر عن فكرة الهجرة غير الشرعية التى جاءت بعد ذلك، سافر هذا الشاب لأوروبا عن طريق المسرح، بعض الشباب الذين يذهبون لعروض مسرحية ثم يهربون ويظلون هناك.

وأشار ناصر إلى أن رحلته مع الكتابة صعبة وشاقة، بدأ فيلمه الأول يرى النور، ثم ظل 5 سنوات حتى تقديم فيلمه "هى فوضي"، ثم كتب "جنينة الأسماك" وجرى عرضه عام 2007، وفى عام واحد طُرح له بدور العرض السينمائى 3 أفلام دفعة واحدة، وهم "حين ميسرة" و"دكان شحاتة" و"كف القمر"، ثم توقف وعاد بـ"جبل الحلال"، لدرجة أن محمد خان سأله "ليه المسافات بينك وبين أعمالك طويلة؟".

ويختتم ناصر حديثه قائلًا: أقدم أناسًا حقيقيين دون إدعاء، ولا أخترع بشرًا، أو أختلقهم، أقدم ما رأيته كما قلت لك، أكتب عن الناس ولهم، قد يكون هناك رجل غنى جدًا ولا يجيد الحكى أو الكتابة عن المرهفين أو الأغنياء، وممكن "بياع درة" يملك حدوتة لا أحد يجيد كتابتها.

Katen Doe

أشرف شرف

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص