فى عرض «شتات» الذى قدمه مسرح الهناجر للفنون من تأليف رشا فلتس وإخراج سعيد سليمان، سوف يجد المشاهد
نفسه أمام مجموعة من الأسئلة تنتظره على خشبة المسرح فى هذا الشتات، ولا يخلو الاسم من دلالة سوف تعبر عن مسار الحكاية والمقولة الأساسية للعرض! فماذا ينتظر هؤلاء؟ ثلاث شخصيات تبدو متباينة ما بين الضعيف المهزوز، والقوى أو الذى يبدو كذلك، والثالث ربما يبدو متوازناً قليلاً، والثلاثة فى مكان ما لا يعرفون عنه شيئاً ولا يستطيعون الخروج من هذا المكان! فمن الذى جاء بهم إلى هنا، ولماذا؟ وثمة امرأة سوف تدخل إلى هذا الكهف أو هذا الفضاء الوهمى، سوف تتفاعل معهم، فيحدث بعض التغيير بدخول هذا الوافد من العالم الخارجى، وسوف تستطيع المرأة التى وجدت نفسها فجأة معهم الهروب أو النجاة من هذه المصيدة، سيكون هذا الفعل بارقة أمل لهذه الشخصيات للنجاة، أمل ولو ضعيف.
فى عرض «شتات» حبكة وبناء درامى للشخصيات أقرب إلى مسرح العبث، ودون شك سوف تتداعى الشخصيات التى كتبها بيكت ويونيسكو وسواهم من رواد هذا النوع إلى الذاكرة أثناء المشاهدة، شخصيات تعيش حياة غير منطقية، أفعال وحوادث غير مبررة، أسئلة ميتافيزيقية حول الوجود وماهية الكون وأسباب وجود الإنسان على الأرض... الفكرة ليست غريبة على المسرح، لشخصيات وجدت نفسها فى مكان ما / الحياة، لتبدأ الأسئلة الوجودية، وبالطبع ليس هناك إجابات، وهى السمة الأساسية لمسرح صامويل بيكت وآخرين من الكتاب الذين انحازوا إلى مسرح العبث رداً على ما يتعرض له الإنسان من مآسٍ يومية فى هذا العصر وخاصة ما حدث ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية والحقب التالية التى عصفت فيها الحروب ولغة الرصاص والقنابل بالحضارة الإنسانية، وهذا العرض ينتمى إلى هذا الاتجاه الذى يبحث فى أسئلة الوجود، أسئلة الإنسان التى لا تجد إجابات، وهو اتجاه لم يعد له صدى فى الواقع كثيراً ولكن دون شك أسئلة الإنسان حول وجوده وماهيته لم ولن تنتهى، فإذا كانت سوق مسرح العبث رائجة بتأثير ما عاشه الإنسان من مآسٍ خلفتها الحروب حتى ستينات القرن الماضى، وقد تجاوزها المسرحيون للتعبير بأساليب أخرى، ربما لم يعد الإنسان ينتظر شيئاً، بعد أن أصابه اليأس من الانتظار فابتكر أساليب أخرى للتعبير عن هذا القهر مثل التعبير الحركى، المسرح الذى يعتمد على الجسد أداة للتعبير، أو قُل التعبير بالصمت تجاه هذه المآسى أو تجاه هذا العجز عن فهم ما يحدث! ورغم هذا التجاوز لأفكار مسرح العبث إلا أن هذه المدارس التى ولدت نتاج لحظات تاريخية وتعتمد على أفكار فلسفية سوف تظل رائجة بدرجات متفاوتة بين الحين والحين، ربما يتجاوزها الباحثون ولكن سيظل البعض من البشر متمسكاً بهذه الأفكار التى يعتبرها بمثابة طوق النجاة أو الخلاص تجاه ما يحدث فى العالم.
وضع المخرج سعيد سليمان هذه الشخصيات التى جاءت محملة بملامح مسرح العبث وفلسفته فى ثلاثة أقفاص حديدية حبيسة أفكارها، بعد أن اختار لهذه الأفكار فضاء معدنيًا يوحى بالقسوة، عبارة عن أعمدة حديدية، تروس تتناثر هنا وهناك مع وجود ترس ضخم فى عمق المسرح من المفترض أنه يشير إلى الإنسان الذى يدور فى هذا العالم مثل الترس، وسيبدأ العرض بموسيقى أقرب إلى نهيق الحمار وضعتها مريم سعيد، وسوف تتكرر هذه الموسيقى، ثم تدخل الشخصيات الأربعة بالشموع يتحركون فى دائرة فى منتصف فضاء الحكاية ثم يتفرقون فى أنحاء المسرح، يوزعون الشموع، يتطلعون إلى الأفق، يجلسون فى الدائرة مرة أخرى، يبحثون عن طوق النجاة، وسوف ينتهى العرض بعد أكثر من سبعين دقيقة بهذا المشهد ليقف الجميع خلف الترس الضخم وتعلو الموسيقى فى دلالة على استمرار المعاناة، وهى فكرة جيدة أن ينهى المخرج كما بدأ، فهذا يناسب مسرح العبث الذى تدور شخصياته فى حلقة مفرغة! وما بين هذين المشهدين ثمة تفاصيل وسرد للأفكار التى تعبر عن ضياع الإنسان. فالشخص الأول يردد، نحن مادة، نحن كيمياء، نحن مجرد كيمياء، شخصيتى عبارة عن مجموعة من التفاعلات الكيميائية، إذا اختلت اختل التفكير، والثانى يسأل عن الحل، ويردد «مفيش حل، عاوز أمشى، يجب أن أذهب، أنا لست مع أحد أنا وحدى» والثالث يدعو إلى التعايش، يدعو إلى التحضر. والحوار سوف يستمر دون أن يؤدى إلى تطور فى ملامح هذه الشخصيات حول طبيعة العالم وفكرة الخروج من هنا أى من هذا الفضاء الأقرب إلى السجن.. ودون شك سوف يتأكد بشكل مباشر، أن هؤلاء يتحدثون عن العالم وأن هذا الفضاء هو العالم الذين يرغبون فى الخروج منه ولكن دون جدوى فلن يحدث! الفعل الوحيد الذى سوف يخترق هذا الملل هو اقتحام سيدة لهذا الفضاء وهى تردد «لا أعرف لماذا زجوا بى إلى هنا» والشخصيات الثلاثة لن تتغير أفعالهم، فقط يرددون نفس الكلمات، وفى المشهد الثالث، تهرب السيدة تختفى، يشعرون بالخدعة وأيضاً بالأمل «طالما خرجت فهناك أمل أن نخرج نحن أيضاً «وهنا يبدأ الحوار بين الثلاثة بلا معنى تقريباً، أما شخص -2 إذن ماذا سنفعل؟ وشخص 3- يصرخ: وحيداً أجلس مع وحيدين / لا يربطنا شىء سوى المكان / لا صلة لنا بهذا الزمان / لم نكن أبداً موجودين / وأبداً لم يتحقق الإنسان، ويبدآن فى الهجوم على الشخص الأول للتخلص منه فى حوار أقرب إلى الثرثرة، الثانى يخرج يده من الشباك... إنها تمطر وهذا «أول خبر سار» أو قُل بارقة الأمل الوحيدة وتبدأ الثرثرة حول عودة السيدة مرة أخرى، ويردد الثلاثة كلٌ بدوره، حتماً ستأتى، حتماً ستأتى، حتماً ستأتى! وهى نهاية تقترب من نهايات مسرح العبث، أو قُل نهاية تقليدية لهذا النوع من المسرح الذى رغم تقديمه صورة سوداء للعالم إلا أن ثمة أملاً ولو كان خافتاً يلوح فى الأفق.
واستطاع سعيد سليمان أن يجسد هذه المعاناة الإنسانية، هذه الهلاوس التى تعانى منها الشخصيات من خلال هذا الفضاء الذى يوحى بمكان محدد واقعى من خلال مفردات الديكور التى صممتها نهاد السيد ورغم أنها عبرت بقوة عن الأفكار التى يطرحها العرض من خلال مفردات تدل على سلطة هذا العصر من خلال الديكور الحديدى، إلا أن تحديد المكان بمفردات واقعية لم يكن مناسباً تماماً لعرض مسرحى يقوم على فلسفة وأفكار مسرح العبث، وقد لعبت إضاءة أبوبكر الشريف دوراً كبيراً فى إبراز ملامح المكان أو فضاء هذه الحكاية العديمة.
مسرحية شتات تمثيل «ياسر أبوالعينين، مصرية، حسن عبدالعزيز، عمرو نخلة» والشخصيات الأربعة نجحوا فى التعبير عن هذه المعاناة الإنسانية عن حالة اللاجدوى التى يعيشها الإنسان رغم صعوبة اللغة وثبات ملامح الشخصيات التى لا تتطور بل تعيد أفكارها فى حوار يعبر بقوة عن مسرح العبث.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...
مشاهد مسرحية وأغان مصرية
الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...
أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...