فى وداع «شريفـة فاضـل» .. مطربة أفراح وأحزان المصريين

فى صباح الأحد الموافق «5 مارس 2023» أصابت حالة من الحزن قطاعا كبيرا من الجماهير المصرية، لما عرفوا خبر وفاة المطربة الكبيرة

 «شريفة فاضل»، عن عمر ناهز الخامسة والثمانين «هى من مواليد 1938»، وهذا الحزن له مبرر قوى، فهى المطربة التى قدمت ولدها شهيدا فى حرب العبور «أكتوبر 1973»، وهى صاحبة أشهر أغنية عن «الشهيد»، تقول كلماتها «ابنى حبيبى يا نور عينى، بيضربوا بيك المثل» إلى أن تصل إلى جملة «طبعا، ما أنا أم البطل»، وهى من تأليف «نبيلة قنديل» وتلحين «على إسماعيل»، وكانت «نبيلة» زوجة للملحن «على»، وكانت لهما أغنية فى أثناء حرب الاستنزاف «شايلين فى ايدنا سلاح»، وكانت معبرة عن التحدى الذى سكن قلوب المصريين عقب وقوع هزيمة «5 يونيو 1967».

فى حرب العبور اكتمل مثلث الإبداع الشعبى المصرى «نبيلة قنديل وعلى إسماعيل وشريفة فاضل»، ثلاثتهم نهلوا من نهر الإبداع الشعبى، وثلاثتهم يعرفون مفاتيح قلوب المصريين، ورغم مرور خمسين عاما على معركة العبور، مازالت أغنية «أم البطل» قادرة على هز وجدان الأمهات المصريات.

شريفة فاضل  هى صاحبة الأغنية المفرحة المبهجة «مبروك عليك يا معجبانى يا غالى» وهى من أغنيات الزفاف المشهورة، وهى التى غنت للرئيس السادات «أسمر يا سمارة يا بو دم خفيف» وهى التى امتلكت «كازينو الليل» فى شارع الهرم، وهذا الملهى الليلى استهدفته مظاهرات الغاضبين فى «18 و19 يناير1977» مظاهرات يعرفها التاريخ باسم «انتفاضة الخبز» وعرفها السادات باسم «انتفاضة الحرامية».

تاريخ ـ الفنانة الراحلة شريفة فاضل ـ هو تاريخ عائلة مصرية من الطبقة المتوسطة، ارتقت عبر الزواج والمصاهرة وعرفت القصورالفخمة، فلما كانت «فوقية محمود أحمد ندا» طفلة ذات أعوام تسعة، انفصلت والدتها عن والدها، وتزوجت من الثرى «إبراهيم الفلكى» وعاشت الطفلة مع الأم فى بيت زوجها الجديد، وهناك استمع كبار الأغنياء صوت الطفلة الرائع الذى ورثته عن جدها المقرئ المشهور «الشيخ أحمد ندا»، وكبرت الطفلة مشمولة برعاية تلاميذ الجد وأصدقائه من المقرئين والمنشدين والموسيقيين، فتعلمت قواعد الغناء وتأسس صوتها التأسيس الصحيح، الأمر الذى جعل الرأسمالى الوطنى «السيد ياسين» ـ صاحب مصنع الزجاج المشهور فى تاريخ مصر المعاصر ـ ينتج لها الفيلم السينمائى الذى حمل عنوان «الأب ـ 1947».

ودارت الأيام دورتها وتزوجت «فوقية»  زوجها الأول وأصبحت «شريفة فاضل» ونسيت اسمها «فوقية» وانخرطت فى الحياة الفنية، ومع زوجها «السيد بدير» عرفت الأمومة وأنجبت منه ولدين، أحدهما «سيد السيد بدير» التحق ضابطا بالقوات المسلحة ولبى نداء ربه شهيدا فى حرب العبور «1973»، وهو من منح قلبها نغمة الحزن الصادق وهى تغنى أغنيتها «أم البطل».

قدمت للسينما عدة أفلام، وفى السنوات العشرين الأخيرة من عمرها انعزلت فى بيتها، رغم أن الإذاعة المصرية مازالت تذيع أغنياتها فى وداع شهر رمضان «تم البدر بدرى والأيام بتجرى والله لسه بدرى يا شهر الصيام»، وفى مساء كل خميس «مبروك عليك يا معجبانى يا غالى، عروستك الحلوة قمر بيلالى» وفى أكتوبرمن كل عام «طبعا أنا أم البطل»، ومازالت فى قلوب الجماهير بصوتها المميز الدافئ رحمها الله بواسع رحمته.

أنور وجـدى وراقيـة إبراهيم وبينهمـا «العـزول» القاسى!

الفنان «أنور وجدى» والفنانة «راقية إبراهيم» قدما الأفلام السينمائية المشهورة فى سنوات الأربعينيات من القرن الماضى، وكانا يمثلان النموذجين الرجالى والنسائى للناس فى تلك الحقبة من تاريخنا.

كانت «راقية» طويلة القامة، رقيقة الصوت، راقية السلوك، تجيد تقديم دور السيدة المثقفة المنتمية للطبقة العليا والطبقة المتوسطة، وكان «أنور وجدى» متوسط الطول، ملامحه عربية صريحة، وسيم القسمات، وكان يجيد تقديم الأدوار المعبرة عن الشاب الثرى والمحامى والطبيب والرجل الغنى المستهتر.

كانت حياته الواقعية بعيداعن السينما، حياة شاب جاء من سوريا محملا بطموح الثراء والشهرة وحب المغامرات، ووجد فى السينما المصرية غايته، فبدأ مشواره الفنى من أسفل درجات السلم «كومبارس» وواصل الصعود، وتحمل قسوة الظروف حتى أصبح النجم الجماهيرى، وصاحب شركة الإنتاج السينمائى التى أنتجت أفلاما مهمة، شارك فيها كبار النجوم والنجمات، وروى عنه أنه تمنى من الله الغنى والثروة، وبالفعل استجاب الله له وأصبح من الأثرياء فى الوسط الفنى.

تزوج من «ليلى مراد» وحقق بها النجاح الفنى، ولكن الفشل كان حليفه فلم يدم الزواج، ووقع الانفصال بينهما، بسبب «العزول»، كان «أنور وجدى» كثير العلاقات النسائية «خارج مؤسسة الزواج» وكانت «ليلى مراد» تكره هذا الأمر، مثل أية امرأة مستقيمة، وطلبت الطلاق، وطلقها.

لم يكن فيلم «بين نارين» الذى قام ببطولته «أنور وجدى وراقية إبراهيم» بعيدا عن القصة الواقعية التى عاشها مع «ليلى مراد»، لكن قصة الفيلم «مقلوبة» فالرجل «أنور وجدى» طبيب يعمل بقسم الجراحة بقصر العينى، ويملك أربعمائة فدان، ويرغب فى الاستقرار العائلى والنجاح المهنى، لكن له ابنة خالة، منحرفة السلوك تشرب الخمر وتسهر الليالى وتقيم العلاقات مع الشبان، وتحاول أم الطبيب المستقيم الخلق أن تزوجها له بدافع القرابة وصلة الرحم، ويتهرب منها ويتزوج من فتاة فقيرة الحال كان والدها يعمل موظفا صغيرا بالحكومة، وينجح فى تحقيق هدفه لكن ابنة خالته لا تتركه يهنأ بحياته وتدبر له المكائد بمساعدة شقيقها المنحرف مثلها، حتى تنجح فى التفريق بين الزوجين.

تعود الزوجة المغرر بها إلى الحى الشعبى الذى ولدت فيه وعاشت سنوات شبابها ومعها الطفلة الوحيدة التى أنجبتها من الطبيب، وتضطرها الظروف للعمل مطربة فى السينما، وتتعرف إليها واحدة من صديقات الزمن الأول وتخبر «الطبيب» بما جرى لزوجته السابقة، التى انتزع منها ابنته مستندا على حكم شرعى يلزم الأم بتسليمها لوالدها لأنها تعمل فى الفن، وينكشف الملعوب، ويعرف الزوج الطبيب أن زوجته السابقة كانت ضحية لأكاذيب وخدع ابنة خالته وشقيقها، وتعود المياه لمجاريها، وتلك القصة التى فى فيلم «بين نارين» كانت مشهورة ومتكررة فى زمن إنتاج الفيلم «أربعينيات القرن الماضى» فى الأوساط الراقية التى كانت تعيش حياة أوروبية متحررة من قيود القيم الشرقية والتقاليد المصرية.

زينات صدقى..

من الإسكندرية إلى القاهرة على جناح الكوميديا

كانت الفنانة زينات صدقى رائعة الجمال، لكنها لم تصبح فتاة الشاشة ولا سيدة الشاشة، لأنها «بنت بلد» تحمل روح الأم وخفة الظل التى تجعلها قادرة على الإضحاك ولا تمكنها من القيام بدور الفتاة المعشوقة، وهى ضحية الموهبة وضحية العائلة التى تنتمى إليها، فوالدها لما علم بحبها التمثيل والتحاقها بمعهد أنصار التمثيل الذى أسسه الرائد «زكى طليمات» منعها من الدراسة وبحث لها عن عريس وزوجها بالقوة الجبرية، وتزوجت، لكن الطلاق وقع خلال السنة الأولى، واضطرت للعمل فى الفرق الفنية المتجولة لتتمكن من العيش معتمدة على نفسها، ولقيها «نجيب الريحانى» وأعجبه حضورها، ومنحها لقب «زينات صدقى» وقدمها فى إحدى مسرحياته «هى من مواليد 4 مايو 1912ـ ورحلت عن الدنيا 2 مارس 1978»، وواصلت مسيرة الفن ونجحت فى أداء اللون الكوميدى، وشاركت فى أفلام سينمائية «بلغ عدد الأفلام التى شاركت فيها أربعمائة فيلم»، وعملت مع الكبار فى الفن المصرى، مثل يوسف وهبى والريحانى وإسماعيل يس وشادية وعبد الحليم حافظ وفاتن حمامة، وكانت هوايتها الارتجال حتى أدرك المخرجون أن ارتجالها يمنح الحوار طعما محببا للجمهور، ولعل القارئ يتذكر محاوراتها مع الفنان عبد السلام النابلسى فى فيلم شارع الحب، ومحاوراتها مع «شرفنطح» الفنان الكوميدى الرائد، وغيرهما، وعانت «زينات صدقى» فى سنوات عمرها الأخيرة من قلة المال، وقضت سنوات فى بيتها لا تعمل، حتى جاء العام 1976 ليشهد تكريمها فى «عيد الفن» من الرئيس السادات، وكان آخر أعمالها فيلم «بنت اسمها محمود»، قبل الرحيل بعام واحد.

 

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

دموع فى عيون وقحة.. المصريون يحاربون من أجل السلام

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص