يعانى كبار السن فى الرجال من متلازمة "العجوز حاد الطباع" عندما يبلغون سن السبعين من أعمارهم، وذلك لأسباب تتعلق برؤية غالبية
الأحباب والأصدقاء وهم يفارقون الحياة، أو المشاكل الصحية الجمة التى تهاجم أجسادهم الضعيفة، أو انعدام الأهداف التى يسعون لتحقيقها، أى إحساسهم بحالة من الفراغ العاطفى والاجتماعى والذهنى.
"يُدعى أوتو" فيلم درامى كوميدى أخرجه مارك فورستر من سيناريو ديفيد ماجى، الفيلم الثانى المأخوذ عن رواية 2012 A Man Called Ove للكاتب فريدريك باكمان بعد الفيلم السويدى لعام 2015 الذى يحمل نفس الاسم، الفيلم من بطولة توم هانكس فى دور البطولة مع ماريانا تريفينو وراشيل كيلر ومانويل جارسيا رولفو.
ناقش عدد من الأفلام هذه المرحلة العمرية الحرجة وبنى عليها قصصا وأحداثا إنسانية فى مضمونها واقعية فى تصوراتها مثل فيلم Gran Torino وفيلم About Schmidt وغيرهما من الأعمال الأمريكية والأوروبية.. وفيلم سويدىA man called ove الذى يعتبر النسخة المقتبس منها فيلم A man called Otto بطولة توم هانكس الفيلم المقتبس عن رواية بنفس الاسم.
ويركز العمل على كيفية تكاتف المحيطين بالبطل لتذكيره بما يمكن أن يقدمه للعالم من حوله.. فهل سيكون هانكس قادرًا على لعب دور رجل عجوز مشاكس؟، هل سنصدق ذلك؟.. "رجل يدعى أوتو" فيلم عاطفى رائع مفعم بالمشاعر.
فى المشهد الافتتاحى نعرف الكثير عن أوتو من خلال تعامله مع موظفة الحسابات فى السوبر ماركت، يختلف معها حول قيمة ما اشتراه هو لا يريد أن يدفع سوى ما يريده وهى تحاول أن توضح له أن هناك سياسة للبيع، بعد نقاش طويل وحاد انتهى لمصلحة البائعة يحاول أوتو أن يستوعب ما يراه تفاهات فى تعاملات الناس من حوله لاحظها بعد غياب زوجته التى يزور قبرها بانتظام.
أوتو (توم هانكس) نجم هذا الفيلم، شخصية حادة الطباع يتعامل مع العالم بازدراء، يفرض عليهم الالتزام بالقوانين والقواعد يعاملهم بمنطق العارف بالأشياء، ربما يكون ذلك نتيجة وظيفته التى تركها كمراقب فى الحى رافضا أن يكون تابعا تحت إشراف شاب أصغر منه سنا وأقل منه خبرة - حسب تصوره- صارم فى تعليماته عنيف فى توجيهاته، يلوّح غاضباً بيديه للمسرعين بسياراتهم فى شارعه، معنّفاً الحيوانات الأليفة التى تقترب منه لتحتمى به من البرد، ينهر أطفال جيرانه ويراهم مزعجين.
يأخذنا مخرج الفيلم، مارك فورستر فى رحلات مستمرة نحو ماضى أوتو الملىء بالأحداث التى كوّنت شخصيته التى صار عليها اليوم، رحلات تفسّر علاقته مع المجتمع الذى كان يعيش فيه وكون شخصيته وزوجته التى كانت محور حياته، صور من تجاربه السابقة الى أن نصل إلى تدهور حياته الزوجيه والوظيفية جعلته ينوى ويصر على الانتحار وإنهاء حياته، فالحياة أصبحت مزعجة، من أحبهم وأحبوه غادروها مما جعل من قدرة أوتو على الاحتمال أقل مما يتأمله العالم منه، لكن وتحت ذلك كله يقبع إنسان هش وبسيط ومُحب للجمال والعطف، لا نكتشفه إلا بمساعدة من آخرين تبدأ من انتقال أسرة مكسيكية للسكن بجواره.
محاولات انتحار فاشلة ومتكرره فى كل مرة الدافع الوحيد الذى يؤخر أوتو فى كل مرة عن إتمام انتحاره وللنجاة من الموت انتحاراً هو إمّا حاجة الآخرين له أو حاجته هو لتنفيذ قوانينه، أى أن حاجة تطبيق القوانين كانت بالنسبة إليه سبباً للاستمرار بالعيش وتأجيل الانتحار أوالتفكير بطريقة مختلفة، فعندما فكر فى الانتحار بإلقاء نفسه أمام القطار شاهد رجلا عجوزا انزلقت قدماه قبيل دخول القطار وبدلا من الانتحار أنقذ الرجل وعاد إلى منزله الذى قطع عنه كل سبل الراحة كالكهرباء والماء والغاز.
محاولة الانتحار هذه لم تكن الأولى، فى الحقيقة فإن أوتو يحاول الانتحار على الدوام معلّقاً نفسه بحبل مشنقة اشتراه من ذات المحل الذى خاض فيه جدالاً مع البائع، كان الغريب هو عدم نجاحه فى تحقيق هدفه بالانتحار، فكلما حاول ذلك وجد ما يعيقه عن عمله ويبقى السؤال: ما الذى يدفعه ويجعله يصر على تكرار المحاولة؟
إيمان «أوتو» الشديد بأن الفرد يستحق أن يعيش طالما هو مفيد وإذا لم يعد قادرا أن يفيد الآخرين فلا يستحق الحياة، فالحياة بلا هدف لا معنى لها، كما يكره الأشخاص غير المفيدين بل ويحاربهم ولا يحب التعامل معهم، وفى الوقت الذى وجد نفسه فيه خارج العمل فجأة، أصبح هو الآخر عديم الفائدة وبلا هدف بحسب وجهة نظره وتصوّره عن ذاته، وفى ذلك اليوم قرر أوتو الانتحار، فقوانينه كما تسرى على الآخرين فهى تسرى عليه أيضاً، فوجد أن الوقت قد حان كى يلحق بزوجته سونيا.
قبل معرفته بسونيا لم يكن لحياته معنى، كانت محور حياته وبعد موتها عاد لحالة الضياع الأولى، يصبح الحب حبل مشنقة آخر يجره نحو حتفه، ولا يبدو على هذه المرحلة انتهاء إلا عندما تحقق له جارته الجديدة بعض التوازن الذى يفتقده فى حياته.
هذه الجارة المهاجرة القادمة من المكسيك، براونا وعائلتها، لا يعرفون طبيعة العلاقات بين الجيران فى بلد كالسويد فتمارس عاداتها الطبيعية مع جارها أوتو الذى يستغرب من كل ما يحيط بها، حتى ابنتها التى ترسمه بالألوان فى الوقت الذى ترسم كل الشخصيات التى تريدها بالأسود، وكأن هذه العائلة هى الوحيدة التى رأت ما بداخل ذلك الرجل العجوز أوتو.
«أوتو» ناقم على كل مشاهد الحياة العصرية التى ينعم بها الآخرون، ويعتبرها فارغة للغاية، لكنه لا يستطيع الاعتراف بأن نظرته نحو الأشياء لا تكون صائبة بالمجمل، خصوصاً نظرته نحو جيرانه الجدد الذين يتعاملون معه بحميمية وينتقدون فظاظته كما ينتقد جهلهم فى إدارة منزلهم فيلفتون نظره بأنهم فى حاجة إليه، فالزوجة تستعين به ليعلمها قيادة السيارة ويجلس مع أولادها بينما تقضى بعض الوقت مع زوجها والزوج يطلب منه أدوات لإصلاح ما أشار «أوتو» بأنه يحتاج للإصلاح، فجأة تتغير الأشياء فى حياته؛ القطة التى كان يحاربها بالأمس أصبحت صديقته تنام بجواره وتبناها فى منزله تعيش وتنعم بحياة جيدة حتى استطاعت قطة وحيدة أن تملأ عليه حياته، ليكتشف أن أكثر ما كان ينقصه هو بعض التواصل، وأن السعادة تكمن فى أن تعطى الآخرين ما يحتاجونه، أن تساعدهم تماماً كما كانت تحب زوجته أن تفعل، فيصلح دراجة أحد الشباب ويستقبل آخر فى منزله ويساعد جارته على تعلم قيادة سيارتها الجديدة.
الحقيقة الوحيدة الثابتة فى قصّة «أوتو» أن الحزن أخف وطأة عند مشاركته مع الآخرين، عدم مشاركته مع الآخرين يعنى أنه يكبر ويتضخم وقد ينحدر إلى طريق الانتحار خصوصاً إذا أعتبرنا أن أوتو هو الاستثناء من مبدأ "أقدارنا هى نتيجة حماقاتنا" لأن قدره هو كان نتيجة لحماقة جيرانه، كما يقول.
مع استمرا ماريسول الجار الجديد طلب المساعدة من أوتو الذى يرفض بشدة قبل الموافقة على مضض، ويقبل أطباق جارته المكسيكية تملأها بالحلوى والبسكويت من موطنها المكسيك. يجد أوتو (توم هانكس) نفسه مرارًا وتكرارًا يوافق على مساعدة جاره الجديد ماريسول (ماريانا تريفينيو).
استعان المخرج بابن البطل، ترومان توم هانكس فى أول ظهور له ليقوم بدور توم هانكس فى شبابه عندما تعرف على سونيا حب حياة أوتو، سونيا (راشيل كيلر)، وحياتهما معًا من خلال ذكريات الماضى التى يصور فيها لقاءهما اللطيف على متن قطار، حيث أعاد أوتو كتابًا يشهد سقوطها فى المحطة، تعتبر مشاهد الفلاش باك فعالة للغاية، حتى لو كان ترومان هانكس يبدو قليلاً جدًا مثل توم هانكس الشاب.
لعل العيب الوحيد لهذا الفيلم هو أنه مفرط فى حميميته ونظرته الودودة للعالم ونهايته المُرضية ولكنها تحسب للفيلم، فالواقع أكثر إفراطا فى الحميمية فى بعض الأحيان وقد تكون حكاية أوتو مثالا واقعيا ويجعل القصة مألوفة للغاية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...