أم كلثوم.. مطربة العرب الأولى التى فارقتنا فى ظـروف قاسية!

كانت أم كلثوم شخصية، تحمل خصائص الزعامة، والقوة، ولم تكن مجرد مطربة تغنى للناس فيطربون، وينتهى الأمر، لكنها

 كانت عدة "شخصيات" مركبة فى جسد واحد، ولعل هذا هو ما جعل القاضى الذى سمعها وهى تغنى فى طريق طماى الزهايرة، يترك كل أعماله ويذهب خصيصا ليخبر والدها بأن فى بيته كنزا عليه أن يحافظ عليه، ولأن الشيخ إبراهيم البلتاجى كان فقيرا يتكسب من الإنشاد فى الليالى والمناسبات الدينية، ويؤم الفلاحين فى مسجد القرية، ظن أن القاضى يدله على كنز من كنوز الفراعنة المخبوءة تحت الأرض، لكن القاضى قال له وهو يشير إلى الطفلة "أم كلثوم" ما معناه أن "الطفلة هى الكنز"، والطفلة صاحبت ميلادها رؤيا منامية منحتها الاسم "أم كلثوم" وهو اسم واحدة من بنات النبى صلى الله عليه وسلم، وكأن القدر كان يهيئ الأرض لاستقبالها، ليكون ظهورها ونموها واشتهارها مربوطا بالشعب المصرى والشعب العربى، فهى من "الزهايرة" وهم أنفسهم "بنى زهير"، قبيلة من قبائل العرب عاشت فى الدقهلية، واستفلحت، وجمعت خصائص الفلاحين والعرب، وأم كلثوم العربية، حفظت القرآن الكريم، وحفظت القصائد الصوفية المكرسة لمدح النبى الأعظم، وانطلقت فى القرى والعزب، ومن العزب إلى "البنادر" الصغيرة، وهيأت لها الأقدار، آذان الكبار من أسطوات الموسيقى، السيد درويش استمعها فى طفولتها، وزكريا أحمد وأبو العلا محمد، استمعاها فى شبابها الباكر، وفى القاهرة، كان "آل عبد الرازق" فى انتظارها، واستقبلوها ودعموها وقدموها للطبقة الغنية، واكتملت موهبتها بالغناء على الاسطوانات، واتسعت دائرة جمهورها، ودخلت عالم السينما الغنائية، وقدمت الأفلام القائمة على قصص المغنيات مثل "سلامة، دنانير" وقدمت أفلاما اجتماعية منها "فاطمة، عايدة"، وتزامن ظهورها السينمائى مع وجود "طلعت حرب" الاقتصادى الوطنى الكبير، والمخرج الكبير أحمد بدرخان، وفى الأربعينيات من القرن الماضى اكتملت نجوميتها وحازت "وسام الكمال" من "فاروق الأول" ملك مصر، وفى العام 1948، اقتربت من "الضباط الأحرار" الذين كانوا محاصرين فى "الفالوجا" فى فلسطين، وانتصرت ثورة 23 يوليو 1952، وتحولت أم كلثوم إلى صوت العرب الأقوى، وصوت مصر القائدة القوية، وتحولت نبراتها إلى جامعة للشعوب العربية، من المحيط إلى الخليج، كان العرب يلتقون على محبة أغنياتها فى الخميس الأول من كل شهر، حتى جاء العام 1975، وبالتحديد فى "3 فبراير" رحلت أم كلثوم، بعد صراع مع المرض، وفى "4 فبراير" ودعها المصريون فى موكب حزين، وأقيمت لها جنازة رسمية، وقرأ القرآن على روحها القراء الكبار "مصطفى إسماعيل وعبد الباسط عبد الصمد ومحمود على البنا"، وكانت مصر تعيش ظروفا صعبة، كان الانفتاح الاقتصادى المعادى للطبقات الشعبية قد بدأت آثاره، وكانت الأمة العربية تعيش ظروفا غير التى غنت لها أم كلثوم، كانت الظروف قاسية على الأمة العربية، وكان رحيل أم كلثوم ضرورة إلهية، لأنها لو عاشت فلن تحتمل التحول الذى جرى بعد موت عبد الناصر.

عايدة عبد العزيز.. فنانة المسرح الرائعة فـى السينما

فى "فبراير 2022" ودعتنا الفنانة القديرة "عايدة عبد العزيز"، بعد مشوار طويل قدمت خلاله عشرات المسرحيات والأفلام والمسلسلات، وتفردت بشخصية فنية، ولم تقبل الذوبان فى إحدى الرائدات، مثلا، بل أصبحت "شيخة طريقة"، لها أسلوب، ونمط أداء، من فرط تميزه يجبرك على الانسجام معها، فتظن أنها جارتك أو زميلتك فى العمل، والدليل تجده ـ يا عزيزى القارئ ـ فى فيلم "خرج ولم يعد"، فهى أم "خيرية ـ خوخة" ـ الفنانة ليلى علوى ـ وزوجة "فريد شوقى" الفلاحة التى تعيش فى قرية تتبع بنها بمحافظة القليوبية، وكان أداؤها فى الفيلم طبيعيا تلقائيا معتمدا على المخزون فى الوجدان، فهى من "بنها"، وعاشت زمنا فى القرية وتعرف أساليب التفكير التى تتبعها النساء فى القرى، وتعرف الأداء الصوتى والحركى لهن، ولهذا استطاعت فى المشاهد التى جمعتها بالفنان "فريد شوقى" أن تجبره على الخروج من الشخصية "زوجها كمال بيه"، ويبدى إعجابه بأدائها، ومن حسن حظنا أننا عاصرنا هذه الفنانة التى جمعت بين العمل فى المسرح المدرسى، والوقوف على خشبة المسرح المصرى فى أزهى عصوره "ستينيات القرن الماضى" مع زوجها الفنان والمخرج المسرحى الكبير "أحمد عبد الحليم"، ولم تكتف بما حصلت عليه من شهادات مصرية مثل "دبلوم معلمات، معهد فنون مسرحية" بل سافرت إلى "لندن" ودرست دراسات عليا، فجمعت بين الموهبة والعلم، واستطاعت أن تحقق المعادلة، النجاح على خشبة المسرح، والنجاح على شاشة السينما، ومن الأعمال التى لا تنسى لهذه الفنانة مسلسل "زينب والعرش"، الذى قدمت فيه شخصية "أم زينب"، بفهم لأبعاد الشخصية، الفلاحة، العانس، المشتاقة للبيت والزوج والاستقرارالعائلى، المعتزة بأنوثتها وموقعها الاجتماعى، فهى الفلاحة التى تزوجها "مدحت بيه الأورفانلى" الذى أخنى عليه الدهر، ولم يكن أمامه خيارات فى الزواج سوى الزواج من فلاحة، كان أهلها يعملون فى "العزبة" التى يملكها والده الباشا الشركسى، وكانت "عايدة عبد العزيز" قابضة على الشخصية، بجمال وفهم، انتقل أثره إلى الجمهور، فأحبها، وفى فيلم "النمر والأنثى" قدمت الشخصية النقيض، زوجة تاجر المخدرات القوية المسيطرة التى تمتلك "الحس الأمنى"، والحذر المبالغ فيه، وفى مسلسل "ضمير أبلة حكمت"، كانت "عايدة" فى مباراة فنية رهيبة مع الفنانة "فاتن حمامة"، ومما روى القريبون من كواليس هذا المسلسل أن "فاتن حمامة" كانت معجبة بأداء "عايدة"، ونحن أعجبنا أيضا بهذا الأداء المنضبط النابع من فهم طبيعة وأبعاد الشخصية الطموحة التى تتمنى الجلوس على كرسى المديرة، وتحاربها فى الخفاء وتظهر لها الطاعة فى العلن، ومازال الناس يتذكرون أداءها ويحبون المشاهد التى تجمع بينها وبين "فاتن حمامة" رحمهما الله بواسع رحمته.

«خرج ولم يعد»..

 تحذير من «القاهرة» يفيض بالرومانسية

الفارق بين القادمين من الريف إلى "القاهرة"، والمسافرين منها إلى الريف، هو نفس الفارق بين "أم كلثوم" و"منيرة المهدية"، أم كلثوم ارتقت وتعلمت بالإقامة فى العاصمة، ومنيرة المهدية عاشت عمرها كله فى العاصمة "سلطانة" للطرب، واكتفت باللقب حتى فعل الزمان فعله، وانزوت السلطانة وسيطرت ـ الفلاحة أم كلثوم ـ على العرش الغنائى، وفيلم "خرج ولم يعد" صنعه "محمد خان" ويحيى الفخرانى وليلى علوى وفريد شوقى، وفيه، حلبت ليلى علوى الجاموسة وركبت الحمار، وزغطت البطة، ومشت بين الحقول، وكذلك فعل يحيى الفخرانى وتوفيق الدقن وفريد شوقى، لكن الوحيدة التى كانت فلاحة حقيقية هى "عايدة عبد العزيز"، والفيلم فيه كمية طيور وبيض وسباطات موز وكيلوات من اليوسفى، كافيه لجعل القاهريين يهربون إلى شبين الكوم وميت غمر وأرياف الشرقية، لكن الحقيقة ليست كذلك، الريف فيه البيض والزبد والهدوء واللون الأخضر، لكن ليس فيه المسرح والسينما والمجلة والجريدة والمقهى، الريف فيه البساطة والخير كله، لكن ليس فيه الندوات والمهرجانات والمعارض التشكيلية، والجغرافيا المصرية قامت على تبعية الريف للعاصمة، ولهذا، كان فيلم "خرج ولم يعد" الفيلم الرومانسى الدال على محبة "محمد خان" للريف المصرى، محبة الزائر، الذى لم ير من الريف سوى الوجه الجميل والسمن البلدى والخضرة وابتسامة الفلاحة الجميلة، وعموما تبقى فكرة العودة للريف طيبة بشرط أن يمتلك الريف المغريات التى تجعل الناس يتركون العاصمة ويرجعون إليه راضين سعداء.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الشعب المصرى يودّع كوكب الشرق بالدّموع فى يوم 3 فبراير 1976
رفلة
فيلم
أم كلثوم تعود من جديد على قناة النيل للدراما.. شكراً يا أستاذة أنعام
السيدة أم كلثوم.. سيدة الغناء العربى وحاملة راية الوطنيــة المصرية
مأمون
ثومة
فيلم

المزيد من فن

هما مير أفشار: رحيل ملكة الشعر الغنائي في إيران

فقدت الساحة الموسيقية في إيران، واحدةً من رواد الشعر الغنائي، وعلمًا من أعلامه البارزين في زمن تألق الفنون الإيرانية خلال...

19 % زيادة فى أرباح «الإنتاج الإعلامى» خلال الربع الأول من العام المالى 2026

أعلن مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامى برئاسة عبدالفتاح الجبالى، الإثنين الماضى، القوائم المالية المستقلة والمجمعة عن نشاط الشركة فى نهاية...

خالد النبوى يحضر «طاهر المصرى» الشهر المقبل

أجل صناع مسلسل «طاهر المصرى» تحضيرات العمل إلى الشهر المقبل، تمهيداً لبدء التصوير.

ياسر جلال: أتمنى عودة الاحتفال بـ«بعيد الفن»

أسعى لتغيير صورة الفنان