إلي جانب العمل علي الشخصيات التاريخية والبحث من خلالها عن الشخصيات التى تحمل عناصر الصراع والمأساة، كان أبو العلا السلاموني
يبحث عن شكل مسرحي مصري يصل من خلاله للجمهور وجاءت تجربة النديم هذه التجربة المثيرة ثالث التجارب بعد" الحريق وابوزيد في بلدنا" للوصول الي شكل مسرحي مصري وذلك بتاثير من دعوة يوسف ادريس وتوفيق الحكيم وغيرهم ، ليقدم بعد ذلك" مآذن المحروسة " ليعود إلي الحملة الفرنسية الحقبة التاريخية السابقة علي حكم محمد علي وصراعه مع عمر مكرم ، موضوع نص "رجل في القلعة" من خلال سهرة مسرحية شعبية أحيتها فرقة "المحبظين الشعبية بأمر ساري عسكر الفرنسي نابليون بونابرت في القاهرة المحروسة عام 1798 عام دخول الفرنسيين مصر في حملتهم الشهيرة، ويقسم الكاتب النص إلى ثلاثة أجزاء التمهيد، بداية السهرة، نهاية السهرة.
هذه المسرحية قدمت للمرة الأولى عام 1983 في ساحة وكالة الغوري من إخراج الراحل سعد أردش ، ثم أخرجها محمد حسن تحت إشراف رائد المسرح الشعبي عبدالرحمن الشافعي ، وهذا النص اعتمد فيه البناء الأساسي للنص المسرحي علي المحبظين ، وهم جماعة كما وصفهم الرحالة إدوارد لين حال زيارته للمحروسة ، يقدمون عروضهم في حفلات الزواج والختان في بيوت العظماء، وأنهم أي المحبظين كانوا يجتذبون إليهم حلقات من المتفرجين والمستمعين في الأماكن العامة، ويعلق لين على هذا النوع من العروض بأنه لا يستأهل الذكر من الناحية الفنية، وإنما تكمن أهميته في قدرة هؤلاء المحبظين على لفت الأنظار وجذب الجماهير بما تحويه عروضهم من نكات بذيئة وحركات داعرة، وكان هؤلاء الفنانون من الرجال والصبيان وكانوا يؤدون دور النساء بعد أن يرتدوا أزياءهن ، وربما علق إدوارد لين على عروس المحبظاتية فنيا بالسلب لأنه قارنها بالمسرح الغربي الذي كان مزدهرا في بلاده في تلك الفترة، ،وقد اختار أبو العلا السلاموني هذه الأجواء ليقدم نصا اعتبره استثنائيا، بل ونموذجا للاستفادة من الظواهر الشعبية المسرحية في صورة نص معاصر حيث بناء النص حول تقنية مسرح المحبظين وذلك من خلال توظيف ظواهر المسرح الشعبي سواء من حيث التقاليد المتعارف عليها وقتذاك من احتفالات شعبية ودينية كانت هي قوام هذا النوع من المسرح بالإضافة إلى التقنية الفنية حيث استعار ألاعيب المحبظين وأساليبهم في المسرحة وفنون الفرجة، وهذا من خلال قراءة معاصرة لتلك الفترة فنيا وتاريخيا، والنص "مآذن المحروسة" صورة نموذجية لتطوير مسرح المحبظين والظواهر المسرحية الشعبية بشكل عام من خلال الاستفادة من تقنيات المسرح الحديث ليقدم المؤلف دون تنظير أو ثرثرة فارغة وفي هدوء تام مسرحا مصريا.. يحقق المعادلة الصعبة في كيفية الاستفادة من الظواهر الشعبية القديمة وأيضا في صورة وهو الشق الثاني من أحلام أبو العلا السلاموني.
وعلى الرغم من أن الكاتب اختار موضوعا تاريخيا يسرد نضال الشعب المصري في فترة مهمة وهي الحملة الفرنسية، إلا أنه قدمها من خلال فرجة شعبية ممتعة وشيقة ليتجنب ويبتعد تماما عن الخطابة والمباشرة، فعلى الرغم من أنه يحكي عن التاريخ والمقاومة إلا أن قارئ النص لا يشعر بالملل أو تؤدي حاسته الفنية المباشرة التي تحفل بها تلك النصوص، لأنه اختار طريقا صائبا وأسلوبا فنيا يعتمد على مسرحة كل شيء حتى السياسة والخطب، وأعقد المشاكل والقضايا يحولها إلى حالة ساخرة وإن كانت سخرية مريرة، ناهيك عن أن المشاهد وحتى القارئ شريك أساسي ولا يقل دوره عن دور المؤدي حيث استطاع السلاموني بوعي مسرحي كبير أن يقدم لعبة مسرحية لا يطغى فيها الهزل والبذاءة كعادة المحبظين على العملية الفنية، فثمة توازن دقيق يدل على حرفية المؤلف ، وإذا كانت الحكاية يتم طرحها من خلال المحبظين ورجال الأزهر "الشعب" في مواجهة ساري عسكر الفرنسيس والمماليك الخونة، وإن كان رجال الأزهر هم قادة هذه الحركة الثورية إلا أن المؤلف لم يطرح خطابا دينيا بقدر التركيز على الهوية المصرية ومقومات الشخصية إذ تدور الأحداث حول المحبظين حين يطالب الكتخدا بارتلمي منهم التشخيص والتحبيظ لساري عسكر الفرنسيس فيستشير نقيب المحبظين سعدون رجال الأزهر في هذا الأمر فينصحوه بالموافقة وأنهم سوف يشاركون معه لأن هذا في صالح الثورة التي يخططون لها، ولسعدون أخت هي زوبة يتصارع على حبها بقية المحبظين علي كاكا، سعدون، حسون، ومن خلال استعداد الفرقة لتقديم عرض لنابليون بونابرت يستعرض هؤلاء صفحات من التاريخ المصري، وهو الأمر الذي يحتاج إلى قدرات خاصة من خلال التمثيل داخل التمثيل والمسرحة داخل المسرح، وعلى مستوى الكتابة استطاع المؤلف أن يقدم هذا من خلال لغة شاعرية، وايضا إتقان اللهجات المتعددة التي تحتاجها تلك الحقبة التاريخية المتباينة .
ووجه أخر من وجوه الكاتب المسرحي أبو العلا السلاموني في مسرحية "تحت التهديد" يصفها قائلاً " مأساة بطل مسرحيتنا تكمن في كونه فناناً في مجتمع لا يثق بالفنانين، وعليه أن يثبت براءته من جريمة لم يرتكبها في حق أحد وليس لديه من دليل سوى أن يتهم الآخرين بقصد أو بدون قصد، حتى وإن كانوا أقرب الناس إليه، فترى هل بذلك تتحقق العدالة؟
ودون شك تختلف هذه المسرحية عن نصوصه التى قدمت نماذج منها حيث يغوص هذه المرة في أعماق النفس البشرية، ويختار نموذجاً قوياً ودالاً وهو الفنان، حيث تميل المسرحية إلى السيكودراما التي يتأمل المؤلف من خلالها ما بداخل الشخصيات حيث نشاهد على خشبة المسرح ما هو مستتر في النفس البشرية ، ويبدأ هذا من العنوان "تحت التهديد" حيث يظن المشاهد أن هناك من يهدد هذا الفنان، لنكتشف أنه تحت تهديد نفسه وما بداخله
وأذكر أنني شاهدت هذه المسرحية في مركز الهناجر من إخراج محمد متولى الذي حول خشبة المسرح إلى متحف لهذا الفنان أو بمعنى أدق هذا النحات، ليبدأ العرض والنحات يستيقظ من نومة لحظة دخول زوجته، كان غاضباً عليها وعلى العالم منذ أن بدأ الحديث، استيقظ ثائراً بعد أن قضى ليلته يحتسى الخمر احتفالاً بمرور عام على خروجه من السجن، وهنا تبدأ الحكاية لنعرف أن هذا الفنان قضى عشرة أعوام في السجن بعد أن تم العثور على جثة في متحفه، ولم يستطع الدفاع عن نفسه، وأصبح المجتمع كله مداناً ومسئولاً عن سجنه، وأيضاً زوجته التي أبلغت الشرطة عن وجود الجثة، وبمناسبة هذا الاحتفال قرر النحات الذي يشعر بالظلم نحت ثلاثة تماثيل في متحفه للقاضي والمحامي وممثل هيئة الدفاع ، ويضع المخرج التماثيل الثلاثة في الوسط وعلى اليمين وعلى اليسار، وبعد حوار طويل مع زوجته تتم إعادة المحاكمة مرة أخرى، حيث يحل مكان التماثيل الثلاثة ثلاث ممثلين يمثلون القاضي والمحامي وممثل الدفاع، وتتم إعادة المحاكمة، وهنا يخرج ما هو مكبوت في داخل هذا الفنان ومن خلال التمثيلية الوهمية يدافع الفنان عن نفسه من خلال الوهم، وينتهي الأمر باتهام الزوجة التي تنتحر في نهاية العرض.. هذه الزوجة التي انتظرت زوجها عشرة أعوام ثم خرج من سجنه لا يستطيع أن يلمسها وتركها تعاني وتكابد الشوق ، ربما تكون الحكاية التي "تحت التهديد" حكاية تقليدية من خلال الطفل الذي ماتت أمه ونشأ مع زوجة أبيه فصار معقداً يكره النساء والعالم خاصة، حسب قول هذه الشخصية –إن زوجة أبيه راودته عن نفسه، ليخرج هذا الكائن محملاً بكل العقد النفسية وناقماً على الدنيا.. ولكن معالجة الكاتب المسرحي محمد أبو العلا السلاموني لهذه الحكاية هي الشيء الجديد، وذلك من خلال اختياره فناناً لكي يكون محور الأحداث واللغة الشعرية التي تناول بها الحكاية، واستطاع أن يجسد ما هو باطني من خلال هذه اللغة الشعرية التي تميزت بالكثافة من خلال الجمل القصيرة الحادة التي تتناسب وهذه الحالة النفسية، وبالرغم أننا أمام مسرحية بطولة الزوج والزوجة وثلاث شخصيات أخرى إلا أنها تقترب من بناء المونودراما، التي يجسدها هذا الزوج الفنان، حيث يشعر المشاهد بأن كل الشخصيات تخرج من مخيلته بما فيها الزوجة، من خلال مفردات المنظر المسرحي ومنها السينوغرافيا التي جسدت هذه الحالة النفسية المرتبكة للفنان من خلال نص أقرب إلي قطعة من الشعر لا يمكن أن نحذف منها سطراً أو حتى كلمة واحد ليؤسس أستاذ الفلسفة القادم من دمياط مع رفيق كفاحه يسري الجندي حالة مغايرة بين جيل السبعينات أوجيل النهضة والسقوط ، أو كما أطلق عليه دكتور سمير سرحان جيل الموجة الثالثة ، فقد حاول أبو العلا السلاموني من خلال مصادر عديدة منها التراث العربي والتاريخ القريب والبعيد، بالإضافة إلي البحث في الظواهر المسرحية وعناصر الفرجة الشعبية أن يؤسس مشروعاً مسرحياً أنتج ما يقرب من 40 مسرحية ، لا تخلوالبنية العميقة لهذه النصوص من تمجيد الفكر وضرورة إعمال العقل للنهوض بالأمة ، مهما تباينت الأفكار والموضوعات ، مهما اختلفت صيغ المعالجة الدرامية بين الشعبي والمعاصر ظل هذا الكاتب ينحاز ويدافع عن قيم التنوير والحرية في المجتمع .
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...