سلطان البساطة.. سامحنا وراح!

ومضى الرجل الذى صنع الموسيقى بالشوكة والسكين

شيك وبسيط ودوغرى.. هكذا عاش الرجل السكندرى خمسا وثمانين من السنوات.. وهكذا عاشت موسيقاه بسيطة وشيك و"دوغرى".. اسمه محمد، وفى موسيقاه ظل لموسيقى أستاذه محمد عبدالوهاب، وفى روحه من روح موسيقى بليغ بعفويتها.. جمع بين هندسة الموسيقار.. وعفوية "البهلوان"، فظلمناه ولم ينتحب.. ابتسم ابتسامة الواثق الذى يمشى "سلطانا"، لا أرض تحده ولا سماء تمنعه من "الطيران".

هكذا يمكننى قراءة رحلة الموسيقار "محمد سلطان"، الذى غادر فى ليلة خريفية هادئة تشبه رحلة الرجل الذى قابل كل براكين الدنيا وثوراتها وغضبها فى حنجرة هى "الأصعب" فى تاريخ الغناء العربى واسمها "فايزة أحمد".. روضها واستطاع "لجم" شياطينها، لأنها أحبته وعاشت فى ظل بساطته.. فرس الشام التى أطلقها "محمد الموجى".. ولم يستطع "عبدالوهاب" كبح جماحها راحت تهاجم الجميع، وتغضب من الجميع، وتلعن الجميع لأنهم "هجروها"، فلم تجد سوى ذلك الشاب السكندرى الوسيم وعوده "الخواجاتى" لترتاح فى ظل "شجراته" وتقطف من ثمارها، مما جعل عود خيزرانها يستقيم ويقاوم "أم كلثوم ووردة وصباح وشادية وسعاد محمد" فى آن واحد.

إذا أردت أن تقرأ موسيقى "محمد سلطان".. الذى لم يعد بيننا.. والذى لم يملك فى يوم من الأيام "كرسى الأستاذية".. ولم يملك أى مؤسسة تروج له، لم يملك سوى بساطة الباشوات فى زمن تسيده "بلطجية التلحين".. عاش وسط الكبار.. ونجح بينهم.. فلم يهتز حينما اهتزت "ريشة العود".. كل الأعواد.

تصالح "محمد سلطان" منذ نفس لحظة دخوله إلى هذا العالم بيسر.. لم يطلب "المجد"، فقط سار ببطء يداعب المجد.. كما كان يفعل طفلا صغيرا بمحاذاة بحر الإسكندرية.. فرحى دون أن يترك جرحا فى جبهة أحد.. أى أحد.

 ابن الحكمدار فى "مرماح النجوم"

بعد توقيع مصطفى النحاس معاهدة 1936 بعام واحد.. رزق مدير أمن الاسكندرية الذى غادرها ليصبح مديرا لأمن القاهرة بطفل سماه "محمد".. كان يتعشم أن يصبح مثله فى يوم من الأيام رجلا عسكريا.. لكن يبدو أن الأم التى كانت تدندن أعمال سلامة حجازى، وزكريا أحمد زرعت فى نجلها "سكة مختلفة".

استجاب الفتى الوسيم لرغبة والده والتحق بالكلية الحربية، لكن سرعان ما غادرها بعد عام واحد إلى كلية الحقوق.. ولأنه كان قد حصل على اعتراف من محمد عبدالوهاب جارهم فى صيف الإسكندرية بموهبته، فقد راح بكل ما فيه يعزف.. ويحلم بأن يكون خليفة الأستاذ.. لكنه لم يفعل.. ظل منتظرا.. لم يتعود "ابن الناس" أن يقتحم البيوت دون أن يستأذن.. لم يعرض ما يلحنه على أحد معتقدا أن الوقت لم يحن بعد.. لكن "يوسف شاهين" الذى كان يستعد لفيلمه الأشهر "الناصر صلاح الدين" وهو يبحث عن "فرسان" بنادى الفروسية شاهده وهو يركب الخيل وكانت عين "شاهين" قادرة على جذب الفتى الذى لم يكن مستعدا، لكنه وافق من باب القرب من عالم الفن.

أصبح "سلطان" ممثلا.. وشارك فى عدة أفلام أحدها كان سببا فى أن يلتقى بفايزة فى بيت فريد الأطرش.. ومن بعدها صدفة.. ومن بعدها فى بيت عبدالوهاب.. لتعرف أنه "ملحن" وتتنبأ له بأن يكون "الخليفة".

وقتها كانت فايزة قد استقرت فى القاهرة وغنت لكبارها وصنعت اسما ولونا بين الكبار.. فكيف تراهن على شاب لا يعرفه أحد؟.. حتى عبدالوهاب نفسه طلب منها أن تتمهل.. لكنها لم تفعل، وجاءت إليه بكلمات أغنيتها الأولى من الشاعر محمد حمزة.. كانت غنوة فرح.. ليصير الغناء حقيقة بعدها بشهور قليلة بعدما طالتهما شائعات الوسط الذى لا يرحم.. لكن شيئا ما فى قلب فايزة جعلها "تخطبه" لتحصل على ملحنها وفتاها ووالد طفليها اللذين صارا من أطباء مصر فى أمريكا حاليا.

"هاتوا الفل مع الياسمين / رشوا الورد على الصفين

ده الأبطال بعد غيابهم/ راجعين لينا منتصرين

أهلا بيكم.. ألف تحية/ يا اللى ناصرتم أسمى قضية

أهلا أهلا.. بالأحرار/ الراجعين من خط النار"..

كانت هذه الكلمات الفرحة بعودة الجنود من "اليمن" هى الباب الذى دخل منه محمد سلطان إلى قلب فايزة وعالم التلحين فى وقت واحد.. اختفى الممثل لأن الرجل لا يعرف كيف يعيش بأكثر من وجه.. وتمسك بالنغمات التى هجر من أجلها عروس الإسكندر.. ووجد ضالته فى صوت عفى قادر لكنه ابتعد به عن "الزعيق والعافية واستخرج أنعم ما فيه".. جبل "صيدا" صار "فرعا من الرمان" مال على صدر الفتى الوسيم فصار شعبيا ينطق بتجليات الجنوب التى جاء بها "الأبنودى" و"مجدى نجيب" و"عبدالرحيم منصور".

"مال عليا مال /فرع من الرمان

قلبى الأخضر/ شمعة ورقصت

فوق الشمعدان/ مال عليا مال

وأنا قاعدة حيرانة لوحدى / وفى عينيا سؤال"..

 وبنقسم اللقمة ونضحك

فى تلك الفترة التى سكنت فيها فايزة أحمد بيت وقلب "محمد سلطان" كانت مصر تفتح بواباتها للجميع.. تبنى.. تحلم.. وتكتب قصة مختلفة عن "الحياة".. وجد الشعراء كل الشوارع التى يدخلون منها إلى عوالم جديدة.. كان الشعب هو المعلم.. أو هكذا رفع رجال عبدالناصر شعارهم.. الفلاحون رجالا ونساء كانوا فى المقدمة.. وكان أن ذهب محمود الشريف إلى حنجرة "شادية" على استحياء يبحث عن "خولى الجنينة".. وفهم "بليغ حمدى" الرسالة وراح يفتش عن سر الغناء الشعبى المصرى حتى أجبر عبدالحليم نفسه على غناء ثلاث أغنيات متتالية من هذا اللون.. بعد أن أجبره نجاح "محمد رشدى" المدوى على غناء "طين الأبنودى".. فغنى "وانا كل ما أجول التوبة" و"سواح".. و"على حسب وداد قلبى".. وكان أن دخلت فايزة المنافسة بعد أن سبقتها "نجاة" و"شادية" و"شريفة فاضل".

نجاة صوت الضوء المسموع.. دلوعة "عبدالوهاب" تغنى شعبيات من ألحان "بليغ والموجى".. فماذا فعلت "فايزة"؟.. جاءت بالأبنودى أولا.. لكنه رشح مجدى نجيب ليكتب "آخد حبيبى يا انا يا أمه.. آخد حبيبى يا بلاش" ويلحن سلطان حتى تظن أنه "بليغ حمدى".. لكن الرجل يعرف.. ويقرر أن يقدم شعبياته "الشيك" خالية من أى "عبل"..

"وما دام معايا/ وبنقسم اللقمة ونضحك

وبنشرب شاى/ ما يهمنيش مهما قالوا

ما هو دول عوازلى وعزاله/ قالولى داير على حاله

وهوه كان قاعد معايا

 فى حضرة الملك.. حضور الرئيس

لم يجد محمد سلطان عائقا يمنعه من الوصول لأكبر وأهم الأصوات فى الوطن العربى.. لم يحاربه أحد.. بل إن الطريق إلى رأس السلطة فى مصر وفى عدد كبير من البلدان العربية كان ممهدا.. لم يجامله أحدهم أيضا فموسيقاه وحدها هى التى سحبته إلى الشاطئ الآخر.. لم يحسبه أحد على رجال "ناصر".. لكن أحدا منهم لم يمنعه أو يحاربه.. لكنه اقترب من الرئيس "السادات" وبشدة حتى إنه كان أحد مسامريه.. و"العيون الكواحل" كانت طريقه إلى استراحة الرئيس..

"فى الليل أنا زرته / يا نجمتى الوردى

ابتسلمى من عيونه/ شوق لوعدى

قلتله روحى/ روحى تعالى

تعالى أنا عندى زاير"..

كانت هذه هى الزيارة الأولى لمحمد سلطان لاستراحة الرئيس "السادات" الذى طلبه بعد أن استمع لـ"العيون الكواحل"، تلك الكلمات التى كتبها "مجدى نجيب" مستفيدا من تراث الموشحات الأندلسية، وكان قد فعل ذلك مع "محمد الموجى" فى أغنيته الوحيدة لعبدالحليم حافظ.. الرئيس السادات الذى كان يحب هذا اللون من الموسيقى ويؤديه بقدره موسيقية عالية فى جلساته الخاص أطربته "العيون الكواحل"، فبحث عن ملحنها وأرسل ليستدعيه ليسمع منه عن قرب ويغنى على عوده.. يومها فوجئ "سلطان" بقدرة "السادات" على الغناء السليم بصوته الأجش المميز.. وأثنى الرئيس على الملحن الذى لم يعد شابا وكلفه بأن يغنى لمصر.. من خلال أوبريت قُدم بعدها على مسرح البالون باسم "مصر بلدنا".

كان من الطبيعى أن يحب سلطان السادات، وأن يغنى له ولانتصاره فى أكتوبر عبر صوت فايزة "صباح النصر"، وبأصوات أخرى.. لكن تظل الأغنية التى كتبها محسن الخياط هى الأجمل من مجمل ما أبدعه "سلطان" الذى حول بيته إلى ثكنة عسكرية على حد تعبيره لإنجاز أغنيات خاصة بالنصر العربى الأكبر.. وغنت "فايزة" التى كانت قد حصلت على الجنسية المصرية قبلها بسنوات..

"بحبك يا مصر/ ولو خيرونى

أقول يحرمونى/ ولو نور عيونى

واحبك يا مصر/ يا مصر بحبك

بحبك يا بلادى"..

تلك الموسيقى التى ذهبت بالفتى السكندرى الخجول إلى استراحة الرئيس ذهبت به إلى قصر الملك الحسن فى المغرب، وسمحت لفايزة بأن تقول للملك الذى كان يحب الغناء أنت تجيد الغناء.. لكنك لا تستطيع ركوب المقام الفلانى. فيخجل سلطان من طريقتها العفوية فى مخاطبة ملك.. لكن الرجل الذى أحب الموسيقى يخبره "سيبها على راحتها".. ثم يطلب من سلطان العناية بسميرة سعيد الطفلة التى تبناها الملك، وكان آن أوفت فايزة وسلطان بالوعد بعد سنوات واستقبلاها فى القاهرة لتكون "سيدة ألحان سلطان" لفترة منحتها رخصة الدخول إلى القاهرة مثلما منحت آخرين وآخرين الفرصة الأولى.. هكذا هو حال هانى شاكر فى مطلع السبعينات فى "يا ريتك معايا" وغيرها.. مثلما هو حال نادية مصطفى، ومحمد ثروت فى ثمانينات القرن الماضى.. وفى تسعيناته كانت بداية أصالة مع لحنه الأشهر والأجمل "سامحتك كتير".

هذه الفترة لم يتخلص سلطان من أسلوبه الشرقى فى التلحين وطريقته السلسة فى التعامل مع الأصوات الكبير فقدم من ألحانه الطويلة لفايزة "خليكو شاهدين" وغيره، مثلما قدم لسعاد محمد من كلمات "مجدى نجيب" واحدة من أجمل أغنياتها تلك التى استعادها العديد من نجوم الجيل الجديد مؤخرا "أوعدك".. وجاءت الألفية الجديدة لترحل "فايزة" بعد إصابتها بالمرض الأخطر.. رغم أن كثيرين لا يعرفون أنها من أوائل الذين أصيبوا بفيروس "C"، ولم يكن معروفا وقتها.. ومن أوائل الذين سافروا إلى الخارج لتلقى علاج لم يكن قد اشتهر بعد وما زال فى طور التجربة.. وفى كل الأحوال غابت الكروانة وبقى "سلطان" وحيدا مع "رنة عوده" يتذكر أيامهما معا.

اختفت ألحان "سلطان" تقريبا فى السنوات الأخيرة لكنه ظل على حاله.. يفتح أبواب بيته للجميع ولا يطرق باب أحد.. فقط يغنى "سيبونى أحب.. سيبونى يا ناس.. أعيش الحب".

 

Katen Doe

محمد العسيرى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

محمد فراج «أب ولكن» فى العاصمة الجديدة

يواصل الفنان محمد فراج تصوير مشاهد مسلسله «أب ولكن»، المقرر أن يعرض فى رمضان.

إياد نصار يبدأ «الحب والحرب» فى الساحل الشمالى

يبدأ الفنان إياد نصار، الأسبوع المقبل، تصوير مشاهد مسلسله «الحب والحرب»، بعد الانتهاء من تفاصيله.

كريم عفيفى يصور «السوق الحرة» بمدينة الإنتاج

بدأ الفنان كريم عفيفى تصوير مشاهد مسلسله «السوق الحرة»، داخل مدينة الإنتاج الإعلامي، وبالتحديد داخل لوكيشن الأكاديمية.

سماح أنور تنضم لـ«عرض وطلب»

انضمت الفنانة سماح أنور لفريق مسلسل «عرض وطلب»، مع الفنانة سلمى أبو ضيف،


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص