إطلالة على سينما المرأة الإيرانية عقب الثورة

بعد قيام الثورة الإيرانية عام 1979، تناولت الجمهورية الإسلامية صورة المرأة فى السينما، وطرحت القضايا الخاصة بها بتحفظ شديد، حيث ظهرت المرأة على شاشة السينما فى قالب

بعد قيام الثورة الإيرانية عام 1979، تناولت الجمهورية الإسلامية صورة المرأة فى السينما، وطرحت القضايا الخاصة بها بتحفظ شديد، حيث ظهرت المرأة على شاشة السينما فى قالب "المرأة المثالية"، وليست كما تكون فى الحياة الواقعية.

وعلى الرغم من أن الثورة الإيرانية قد نادت بالحرية والعدالة والمساواة، وشاركت النساء الواعيات فى المجتمع الإيرانى فى الثورة على نطاق واسع، أملاً منهن فى المساواة والقضاء على الاضطهاد، إلا أن وجه النظر المتشددة التى تبناها النظام الجديد المنبثق عن الثورة، أسفرت عن تناقضات داخلية فى المجتمع الإيرانى، وعززت من سطوة المجتمع الذكورى فى البلاد.

ويعتبر "الفقه التقليدى"، أو بعبارة أخرى "الموروث الثقافى"، فى منطقة الشرق الأوسط بوجه عام المرأة غير مسؤولة، ويضعها فى مرتبة اجتماعية وحقوقية أقل من الرجل، والحقيقة إن تناقض هذه النظرة مع المكانة الواقعية للمرأة فى المجتمع ليست قضية مدنية أو أخلاقية فحسب، بل هى أساس أكثر الصراعات الاجتماعية احتداماً فى تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث أنها ألقت بظلالها على الدولة الجديدة فى إيران منذ نشأتها وحتى الآن، وكانت علامة فارقة وغائرة التأثير فى تاريخها، ومن الممكن اعتبار السينما إحدى المجالات الواضحة لهذا الصراع.

القوالب النمطية للمرأة فى السينما الإيرانية قبل الثورة

تعترف الثقافة التقليدية فى إيران، شأنها شأن أغلب بلدان الشرق الأوسط، بحياة المرأة على نطاق ضيق فى الأسرة فقط، وتمنعها من الظهور العام فى المجتمع، وكانت السینما الإيرانية قبل الثورة تستعرض المرأة فى قالبين نمطيين، قد سيطرا على الثقافة التقليدية فى البلاد، حيث ظهرت المرأة فى قابلين: "حياتها الخاصة"، و"حياتها العامة"، وبينهما توجد حدود فاصلة يستحيل عبورها، لأن "شرف" المرأة قد تصبح فى مهب الريح مع انهيار هذه الحدود، فالشرف هو أغلى ما تملكه المرأة، ورجال الأسرة، أى أبيها وأخيها وزوجها، يقع على عاتقهم صونه والحفاظ عليه.

والمرأة "العفيفة الشريفة غير المتزوجة" ليس لها أى "علاقة جنسية"، وعلى النقيض منها توجد "العاهرة" التى ليس لديها سوى "الجنس". وكانت السينما الإيرانية قبل الثورة تعزز هذا القالب القديم، وتساعد على ترسيخه واستمرار انتاجه، حيث كانت تظهر المرأة فى أغلب الأفلام الإيرانية فى دورى "الزوجة"، و"الراقصة" أو "العاهرة" فحسب، أما البطل الرجل فكان یتأرجح بين "ربة المنزل" و"فتاة الملهى"، أو بالأحرى بين "الزوجة" و"العشيقة"، والحقيقة إن هذا القالب هو إحدى القوالب النمطية المألوفة فى سينما أغلب بلدان العالم، وخاصة دول الشرق الأوسط، وليس إيران وحدها.


سينما المرأة عقب الثورة الإيرانية

سعى النظام الإسلامى فى إيران منذ نشأته إلى إطلاق حملات دعائية وأخلاقية واسعة النطاق ضد نمط "فتاة الملهى" التى تتصف بكل الصفات السلبية فى المجتمع، حيث اعتبرت وسائل الأعلام الحكومية فتاة الملهى نموذجاً للمرأة "الغربية المنحلة"، ومن ناحية أخرى وضعت فى مقابلها المرأة "المثالية المسلمة".

 وحينما قال المرشد الأعلى للثورة الإيرانية "الخمينى": "نحن لسنا ضد السينما، ولكننا ضد العهر"، مما لا شك فيه أنه كان يقصد "فتاة الملهى" فى السينما.

تناولت الجمهورية الإسلامية الإيرانية صورة المرأة فى السينما، وطرحت القضايا الخاصة بها بتحفظ شديد، وكان مسؤولو وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامى والسينمائيون المنحدرون من طبقات تقليدية فى المجتمع إيرانى فى بداية الأمر يعارضون تجسيد المرأة فى السينما جملة وتفصيلاً، حيث لم ترد أى إشارة للنساء الإيرانيات فى الأفلام الأولى للجمهورية الإسلامية التى تم انتاجها ما بين عامى 1981 و1983، ولكن لم تمض فترة طويلة حتى أظهرت الجمهورية الإسلامية المرأة الإيرانية على شاشة السينما، ولكن أظهرتها فى نموذج نمطى، وليس فى صورتها الواقعية، فبدت المرأة وكأنها نسيج كامل من القيم الأخلاقية، وليست إنسانة من لحم ودم، فهى دائماً "أيقونة" للشرف والرحمة والتضحية، وتتحمل المحن الشديدة والظلم الجائر بصدر رحب.

وعلى هذا النحو ظهرت المرأة فى السينما الإيرانية وكأنها "كائن فضائى" أو "عروس ماريونيت" يحركها الآخرون، فنراها تتحدث بصوت هادىء جداً، وتنظر دائماً لأسفل، وتبدو فى حالة جدية أغلب الأوقات، ولا تبدى أى رد فعل اتجاه متغييرات الحياة ومستجداتها. ويكمل هذا القالب المزيف للمرأة الصورة الكاذبة للرجل الإيرانى، ففى المجتمعات التى تحرم ممارسة الجنس خارج إطار الزواج، بناء على قيم أخلاقية أو دينية، يدفع هذا الأمر الشباب إلى التأرجح بين التمسك بقيمهم الاجتماعية والدينية أو السقوط فى براثن الرذيلة، حيث نرى الشباب فى الأفلام الإيرانية فى صورة الأتقياء والأطهار، ولكن مشكلتهم الوحيدة التى يعانون منها، هى احتياجهم لممارسة الجنس!!..

الحجاب.. مشكلة لا تنتهى!!

يجب على "المرأة المثالية" من وجه نظر الجمهوية الإسلامية الإيرانية أن تحرص على ارتداء الحجاب، أى تغطى جسدها بالكامل أمام الرجال الغرباء "غير المحارم"، ولا تظهر سوى وجهها ويديها. وعلى هذا فإن نموذج المرأة المثالية يشوه مبدأ الواقعية فى السينما، ففى هذا العالم الخيالى يجب على المرأة أن ترتدى الحجاب دائماً، حتى فى المشاهد التى تجمعها بذويها ومحارمها، أو فى المشاهد التى تظهر فيها بمفردها، أو أثناء وجودها فى غرفة النوم، وهو الأمر الذى لا تفعله أى امرأة مسلمة على أرض الواقع. ومن أجل التحايل على هذا الوضع غير المنطقى، سعى عدد من السينمائيين الإيرانيين إلى استخدام المكياج لحل هذه المشكلة، فأظهروا الممثلات بالشعر المستعار، ولكن ه‍ذه الحيلة لم تؤت ثمارها، ولم ترض عنها وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامى.

وقد ظل الحال على هذا النحو إلى أن تراجعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية تدريجياً فى السنوات التالية للثورة عن موقفها المتشدد اتجاه ظهور النساء فى السينما، وخاصة بعد عام 1994م، ولكن ظلت مشكلة الحجاب إحدى العقبات الحقيقية فى تجسيد العلاقات الخاصة بين الرجل والمرأة على شاشة السينما.

 

الابتعاد عن القوالب التقليدية

مرت أوضاع المرأة الإيرانية بعد الثورة بمراحل عصيبة ومعقدة، وتأزمت مع وجود تناقضات داخل النظام الإسلامى. لقد جذبت الثورة الإيرانية الأغلبية العظمى من النساء فى المجتمع، فأكثر النساء التى قد شاركن فى التجمعات الاحتجاجية، كانت بعيدة كل البعد عن نموذج المرأة التقليدية، لأنهن قد شاركن فى الحراك الثورى، وتعرفن إلى حد ما على المؤسسات الذكورية وأهمية النضال معها. ولم يستطع النظام الحاكم فى الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن يعيد هذه الأغلبية العظمى من النساء إلى البيوت، فقد ظلت النساء الإيرانيات فى المجتمع، وتسللن إلى أقصى زوايا المجالات العامة، حيث اتخذت الحياة العملية من حضورهن، وخاصة فى المجالات العلمية والثقافية، طابعاً آخر، فإذا أمعنا النظر فى السينما الإيرانية، سنجد أن النشاط السينمائى للمرأة الإيرانية من الممكن قياسه بسينما المرأة على مستوى العالم، ليس بسينما المرأة على المستوى الإقليمى فحسب.

كانت السينما الإيرانية خلال الـ 30 عاماً التى أعقبت الثورة، إحدى المجالات الهامة لنضال النساء على المستوى الاجتماعى، حيث عكست مجموعة من الأوضاع المتقلبة والمضطربة لهن. وبعبارة أخرى من الممكن تتبع تطور السينما الإيرانية من خلال مسيرة تطور تجسيد المرأة فيها فى إطار اللوائح الصارمة، فبينما كان بعض المخرجين الإيرانيين المحافظين محاصرين فى القوالب السينمائية التقليدية، تحدى أغلب السينمائيين الجدد القوالب القديمة، وخاصة تابوه "المرأة المثالية"، وقاموا بتحطيمه، وكان من أشهرهم: رخشان بنی‌اعتماد، وبوران درخشنده، وکيانوش عياری، وإبراهيم مختاری، وتهمينة ميلانی، وأحمد‌ رضا درويش وغيرهم.

وقد حاول العديد من المخرجين الإيرانيين بالاعتماد على المطالعات والتجارب الحديثة أن يرسموا ملامح المرأة فى السينما بشكل أكثر اتساعاً من الحدود التقليدية، حيث نرى "الأم" فى أفلام بهرام بيضايى أو على جكان لا تتشابه مطلقاً مع القوالب التقليدية المألوفة للمرأة فى السينما الإيرانية. كما أظهرت المخرجة الإيرانية الكبيرة رخشان بنى اعتماد النساء فى سياق علاقات معقدة وغير متوازنة، حيث تكشف فى كل فيلم لها بطلان العادات والتقاليد القديمة، وعبث القيم والأعراف الشائعة فى المجتمع الإيرانى، حيث تلقى بنى اعتماد فى فيلمى "نرگس: نرجس" عام 1991م، و"روسری آبی: الوشاح الأزرق" عام 1995م الضوء على قضية تفاوت السن بين الزوجين من وجه نظر غير تقليدية. وفى فيلمها التالى "بانوی اُرديبهشت: سيدة أرديبهشت" عام 1997م نشاهد امرأة تضطر إلى كبح جماح احتياجاتها ورغباتها العاطفية بسبب العادات والتقاليد، حتى لا تخدش الصورة المألوفة للأم فى المجتمع التقليدى الإيرانى.

كما استعرض المخرج الإيرانى العالمى جعفر بناهى فى السنوات الأخيرة، الحائز على جائزة "الأسد الذهبى" من مهرجان فينيسيا السينمائى الدولى عن فيلم "دايره: الدائرة" عام 2000، وجائزة "الدب الذهبى" من مهرجان برلين السينمائى الدولى عن فيلم "تاكسى" عام 2015، استعرض بناهى فى فيلمى "دايره: الدائرة" عام 2000،  و"آفسايد: حالة تسلل" عام 2006، وكذلك استعرضت المخرجة مُنيجة حكمت فى فيلم "زندان زنان: سجن النساء" عام ۲۰۰۰ ، صورة جديدة وناقدة لحياة المرأة فى المجتمع الإيرانى، لم يسبق طرحها فى تاريخ السينما الإيرانية. ففى فيلم "الدائرة" نشاهد نظرة المجتمع المنغلق للمرأة الإيرانية وسوء معاملته لها. ويقدم لنا فيلم "حالة تسلل" محاولة مجموعة من الفتيات الإيرانيات التسلل إلى ملاعب كرة القدم، لرغبتهن فى مشاهدة بطولة كأس العالم، ولكن بحكم القانون الإيرانى لا يسمح لهن بالدخول، ويتم القبض عليهن. وفی فيلم "سجن النساء" نطالع نماذج متعددة للنساء الإيرانيات وحكاياتهن فى السجن.


العودة إلى المربع صفر!!..

مع وصول الرئيس المحافظ محمود أحمدى نجاد إلى سدة الحكم فى إيران عام 2005، تغلغل التيار الأصولى فى جميع مفاصل الدولة، وخاصة المجالات التى تحمل جانباً ترفيهياً كالثقافة والفنون. ففى عهده اتهمت الحكومة الإيرانية التى كانت تنادى بعودة قيم "عصر الثورة"، اتهمت السينما بأنها السبب فى انحراف المجتمع الإيرانى عن القيم الدينية، وطلب التيار الأصولى بانتهاج سياسة متشددة للإشراف على السينما الإيرانية.

وفى غمرة ضغوط التيار الأصولى على السلطة فى إيران أصدر قطاع السينما بوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامى لائحة خاصة بتجسيد المرأة الإيرانية فى السينما، حيث اعتبرت الوزارة الهدف من هذه اللائحة تعزيز الوعى المجتمعى اتجاه مسألة مكانة المرأة وشخصيتها وحقوقها ودورها فى مجالات الحياة المختلفة، وكذلك حضورها "اللائق" فى السينما، على أن يكون كل ذلك من خلال المنظور الإسلامى.

وقد تم اعتماد عدة نقاط فى هذه اللائحة، كان أبرزها: مراعاة ارتداء "الحجاب" واستخدامه بشكل صحيح وأصولى، باعتباره رمزاً للثقافة الدينية والضامن للحصانة الاخلاقية والنفسية للمجتمع، وكذلك حظر الجنس والعنف، وعدم اعتبارهما مبدأ خاص بالسينما، بالإضافة إلى الكف عن التشكيك فى أحكام الشريعة بحجة الدفاع عن حقوق المرأة.

وقد هدف القائمون على وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامى من إصدار هذه اللائحة عودة السينما الإيرانية إلى المربع صفر، بعد سنوات طويلة من المقاومة والنضال عقب الثورة، من أجل الحصول على قدر ما من الحرية، وتحطيم القوالب النمطية للمرأة التى ظلت تطرح فى السينما الإيرانية على مدار سنوات عدة، وإن كانت السينما الإيرانية قد شهدت انفراجة محدودة مع وصول الرئيس الإصلاحى حسن روحانى إلى سدة الحكم فى البلاد عام 2013، إلا أنها مازالت تحاول استرداد ما فقدته من حرية فى عهد الرئيس المحافظ أحمدى نجاد حتى الآن.


 	محمد سيف الدين

محمد سيف الدين

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

فى ذكرى رحيله ماذا لو لم يحصل نجيب محفوظ على نوبل؟

في كل مناسبة تخص نجيب محفوظ أتساءل: ماذا لو لم يحصل هذا الأديب الاستثنائى على جائزة نوبل؟.. وهل كان الأدب...

يوسف إدريس يكتب قصة الشهيد عبدالقادر طه فى خمس ساعات

يوسف إدريس، الكاتب الكبير المناضل الذي عاش في لحظة تحوّل سياسى فى مصر، فأدرك أبعاد اللحظة واختار الموقف الصحيح،

..Dead of Winter يصنع الرعب من الصمت والثلج ويكشف معدن البشر

ليس مجرد فيلم مطاردات أو بقاء على قيد الحياة الفيلم لا يخلو من الثغرات الدرامية والمصادفات رغم حفاظه على توتره...

Zombie Land Saga .. مغامرة خيالية مليئة بالإثارة

فيلم يحافظ على روح الدعابة المميزة للأنمى