في يومها الدولي.. استخدام لغة الاشارة حق أصيل للملايين حول العالم

منذ آلاف السنين والإنسان يبحث عن طرق للتواصل .. والكلمات المنطوقة لم تكن يوما الوسيلة الوحيدة.. فبينما كان البعض يتحدث، كان آخرون يرسمون في الهواء بإشارات تعوض ما فقدته آذانهم، ومع مرور الوقت، تحولت تلك الإشارات إلى لغة حقيقية، لها قواعد ومفردات، تعبر عن الفرح والغضب والحب والاعتراض.

 
غة الإشارة فن للتعبير لا يعرف حدودا.. ولهذا تحتفل مصر والعالم باليوم العالمي للغة الإشارة في 23 من سبتمبر من كل عام؛ لرفع الوعي بدور لغة الإشارة كلغة رسمية لنحو 70 مليون شخص أصم، يعيش نحو 80% منهم في الدول النامية.
 
وتحت شعار "لا حقوق للإنسان بدون حق استخدام لغة الإشارة".. يحتفل العالم باليوم الدولي للغة الإشارة لهذا العام 2025.. لدعم وحماية الهوية اللغوية والتنوع الثقافي لجميع الصم ومستخدمي لغة الإشارة الآخرين. 
 
300 لغة إشارة
 
ويوجد أكثر من 300 لغة إشارة مستخدمة عالميا، وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 1.5 مليار شخص حول العالم يعانون من درجة من درجات فقدان السمع، أما في العالم العربي، فتقدر أعداد الصم وضعاف السمع بأكثر من 10 ملايين شخص، يعيشون تحديات يومية في التواصل والتعليم والحياة الاجتماعية.
 
وفي مصر، تمثل الإعاقة السمعية نسبة تُقارب 4.5% من إجمالي الأشخاص ذوي الإعاقة، وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
 
تعريف لغات الإشارة
لغات الإشارة هي لغات مكتملة الأركان تشتمل على قواعدها الخاصة، يستخدمها الصم والبكم في التواصل والتعبير وتسمح لمستخدميها التواصل مع الآخرين والتعبير عن نفسهم.
 
وهناك اكثر من 300 لغة إشارة حول العالم، وتوجد كذلك لغة إشارة دولية يستخدمها الصم في اللقاءات الدولية وخلال ترحالهم وممارسة نشاطاتهم الاجتماعية.. وتعتبر تلك اللغة شكلا مبسطا من لغة الإشارة وذات معجم لغوي محدود، ولا تتصف بالتعقيد مثل لغات الإشارة الطبيعية.
 
 وتعترف اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بتلك اللغات وتشجع على استخدامها، إضافة لتساويها في الوضع مع اللغات المنطوقة وتلزم الدول الأطراف بتسهيل تعلمها.
 
وهي تغطي العديد من الموضوعات مثل الضمائر والمواقيت والعلاقات الأسرية والمشاعر والعمليات الذهنية والمهن والاتجاهات والأماكن والأفعال والجوانب التربوية والحركات الجسمانية والبلدان والأعداد والحيوانات والأثاث وغيرها.
 
وهنالك العديد من تعريفات لغات الإشارة؛ وقد خلص الباحثون إلى تعريف جامع ومختصر للغات الإشارة باعتبارها "نظام بصري حسي يدوي يربط بين الإشارة والمعنى".
أكثر من مجرد يوم عالمي
 
اليوم الدولي للغة الإشارة ليس مناسبة احتفالية فقط، بل تذكير سنوي بأن العالم لا يكتمل إلا حين يجد الجميع مكانا للتعبير، إنها دعوة للمجتمعات لتعلم أبجديات هذه اللغة، حتى ولو إشارات بسيطة، كعلامة على الاحترام والرغبة في مد جسور إنسانية حقيقية.
 
فاليوم الدولي للغة الإشارة ليس مجرد مناسبة سنوية، بل دعوة لإعادة النظر في مفهوم التواصل ذاته، تعلم إشارات بسيطة يمكن أن يفتح أبوابًا للحوار ويكسر الحواجز مع شريحة كبيرة من المجتمع، إنه تذكير بأن الصمت الذي يعيشه الصم ليس عجزًا منهم، بل عجز المجتمعات عن الاستماع إليهم.
 
 
بدابة فكرة الاحتفال باليوم العالمي
 
- اتحاد عالمي وكفاح طويل
 
في عام 1951 تأسس الاتحاد العالمي للصم في روما، وهو اتحاد لـ135 جمعية وطنية للصم (تمثل في مجموعها 70 مليون أصم في العالم)، ليكون أول منصة تجمع المجتمعات الصماء من مختلف الدول، لم يكن الأمر مجرد اجتماع شكلي، بل بداية حركة عالمية هدفت إلى الاعتراف بلغة الإشارة كلغة كاملة وليست مجرد "إيماءات".
 
وأُحتفل بأول أسبوع دولي للصم في سبتمبر 1958، وتطور منذ ذاك إلى حركة عالمية يُراد منها الوحدة بين فئة الصم والتوعية المركزة على إذكاء الوعي بقضاياهم والتحديات اليومية التي يواجهونه، ثم أصبحت الجهود تأخذ طابعا اكثر تنظيما.
 
وقدم الاتحاد العالمي للصم، اقتراح الاحتفال باليوم الدولي للغة الإشارة. 
 
- الاعتراف الأممي
 
بعد عقود من الجهود، جاء القرار التاريخي في 2017 حين اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 161/72 بالشراكة مع 97 دولة عضو، باعتبار يوم 23 سبتمبر يومًا دوليًا للغة الإشارة.
 
اختيار التاريخ لم يكن صدفة، فهو يتزامن مع ذكرى تأسيس الاتحاد العالمي للصم، كإشارة رمزية للانطلاقة الأولى.
 
وتم الاحتفال لأول مرة باليوم الدولي للغات الإشارة في 2018 في إطار فعاليات الأسبوع الدولي للصم .
 
جهود مصرية لدعم الصم
 
في مصر، تقوم بعض الجامعات ووسائل الإعلام بتخصيص مترجمين للغة الإشارة في نشرات الأخبار والبرامج، في خطوة فتحت نافذة مهمة لآلاف الصم.
 
وأكدت وزارة التضامن الاجتماعي التزامها الراسخ بدعم وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، وحرصها على دمجهم الكامل في المجتمع، ليس فقط كأفراد بحاجة إلى الدعم، بل كشركاء فاعلين وأصحاب قدرات ملهمة.   
 
وسعت الوزارة إلى تعزيز الوعي المجتمعي لدمج الأشخاص ذوي الإعاقة وخلق مجتمع واعي إيجابي عام ومجتمعي بقضايا ذوي الإعاقة عامة والأشخاص ذوي الإعاقة السمعية خاصة ، وتحسن اتجاهات قبول دمجهم بالمجتمع ، والاستثمار في البشر وتغير السلوكيات المجتمعية السلبية تجاههم.
 
ومن أبرز الجهود:
 
- تنمية المهارات اللغوية وتقديم خدمات التدريب للصم وضعاف السمع من خلال 73 مركزا لغويا على مستوى الجمهورية.
 
وبلغ عدد المستفيدين (8367) حيث يتم إتاحة خدمات الكشف المبكر وقياس السمع، واستخدام طريقة اللفظ المنغم، وتوفير السماعات الطبية، الأمر الذي يتيح لهم فرص تنمية اللغة واكتسابها حتى لا يواجهون صعوبات كبيرة نفسية واجتماعية ومعرفية ولتعزيز تواصلهم مع المجتمع الخارجي.
 
كما يتم من خلال مؤسسات الصم وضعاف السمع وعددهم (6) مؤسسات التدريب على تنمية المهارات السمعية والتعبيرية.
 
- دمج 587 طالبا وطالبة من الصم وضعاف السمع بكليات التربية النوعية في 13 جامعة مصرية.
 
من خلال دعم أجور عدد (83) مترجم لغة الإشارة، بتكلفة مالية وقدرها 2.972.000 جنيه سنوياً.
 
- دعم الصم وضعاف السمع من خلال إنشاء 199 مدرسة تضم 15 ألف طالب وطالبة من هذه الفئة.
 
- تشكيل لجنة متخصصة لتطوير القاموس الإشاري الموحد بهدف توحيد لغة الأشارة واستخدامه على مستوى الجمهورية .
 
- منح الأشخاص ذوي الإعاقة بطاقات إثبات إعاقة وخدمات متكاملة لتمكينهم من الاستفادة من الخدمات والتيسيرات التي أقرها قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018 ولائحته التنفيذية من خلال مكاتب التأهيل الاجتماعي الموزعة على كافة أنحاء الجمهورية، وتوجيه ذوي الإعاقة وأسرهم نحو الحصول على الدعم النقدي "كرامة" والمساعدات الشهرية طبقاً لشروط الاستحقاق.
 
- منح الشباب ذوي الإعاقة مشاريع التمكين الاقتصادي، وكذا توجيههم نحو الاستفادة من المشروعات الصغيرة، ومشروعات الأسر المنتجة، ومشروعات المرأة التي تقدمها وزارة التضامن الاجتماعي، وإتاحة قروض ميسرة أو مشروعات متناهية الصغر للأشخاص ذوي الإعاقة، والمشاركة في إعداد المعارض; وذلك لإبراز المصنوعات، والمشغولات; التي يقوم بإنتاجها الأشخاص ذوي الإعاقة; الذي يؤدى إلى تشجيعهم على الاستمرار في العمل والإنتاج مثل: (معرض ديارنا، ... وغيرها) من المعارض.
 
- إطلاق المنصة الإلكترونية للتوظيف " تأهيل" بالتنسيق مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ووزارة العمل، بهدف تقديم سبل الدعم المختلفة للأشخاص ذوي الإعاقة في توفير فرص عمل.
 
- تنفيذ برامج تدريبية مكثفة لتعليم مبادئ لغة الأشارة للعاملين بديوان عام الوزارة والمتعاملين مباشرة مع الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية من الصم، بواقع عدد (6) برامج استهدفت (145) موظف وجارى العمل على أعداد برامج مثيلة للعاملين بمديريات التضامن الاجتماعي على مستوي 27 محافظة.
 
- تشكيل لجنة متخصصة لتطوير القاموس الإشاري الموحد، بهدف توحيد لغة الأشارة واستخدامه على مستوى الجمهورية، واعتماد وترخيص مترجم لغة الإشارة، وتم وضع خارطة طريق لإصدار قاموس إشاري موحد لجمهورية مصر العربية يُستخدم كمرجعيّة على مستوى مصر وتم الانتهاء على ضرورة إنشاء منصة إلكترونية للغة الإشارة الرسمية في مصر.
 
- الكشف المبكر عن الإعاقة بحضانات الطفولة المبكرة في الحضانات التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي للفئة العمرية تحت سن 4 سنوات، وذلك من خلال تنظيم القوافل الطبية، كما تقوم الوزارة بتوفير سماعات طبية للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية بالشراكة مع الجمعيات والمؤسسات الأهلية.
 
- تقديم خدمات التوجيه والإرشاد لأسر الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية لتعزيز قدراتهم على التعامل مع أبنائهم ومساعدتهم على تنمية مهاراتهم وتعزيز قدرتهم على العيش باستقلالية.
 
- أطلقت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تطبيق " واصل " الرقمي يُمكن الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية وصعوبات التواصل من الوصول للخدمات سواء الحكومية أو الخاصة.
 
أهمية الاحتفال باليوم العالمي
 
- رفع الوعي بدور لغة الإشارة كلغة رسمية لعدد كبير من الناس، وبأنها عنصر أساسي في الهوية الثقافية لمجتمعات الصم.
 
- المطالبة بحقوق متساوية: أن يكون للصم الحقّ الكامل في التعلم بلغة الإشارة، في التعليم، والعمل، والخدمات الحكومية وغيرها. 
 
- الحفاظ على التنوع اللغوي والثقافي: لأنّ كل لغة إشارة لها سماتها الفريدة والتقاليد الثقافية المرتبطة بها. 
 
- تشجيع الإدماج في المجتمع، بحيث لا يكون الصمت بمعزل أو عائق، بل اللغة تكون بيننا كلنا سواء الصم أو السامعين.
 
لغة بلا صوت.. لكنها حياة كاملة
 
قد يظن البعض أن لغة الإشارة مجرد بديل محدود للكلام، لكن الواقع مختلف. هي لغة بصرية لها قواعد نحوية خاصة، وتختلف من بلد لآخر مثل اختلاف العربية عن الإنجليزية.
 
احتفالات حول العالم
 
في هذا اليوم، تتحول الشوارع والمدارس والمؤسسات الثقافية إلى منصات للتعريف بلغة الإشارة.. وتُنظم ورش عمل، ويصعد الصم على المسارح يروون قصصهم بلغة اليدين، بينما يقوم المترجمون بجعلها مفهومة للجميع. وفي بعض الدول، تُضاء المباني الشهيرة باللون الأزرق – لون الأمل والدعم لمجتمع الصم.
 
تحديات تبحث عن حل
 
في كثير من الدول، الصم يعانون من نقص في التعليم بلغتهم الأم، أو عدم توفر مترجمين للإشارة في الأماكن الرسمية (زي المدارس، المستشفيات، البنوك). التحديات تشمل أيضًا الحواجز الاجتماعية مثل النظرة السلبية، التمييز، قلة الفرص في العمل، وأحيانًا غياب السياسات التي تعترف بلغة الإشارة رسميًا. 
 
التحديات التي لم تحسم بعد رغم التقدم، لا تزال العقبات كبيرة، ملايين الصم حول العالم لا يحصلون على تعليم كافٍ بلغتهم الأم، ولديهم فرص أقل في سوق العمل. كما أن غياب التشريعات في بعض الدول يجعل الاعتراف بلغة الإشارة محدودًا، وكأنها لغة "هامشية". لكن الواقع أن التواصل حق أصيل من حقوق الإنسان، ولا يجب أن يحرم أحد منه بسبب عائق جسدي.
 
 
تاريخ لغات الإشارة
 
امتلك اليونانيون القدماء أول سجل مكتوب للغات الإشارة إبان القرن الخامس قبل الميلاد، كما تعذَّر على الإغريق القدماء التحدُّث بلغة منطوقة مما جعلهم يبتكرون لغات إشارة بدائية لتساعدهم على مزاولة أنشطتهم اليومية.
 
ثم استحدث سكان أمريكا الأصليون نظامًا موحدًا للإيماءات باستخدام الأيدي بغرض التواصل والتفاوض مع القبائل الأخرى التي لا تتحدث لغتهم.
 
ثم استخدمت لغة الإشارة بشكلها الحالي للمرة الأولى بالقرن الثامن عشر، وكان البادئ باستخدامها هو الطبيب الأمريكي "دي ليبيه" واستخدمها للتخاطب مع الأطفال الذين يعانون من الصم، وشاع بعدها استخدامها بشكل كبير بأمريكا في عام 1975، وانتقلت من بعدها إلى أوروبا ومن ثم إلى العالم كله، وتفرَّعت عنها الفرنسية، والسويدية، والبريطانية.
 
 
وفي الختام لغة الإشارة ليست بديلًا عن الكلام، بل لغة قائمة بذاتها تحمل ثقافة وهوية وتاريخا من النضال، إنها لغة بلا صوت، لكنها قادرة على أن تصرخ في وجه التهميش، وتطالب بحقوق سبعين مليون إنسان ينتظرون أن يُنظر إليهم لا كأقلية صامتة، بل كجزء أصيل من النسيج الإنساني.
 
 
 

هالة حربي

هالة حربي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير منوعة

ختام مبادرة " طبلية مصر " بالمتحف القومي للحضارة المصرية

في احتفالية ثقافية وفنية كبرى، احتضنها المتحف القومي للحضارة المصرية، اختتمت مبادرة "طبلية مصر" مساء الخميس 5 فبراير 2026، موسمها...

المنتدى السعودي للإعلام 2026.. منصة مهنية كبرى ترسم مستقبل صناعة الإعلام

تحت شعار “الإعلام في عالم يتشكل”.. وبمشاركة أكثر من 300 قائد وخبير إعلامي من أكثر من 20 دولة بينهم مصر.....

"السياحة والآثار" في أسبوع.. تنشيط السياحة الوافدة وافتتاح متحف "توت عنخ آمون"

تنشيط الحركة السياحية الوافدة لمصر والترويج للمقصد المصري، وافتتاح متحف مستنسخات كنوز الملك توت عنخ آمون، كانت من أهم أنشطة...

"فقاعة الذكاء الاصطناعي".. السيناريوهات المحتملة للتوسع التكنولوجي

طفرة غير مسبوقة يشهدها العالم في تطوير وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، مما أدى إلى ارتفاع التوقعات بحدوث...