في الوقت الذي حبست فيه إسرائيل أنفاسها احتفاء باستعادة جثة آخر أسير لها في قطاع غزة، سخرت لهذه العملية جيشًا من الخبراء والعلماء لنبش الأرض بحثًا عن هوية يهودية غائبة، خرج الكاتب الإسرائيلي، جدعون ليفي، بمقال صادم يصفع فيه وجهَ الرواية الرسمية بحقيقة صادمة.
في هذا المقال، يذهب الكاتب الإسرائيلي "جدعون ليفي" إلى أبعد من نقد سياسات الحرب –كما اعتاد في كتابته منذ السابع من أكتوبر 2023-، ليضع المجتمع الإسرائيلي أمام مرآة أخلاقية قاسية، لا تتعلق بالأحياء فقط، بل بالموتى أيضًا.
جدعون ليفي إسرائيل وصف إسرائيل بأنها دولة "أبارتهايد" للموتى، منتقدا ما أسماه جنون (الهوس بالجثث) الذي صاحب عملية استعادة جثة الأسير ران جفيلي.
كما يفكك ليفي ما يصفه بازدواجية المعايير الأخلاقية، حيث تُمنح الكرامة والحق في الدفن اللائق لطرف واحد فقط، بينما يُجرد الطرف الآخر -الفلسطيني- حتى من حرمة الموت.
يعرض الكاتب الإسرائيلي -أحد القلائل المعدودين في إسرائيل الذين ينتقدون جرام الاحتلال- تفاصيل عملية نبش القبور التي تحولت إلى مأساة أخلاقية في مقبرة "البطش" بقطاع غزة؛ حيث سُحقت عظام المئات من الفلسطينيين تحت جنازير الجرافات في رحلة البحثِ عن جثة الشرطي الأخير في القطاع.
المقال لا يكتفي بسرد الوقائع والجرائم التي تراكبها إسرائيل، بل يحول مشهد نبش القبور وتدمير المقابر في غزة إلى سؤال وجودي عن معنى الإنسانية في زمن الحرب.
يقول جدعون ليفي في مقاله الذي اختار له عنوان: إسرائيل: دولة "أبارتهايد" حتى للموتى
لدينا أبطال لحظة جدد لم نشهدْ لهم مثيلًا من قبل: إنهم "نباشو القبور" وهم مئات من الجنود، والحاخامات، وخبراء التشريح، وأطباء الأسنان الذين جُنّدوا للعثور على جثة المخطوف "ران جفيلي". "لقد كان انفعالًا جنونيًا"، هكذا وصفت طبيبة الأسنان لحظةَ التعرف على هوية صاحب تلك الأسنان –القتيل ران جفيلي- ولكن، وبجانب الفرح المفهوم بالعثور على جثته، لا يمكن للمرء أن يتجاهل "الجنون النكروفيلي" (الهوس بالجثث) الذي اجتاح إسرائيل منذ أن تم الإعلان عن العثور على الجثة.
ربما يمكن تفهّم من يشعرون في إسرائيل بالطبع بـ"نشوة تصل للجنون" عند العثور على جثة، لكن لا يمكن التغاضي عن الثمن الباهظ وازدواجية المعايير الأخلاقية التي رافقت عملية نبش مئات القبور الفلسطينية، وتدنيسها بعنف، وتسويق العملية كـ"بطولة وطنية" تحت اسم عملية "قلب شجاع". وهم الاسم الذي أطلقته إسرائيل على استعادة تلك الجثة من مقبرة البطش شمال غزة.
وليس هذا فحسب: فإذا كانت إسرائيل تُعتبر حتى اليوم دولة "أبارتهايد" (فصل عنصري) لرعاياها الأحياء، فإنها في مقبرة "البطش" انكشفت بوصفها دولة أبارتهايد تجاه الموتى أيضًا، نظام فصل حتى بين -الجثث- أو رفات الموتى.
إن الدولة التي اختطفت وتحتجز بين يديها مئات الجثث -بعضها مدفون وبعضها مجمّد منذ شهور وسنوات- مستعدة لدفع أي ثمنٍ لاستعادة جثة واحدة. فمن أجل استعادة جثة الشرطي"ران جفيلي"، يُسمح لها بفعل كل شيء.
فقط الإسرائيليون اليهود - وفق هذا المنطق- لديهم "عائلات "تحلم بدفن أحبائها في "أرض إسرائيل".أما مئات العائلات الفلسطينية التي تحلم بدفن أحبائها في أرض فلسطين، فهي لا تُحسب شيئًا.حتى موتاهم بلا حقوق. ليس هذا فحسب بل ويواصل "سماسرة الجثث" احتجاز الجثامين -الفلسطينية- لأغراض المساومة، مساومة لن يكون لها نهاية.
لقد عاد جميع الموتى الإسرائيليين إلى داخل حدودهم، لكن إسرائيل تواصل اختطاف الجثامين والاحتفاظ بها ليوم الحاجة "ليومٍ أسود". ثلاجات حفظ الجثامين والمقابر الجماعية تضيق بالموتى. لكل أولئك المدفونين -الفلسطينيين- هناك آباءٌ وأبناء يتوقون لدفنهم بشكلٍ لائق. لكن إسرائيل في عالمها الخاص تفرض رواية مفادها: "نحن فقط مَن نملك المشاعر.. نحن فقط البشر".
قبل يومين، بينما كانت إسرائيل تحتفل بالعثور على جثة آخر أسير، حيث تحولت -بعد عملية النبش- مقبرة "البطش" إلى سهل من الرمل، خرج أربعة شبّان من سكان غزة إلى ما كان مقبرة، بحثًا عن جثامين أحبّائهم.
ولكل واحد منهم حزنه ووجعه الخاص: أحدهم يبحث عن قبر والده، الثاني عن قبر والدته، الثالث عن قبر شقيقه، والرابع عن قبر شقيقته.
لكن الجيش الإسرائيلي قتلهم الأربعة جميعًا: محمود لولو، عبد القادر أبو خضر، عبد الكريم ربان، والفتى يوسف الريفي. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يرد المتحدث باسم الجيش على الإسرائيلي سؤال صحيفة "هآرتس" حول سبب إطلاق النار عليهم وقتلهم. يبدو أن إزهاق أرواح الأبرياء يُعدّ ثمنًا مقبولًا مقابل العثور على جثة الأسير الإسرائيلي الأخير.
من المقبرة التي كانت تضم مئات المدفونين لم يبقَ شيء.
قال المتحدث باسم الجيش أمس لصحيفة "هآرتس":
"جميع الجثامين أُعيد دفنها في نفس المنطقة باستخدام أتربةٍ أحضرها الجيش. ولم تُترك جثامين في المكان".
عرضت قناة "الجزيرة" أمس مقطعي فيديو صورهما سكانٌ شجعان خرجوا إلى المقبرة الخاضعة لسيطرة الجيش للعثور على بقايا قبور عائلاتهم. "هنا جثة، وهنا جثة أخرى"، يقول الرجل الذي يوثق المشهد بصوت خافت، وهو يلهث، مضطربًا ويبكي. لقد تحولت المقبرة إلى "تيدي" (ساحة مسطحة)، على حد تعبير "دوبي كوردي" مدمّر مخيم جنين.
المشهد قاسٍ: الموثق يشير إلى أكياس بلاستيكية ممزقة تحتوي على ما يبدو على بقايا جثث وهي ملقاةٌ على الأرض. المساحة الهائلة مغطاةٌ بالكامل بالرمال، لم يتبق قبر واحد. إذا كانت إسرائيل في النكبة الأولى عام 1948 قد حرصت على الحفاظ على المقابر، ففي "نكبة غزة" لم يبقَ حجر فوق حجر في مقبرة "البطش". كيف سيجدون قبور أحبائهم؟ كيف سيتعرفون على جثثهم وسط الرمال؟
وفي مدينة "الطيرة"، يجلس أفراد عائلة وليد دقة –الأسير الفلسطيني الذي توفي في سجنه بعد 38 عامًا من الاعتقال- وينتظرون جثمانه. منذ عامين تقريبًا وهم ينتظرون؛ زوجته سناء، ابنته ميلاد، وشقيقه.. ينتظرون وينتظرون.. دون جدوى.
وفي الختامِ يجب القول إن ما كشفه جدعون ليفي ليس مجرد "عملية عسكرية" عابرة ضمن حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، بل هو تشريحٌ لـ "عقيدة" عنصرية تحتاج إلى دراسة معمقة وبحث وافٍ للوقوف على هذا الفكر المتطرف وما يحملها من عقيدة عنصرية حتى مع الأموات والجثامين.
إن ما كشفه هذا جدعون ليفي الكاتب المتمرد على مبادئ الصهيونية هو الوجه الحقيقي للاحتلال الذي حَوّل مقابرِ غزة إلى تلال من الرملِ المجهول في محاولة لقطعِ الروابط بين الفلسطيني وأرضه، حتى لو كانت هذه الروابط مجرد رفات وشاهد قبر.
وتكمن أهمية هذه الشهادة الاستثنائية للكاتب الإسرائيلي في كونها اختراقًا لـ "جدار الصمت" والإنكار داخل المجتمع الإسرائيلي. ففي الوقت الذي ينشغل فيه الإعلام العبري بالاحتفاء بـ "النصر" وعودة الجثث، يأتي ليفي ليضع مرآة كاشفة أمام المجتمع بأكمله، مُعريًا سياسة "الأبارتهايد" التي تمارسها إسرائيل ليس في حق الأحياء الفلسطينيين فحسب بل وبحق أمواتهم وقبورهم.
إن هذا المقال ليس مجرد رصد ميداني لنبش القبور في غزة، بل هو وثيقة إنسانية وقانونية تدين استهداف الكرامة البشرية حية وميتة، وتكشف كيف تتحول الجثث في عقيدة الاحتلال إلى "سلع للمقايضة" وأدوات للضغط السياسي، في انتهاك صارخ لكافة الأعراف والمواثيق الدولية.
ترجمة وإعداد الدكتور أيمن عبد الحفيظ- مقدم برامج بالبرنامج العبري – شبكة الإذاعات الموجهة من القاهرة
مقدم برامج
في زيارة هي الثالثة خلال العامين الأخيرين.. ومن أجل تطوير العلاقات الثنائية في مختلف المجالات ولا سيما في مجالي التجارة...
خلال ساعات.. تنتهي رسميا معاهدة ستارت الجديدة ،آخر معاهدة للحد من انتشار الأسلحة النووية في العالم بين الولايات المتحدة وروسيا.
في مؤشرات قياسية تعكس التطور المتسارع لمنظومة خدمة ضيوف الرحمن ضمن مستهدفات رؤية 2030.. استقبلت المملكة العربية السعودية 19.5 مليون...
في الوقت الذي حبست فيه إسرائيل أنفاسها احتفاء باستعادة جثة آخر أسير لها في قطاع غزة، سخرت لهذه العملية جيشًا...