بعد صعود اليسار.. فرنسا تواجه برلمانا معلقا ومفاوضات صعبة لتشكيل الحكومة

مفاوضات صعبة تنتظر فرنسا لتشكيل حكومة جديدة بعد الصعود المفاجئ لليسار في الانتخابات التشريعية، ما ينذر بفترة من التقلبات السياسية، ويثير حالة من الضبابية بين المستثمرين بشأن من سيدير ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو.

وبينما كانت تترقب فرنسا مدا يمينيا في الدورة الثانية من الانتخابات، شكل صعود اليسار بقيادة تحالف الجبهة الشعبية الجديدة، ليكون قوة مهيمنة في الجمعية الوطنية الفرنسية "البرلمان"، مفاجأة مدوية وإحباطا لمساعي زعيمة حزب التجمع الوطني مارين لوبان الحالمة بتولي اليمين للسلطة للمرة الأولى منذ عقود.

النتائج المفاجئة للجولة الثانية للانتخابات، وفشل أي من الأحزاب الرئيسية في تحقيق الأغلبية الضرورية في البرلمان، دفعت البلاد لمشهد سياسي دقيق يجعل فرنسا أمام سيناريوهات محدودة لتجنب تعليق البرلمان، أما بتشكيل حكومة إئتلافية بأغلبية مطلقة، أو تشكيل حكومة أقلية قادرة على النجاة من تصويت بحجب الثقة.

- فوز بلا أغلبية

تصدر تحالف الجبهة الشعبية الجديدة اليساري نتائج الانتخابات بحصوله على 182 مقعدا، لكنه لم يصل إلى 289 مقعدا اللازمة لضمان الأغلبية المطلقة في مجلس النواب، بينما جاء تحالف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الوسطي في المركز الثاني بـ168 مقعدا.

وجاء حزب التجمع الوطني اليميني في المركز الثالث حيث لم يتمكن سوى الحصول على 143 مقعدا، وتعد هذه النتيجة هزيمة للحزب الذي توقع الفوز لكنه تراجع جراء تنسيق بين الجبهة الشعبية الجديدة وكتلة "معا" للرئيس ماكرون لخلق تصويت مضاد له.

فشل أي من التحالفات الثلاث الرئيسية في البلاد في تحقيق الأغلبية الضرورية لتشكيل الحكومة، شكل معضلة سياسية للبلاد حيث بات البرلمان بلا أغلبية مطلقة، ما يعني أن أيا من الكتل الثلاث لن تستطيع تشكيل حكومة أغلبية وستحتاج إلى دعم من الآخرين لتمرير التشريعات، فضلا عن توقعات بتراجع الدور الفرنسي داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه.

- استقالة أتال

وفور ظهور نتائج الجولة الثانية، تقدم رئيس الوزراء الفرنسي جابرييل أتال، باستقالته إلا ان الرئيس إيمانويل ماكرون رفض هذه الاستقالة، مطالبا رئيس وزرائه بالبقاء مؤقتا كرئيس للحكومة بعد نتائج الانتخابات التي تركت الحكومة في مأزق.

وقال مكتب ماكرون في بيان "طلب الرئيس من جابرييل البقاء في منصبه في الوقت الراهن من أجل ضمان استقرار البلاد".

و في كلمة له بعد إعلان النتائج الأولية، أشاد أتال بحقبة جديدة للجمعية الوطنية بعد الجولة الثانية من الإنتخابات التشريعية التي شهدت قيادة التحالف اليساري للجبهة الشعبية الجديدة لكل من حزب ماكرون الحاكم، والتجمع الوطني اليميني.

وقال رئيس الوزراء الفرنسي "عصر جديد لبلادنا يبدأ الليلة ببرلمان أقوى من أي وقت"، وتابع "سنكون على قدر توقعات الفرنسيين وسنكون مخلصين لبلدنا و سنبدأ غدا حقبة سياسية جديدة".

وتعهد أتال بمواصلة مهامه طالما أن واجبه يتطلب ذلك مضيفا "جاهزون لإعادة بناء نظام سياسي جديد".

وأكد رئيس الوزراء الفرنسي أنه لا يمكن للأحزاب "المتطرفة" تشكيل أغلبية مطلقة بعد الانتخابات مشيرا إلى أن "نتائج الانتخابات تؤكد تجنبنا لخطر أغلبية مطلقة لأقصى اليسار أو اليمين".

وقبيل الانتخابات، عبر "أتال" عن قلقه من قرار ماكرون بالدعوة لإجراء انتخابات مفاجئة، متعهدا بالبقاء في منصبه إذا لزم الأمر بالرغم من نتائج الإنتخابات إلا أنه تراجع عن هذا القرار.

وعقب نتائج الاتحاد الأوروبي التي شهدت صعود اليمين، راهن ماكرون على أن قراره بالدعوة إلى انتخابات مبكرة في البلاد من شأنه أن يمنح فرنسا "لحظة من الوضوح"، لكن النتيجة أظهرت عكس ذلك، قبل أقل من 3 أسابيع من انطلاق دورة الألعاب الأولمبية في باريس، وهو ما قد يدفع أزمة البلاد إلى الساحة الدولية.

- مطالبات اليسار.. ورهان ماكرون

الوضع السياسي غير المسبوق الذي تواجهه فرنسا، ومع عدم حصول أي حزب أو تحالف على الأغلبية المطلقة، المتمثل في 289 مقعدا من أصل 577، تواجه البلاد الآن تحديا غير مسبوق في تشكيل حكومة قادرة على العمل بفعالية.

وتوضح صحيفة "فورين بوليسي" أن فرنسا تفتقر إلى تقليد قوي في تشكيل حكومات ائتلافية، مما يجعل المفاوضات بين الأحزاب المتنافسة أمرا صعبا ومعقدا، حيث سيتعين على الكتل الوسطية واليسارية العمل معا لتجنب الشلل البرلماني، ولتأمين الأغلبية اللازمة لتمرير القوانين.

وترى الصحيفة أن مثل هذا التعاون يبدو صعب المنال في ظل الخلافات العميقة بين هذه الكتل، خاصة مع رفض بعض حلفاء ماكرون العمل مع بعض الأحزاب في التحالف اليساري.

وباعتبار أنهم الفائزون في الانتخابات التشريعية المبكرة، قال زعماء تحالف "الجبهة الشعبية" إنهم سيسعون إلى تشكيل حكومة لتنفيذ أجندتهم التقدمية، والتي تتضمن رفع الرواتب وإعادة فرض الضريبة على الثروة.

ودعا جان لوك ميلانشون زعيم تحالف الجبهة الشعبية الرئيس ماكرون إلى تعيين رئيس وزراء جديد، معتبرا أن على الرئيس "واجب" اختيار قائد من هذا التحالف الذي حصد أكبر عدد من المقاعد.

ورغم أنه لا يوجد جدول زمني محدد يلزم الرئيس ماكرون بتعيين حكومة جديدة، إلا أنه لا يستطيع أن يتجاهل تماما المشهد السياسي الجديد الذي أفرزته الانتخابات، ويراهن ماكرون على تقسيم تيار اليسار بقيادة تحالف الجبهة الشعبية الجديدة الذي يطالب بتولي السلطة.

- سيناريوهات محتملة

المشهد السياسي المتأزم في البلاد يجعل فرنسا أمام عدد من السيناريوهات المحتملة، التي ستكون بمثابة طوق النجاة الوحيد للبلاد من خطر الشلل السياسي، وهو ما يلقي الضوء على حجم التحديات التي يواجهها الرئيس ماكرون، لإيجاد توازن بين الحفاظ على سلطته، وتشكيل حكومة قادرة على العمل في ظل البرلمان المنقسم.

وفي هذا الإطار، تطرح صحيفة "فورين بوليسي" عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل فرنسا السياسي.

السيناريو الأول يتمثل في تشكيل حكومة ائتلافية "هشة"، حيث قد يضطر ماكرون للتفاوض مع اليسار أو اليمين المعتدل لتشكيل تحالف حاكم، إلا أن هذا الخيار يحمل في طياته مخاطر عدم الاستقرار وصعوبة اتخاذ القرارات.

أما السيناريو الثاني فيتمثل في تشكيل حكومة أقلية، حيث قد يختار ماكرون هذا المسار معتمدا على التفاوض المستمر مع الأحزاب الأخرى، لتمرير كل قانون على حدة، وهو ما قد يؤدي إلى بطء في عملية صنع القرار وإمكانية الوصول إلى طريق مسدود في قضايا مهمة.

وفي حالة استمرار الجمود السياسي، يبرز السيناريو الثالث المتمثل في الدعوة لانتخابات برلمانية جديدة، وهو خيار يحمل مخاطر زيادة حالة عدم الإستقرار السياسي، وقد يؤدي إلى تآكل ثقة الناخبين في النظام السياسي، كما أن الدستور الفرنسي لا يسمح بإجراء انتخابات جديدة قبل صيف 2025 على أقرب تقدير.

كما يطرح مراقبون خيارا أخيرا احتياطيا، يتمثل في تشكيل حكومة تكنوقراط بقيادة رئيس وزراء غير حزبي، حتى يمكن الدعوة إلى انتخابات أخرى العام المقبل.

وستحدد المفاوضات بين رؤساء الأحزاب الآن مسار الحل السياسي المرتقب، حيث بدأ الساسة الفرنسيون من كل كتلة في وضع مطالبهم، وسط توقعات ببقاء حزب التجمع الوطني اليميني معزولا في الجمعية الوطنية، وهو ما سيمثل تهديدا لأي حكومة إذا تم إخضاعها لتصويت حجب الثقة.

غادة جلال الدين

غادة جلال الدين

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

فرنسا ترحب بأي مبادرة تهدف إلى تعزيز حرية الملاحة في البحر الأحمر

المزيد من تقارير عرب وعالم

"الحج السعودية": الارتقاء بتجربة ضيوف الرحمن وتضاعف أعداد المعتمرين

استعرضت وزارة الحج والعمرة حصيلة أبرز جهودها خلال عام 2025م، مؤكدةً أن ذلك جاء نتيجة عمل مؤسسي متكامل ركّز على...

مصر وتركيا.. ركيزة الأمن بالشرق الأوسط وشراكة استراتيجية واقتصادية شاملة

في زيارة هي الثالثة خلال العامين الأخيرين.. ومن أجل تطوير العلاقات الثنائية في مختلف المجالات ولا سيما في مجالي التجارة...

"ستارت الجديدة" إلى الهاوية.. والأمن النووي العالمي في مهب الريح

خلال ساعات.. تنتهي رسميا معاهدة ستارت الجديدة ،آخر معاهدة للحد من انتشار الأسلحة النووية في العالم بين الولايات المتحدة وروسيا.

نقلة نوعية في خدمة ضيوف الرحمن.. استقبال 19.5 مليون حاج ومعتمر خلال 2025

في مؤشرات قياسية تعكس التطور المتسارع لمنظومة خدمة ضيوف الرحمن ضمن مستهدفات رؤية 2030.. استقبلت المملكة العربية السعودية 19.5 مليون...


مقالات

لا للفقر في ظل القرآن
  • السبت، 21 فبراير 2026 03:31 م
التغذية الصحية في رمضان
  • السبت، 21 فبراير 2026 01:00 م
سجن خزانة شمائل
  • السبت، 21 فبراير 2026 09:00 ص
من النبأ إلى الخبر في الخطاب القرآني !
  • الجمعة، 20 فبراير 2026 12:00 م
سبيل وكتاب عبد الرحمن كتخدا
  • الجمعة، 20 فبراير 2026 09:00 ص