مصطفى محمود فى حوار عمره 49عامًا:لدى قدم على الأرض والأخرى وضعتها فى السماء

دراستى للطب عرفتنى إبداع الخالق وعلمتنى التفكير / كنت أشك.. ولم ألحد يوما بالمعنى الحقيقى للإلحاد / الدكتور بالنسبة له لقب بلا معنى.. أنا «أبو درش»

"مصطفى محمود" كاتب وأديب وطبيب ولد فى 27 ديسمبر 1921 بشبين الكوم لأسرة متوسطة الحال، فوالده كان موظفا بسيطاً، لكن الطفل "محمود" أصبح مولعاً بالعلوم منذ الطفولة، وامتلك معمله الخاص بالمنزل منذ نعومة أظافره، حيث استهواه علم التشريح بشدة، الأمر الذى جعله يصنع مبيدات للحشرات ويقوم بتشريحها.

أكمل "محمود" دراسته الثانوية والتحق بكلية طب القصر العينى، وتخصص فى جراحة المخ والأعصاب وتخرج فيها عام 1953، لكن العمل ككاتب أيضاً استهواه بشدة، وبدأ يكتب القصص القصيرة بمجلة روز اليوسف.

فى عام 1960 أصدر الرئيس جمال عبدالناصر قرارا بمنع الجمع بين وظيفتين، وكان "مصطفى محمود" يجمع بين عضوية نقابة الأطباء ونقابة الصحفيين، لــذلك قرر أن يستغنـى عــن عضوية نقابة الأطباء وحرم نفسه من ممارسة مهنة الطب التى يحبها، لكنه دخل عالم الأدب والكتابة وقدم للوسط الثقافى أكثر من 89 كتابا، أشهرها "حوار مع صديقى الملحد، زيارة للجنة، النار، لغز  الحياة، إبليس، الأحلام ، فى حب الحياة، رائحة الدم" ، فى عام 1971  قدم مصطفى محمود برنامجه التليفزيونى الذى لاقى نجاحاً منقطع النظر "العلم والإيمان"، وهو البرنامج الذى استمر طوال 28 عاما، وقدم "خلاله أكثر من 400 حلقة.

كتب "مصطفى محمود" فى الفلسفة والعلوم والسياسة، وكتب للمسرح 7 مسرحيات، منها "الإنسان والظل، الزلزال، شلة الأنس، الزعيم، أنشودة الدم، اسكندر الأكبر، والشيطان فى بيتنا".

تزوج "مصطفى محمود" مرتين، الأولى عام 1961 من السيدة "سامية" وكانت ملكة جمال مصر فى تلك الفترة، وأنجب منها "أمل" و"أدهم"، لكنهما انفصلا عام 1973، ثم تزوج للمرة الثانية من السيدة "زينب حمدي" عام 1983 وانفصل عنها عام 1987 بدون أن ينجب منها أطفالا.

رحل  "مصطفى محمود" عن عالمنا فى 31 أكتوبر 2009 عن عمر ناهز 88  عاما، وفى مناسبة ذكرى رحيله الرابعة عشرة التى حلت نهاية الشهر الماضى تنشر له "الإذاعة والتليفزيون" حديثاً أجراه معه الكاتب الصحفى حازم هاشم منذ 49 عاما، حيث نشر بالعدد رقم 2062 الصادر بتاريخ 21 ديسمبر 1974..

فإلى نص الحوار

كم هو مُحيَّر هذا الفنان المفكر؟ المفاجأة هى الطابع العام لكل حياته، وسلسلة المفاجآت فى حياته طويلة تؤكد أصالة القلق لديه.. ذلك القلق الذى قدم العالم كل الفكر الإنسانی ومصطفی محمود واحد من الشخصيات القلقة فى زماننا.

لم تكن المفاجأة الأولى فى حياته أنه درس الطب وتركه مبكرا غير آسف لقد عرف الجسم الإنسانى المعقد من خلاله، وحین راعته روعة الخالق وإعجاز الخالق. دفع الناس بأول كتبه فى الفكر الفلسفى "الله والإنسان"  ليثير الكتاب ضجة ما بعدها ضجة.. تسلم الكتاب إلى المصادرة. وترتفع الأصوات مطالبة.. حاكموا هذا الملحد.

كان الكتاب مفاجأة كبرى، وتهمة الإلحاد تهمة بشعة مفزعة، لكن مصطفى محمود صمد ولم يتوقف التفكير العلمى الحر، وبعد سنوات طويلة من الكتاب الذى أثار الضجيج والاتهام يفاجئ مصطفى محمود الجميع.

يثبت أن الدين فكر ورؤية، وأن الله قد أمرنا أن نتلقاه بالعقل والمنطق وما أبعد الذين يؤكدون فى هذا عن الدين. فإيمان مصطفی محمود أصبح إيمانا صوفيا ذاب العاشق فى معشوقه الأكبر - من اتهموه بالإلحاد قديما أصبح واحدا من الصوفية. ألم أقل كم هو محير هذا الفنان المفكر؟

هدوءه قاتل. صامت على غير العادة. كم تغير مصطفی محمود؟ ينتظر دائما أن يسمع.

يبتسم ابتسامة تصویر. ويرجو زميلى المصور أن يلتقط له صورة بين نخلتين أمام شرفة بيته المطل على النيل.

 ويعتذر زمیلی بعدم إمكانية ذلك وألمح كرسيا فى الشرفة واضح من وضعه: أن مصطفى محمود يطيل النظر فى السماء من خلال النخلتين.

 سألته بشكل مفاجئ تفسيرا لاتجاهه الدينى الأخير فى كل كتاباته، فمنذ خمس سنوات على وجه التحديد أصدر تفسيره العصرى للقرآن وبعد هذا التفسير أصبحت كل كتاباته فى هذا الاتجاه.حتى أصبح متصوفا كما يقول كل الذين يعرفونه عن قرب.

ربما كان هذا الاتجاه مفاجأة البعض خاصة أن أعمالى الفنية الأولى (عنبر رقم ۷) و(الأفيون) و(أكل عيش) كانت كلها ذات طابع اجتماعی صرف..وما حدث ليس إلا تطورا طبيعيا فى الفكر.. حلقت کتاباتى بعيدا عن الواقع الاجتماعى لتنطلق فى المجهول.. من الأرض إلى السماء.. والحقيقة أننى كنت أشعر دائما أن لى قدما فى الأرض والقدم  الأخرى بعيدة عنها فى السماء.. الواقعيون يعتبرونى قد انفصلت.. نعم حدث مع هذا الانفصال.. لكن الإنسان دائما مع حبيبه.. "الواقع والمعانى القربية" كانت حبيبى الأول.. تركته إلى  الحبيب الأكبر خالق هذا كله.. طوال عمرى.

 قلت إن هذا مفهوم لكن التحول خطير وأنت بدأت بالقصة القصيرة ولك جهد صحفى عرفك الناس به. والمسرح والسينما عرفا الطريق لإنتاجك ثم اتهمت بالإلحاد  يوما..فكيف تتحول إلى متصوف تكاد تعتزل الناس؟

أجاب والجدية واضحة على وجهه

اسمع.. كل ما قلته صحيح.. لكن لى دفاعا عن كتابى الذى اتهمت بسببه بالإلحاد.. وأعنى "الله والإنسان".. لقد قدمت كتابى هذا منطلقا من شىء أساسى وجوهرى.

الله واحد ولم يهتز إيمانى بهذه الحقيقة.. لكننى ناقشت فى  الكتاب كل ظوهر الكون بمنطق فكرى علمى.. والقليلون فهموا موقفى على وجهه الصحيح من خلال هذا الكتاب.. أتذكر لشاعرنا الراحل كامل الشناوى جملة قالها لى أيام أن صدر هذا الكتاب وشاعت تهمة الإلحاد قالى لى: بيقولوا عليك ملحد.. دنا لقيتك بتلحد على سجادة.. الصحيح أنه كانت لى شكوك إنسانية.. وكنت مع الله وأنا فى حالة شكى هذه.. يبقى الاتجاه الصوفى.. لست أرى فيه أى غرابة.. لأن له مقدمات فى إنتاجى. و النبرة الصوفية واضحة فى "المستحيل" و"العنكبوت" و"الخروج من التابوت".. هذه وقفات طويلة مع التصوف الهندى والتناسخ واليوجا.. حتى كتابى الأخير "رأيت الله" الذى أعتبره محطة كبيرة فى التصوف الإسلامى.. وأستطيع أن أؤكد لك أننى أحس من زمان أننى درويش سأعلن عن وجودى فى يوم من الأيام.

 قلت له: إن الواقع ما زال يحتاج من الكثير.. وأن قضايا المجتمع هدف أكثر إلحاحا من قضايا ما وراء الواقع والطبيعة.

رد مقاطعا: لست فى حالة طلاق مع الواقع..أنا ما زلت فارسا فيه.. وحين أجد ما يستفزنى فى هذا الواقع لا أتردد فى أن أثبت وجودى.

 قاطعته بدورى فى دهشة:نحن نعيد ترتيب البيت المصرى كله.. الديمقراطية، تطوير الاتحاد الاشتراكى، الانفتاح أليس فى هذا كله ما يستفزك؟

وأجاب: لم يسألنى أحد فى هذا.. خذ رأيى.. لا بد من عودة الأحزاب إذا أردنا أن نحقق الديمقراطية.. الاتحاد الاشتراكى ليس لى كلام فيه.. لأننى أفتقر إلى تفاصيل ومعلومات دقيقة عن تجربته.. وعموما فالسياسة ليست لعبتى.. خذ الفتوى فى هذا من أحمد بهاء الدين  فهذا ميدانه "ضاحكا":

 كلنا يتذكر كافة التعليقات التى رافقت صدور "تفسيره العصرى" للقرآن. لقد هاجم الكثيرون من رجال الدين والفقه الإسلامى والتفسير جرأة مصطفى محمود فى هذا التفسير.. وبعض هؤلاء أعتبره غير أهل لتفسير  القرآن. وإن عليه أن يبتعد عن هذا المجال.

نعم اختلفوا معى.. والناس لها أن تبدى ما شاءت من آراء.. البعض رآنى على صواب.. والبعض الآخر انتقد محاولتى.. ومن يصوب الخطأأحترمه.. وصدقنى أنا على استعداد لإعادة كتابة "التفسير العصرى للقرآن" لو صوب لى أحدهم خطأ استلزم إعادة الطبع.. أما أن يعتبر البعض أن الدين مهنة.. وأن تفسير القرآن حكر عليهم.. فهذا ما لا أرضاه  ولا رد لى على هؤلاء إلا شعر المتنبى:

(أنام ملء جفونى عن شواردها..

ويسهر القوم جراها ويختصموا)

المعلم فى كافة المسائل الدينية والإلهية هو الله.. ليس الأزهر ولا جامعة الزيتونة.. أيام رسول الله لم يكن هناك شىء من هذا.. وكان هناك مفسرون للقرآن.. أنا أحترم الأزهر وشيوخه.. ولكن الله فوق كل علم.

ونحن جميعا مأمورون بالاجتهاد فى فهم القرآن.. ومن هنا كانت محاولتى وهى تحتمل الخطأ والصواب بالطبع..

 لقد حاولت تقديم لغة دينية عصرية تستوعب العلم والدين معا.. بدون ديباجة وحذلقة  وفقهنة..

 سکتنا.. ولكن صمته كان صمت من يرتب إضافة لما قاله عن رجال الدين لأنه عاد للكلام عنهم:

المشتغلون بالدين كمن يعملون فى أی منهم من يجد حرفة.. منهم من  يجيد حرفته ومنهم من لا يجيد.. منهم من يضر ومنهم من ينفع.. وعلى العموم فإن التعليم الدينى كان قد تحجر.. فى لغة تقليدية وقوالب (كلاسيكية).. عزلته  عن روح العصر..

كان لا بد من (تثوير) الدين، وابن مسعود نادى فى تفسيره  للقرآن بقوله (ثوروا القرآن).. لأن الدين ثورة متجددة.. ثورة بكل معانيها.. لأنه سابق على كل المذاهب.. لكن بعض رجال الدين يرى فى تثويره إفسادا.. وهؤلاء أصحاب النوايا  الحسنة.. والآخر من يخاف على رزقه.. لكننى مؤمن بأن تثوير الدين مفتاح الخلاص ليس لأمتنا.. بل وللعالم كله..

 كلامه لم يخل من الانفعال.. خاصة كلامه الأخير. وأحببت أن أنتقل به بمبدأ الانفعال. واندهش لهذه (النقلة) المفاجئة حين سألته رأيه من (أطفال الأنابيب) لكنه ضحك وهو يقول:

خلق الأطفال فى أنابيب (تهجيص ونحت جرايد) الرحم هو المستودع.. الأنبوبة  تستمر حضانة الحيوانات المنوية فيها لأيام.. ثم ينقلوها لرحم أم فما الذى فعلوه؟

سيظل الرحم الإنسانى فى جوف الأم هو  الأساس ولن يخرج جنين إلا من رحم حتى ينتهى العالم.

رأيت أن أستمر فى نقله بعيدا سألته عن أخبار المسرح لديه؟ ربما بعد شهرين تكون إحـــدى مسرحيــاتى "الشيطان يسكن بيتنا" على خشبة المسرح.. ثم أضـــاف ضـاحكا: ولكن المنــاخ المسـرحــى حاليا تعبان.

ليس لديه رد على تساؤلى حول الجاذبية التى تتمتع بها كتبه عند القراء.. سبب هذه الجاذبية من وجهة نظره.

الله يجعل الناس تلقى كتبى بالقبول.. يحبون ما  أكتبه لسبب لا أدريه.. الحب وعدمه ليس فى أيدينا ليس مهارتى سببا لحب الناس لما أكتب.

 قلت للطبيب الذی کانت هوايته يوما عزف الموسيقى.. هل هجرت الطب نهائيا؟ وما علاقة الطب بالتصوف؟

وقال مؤكدا: أصبح لقب الدكتور بالنسبة لى بلا معنى.. أنـــا فى نظر نفسی (أبــو درش).. لا دكتور ولا حاجة.. لكن الطبيب أقرب الناس إلى التصوف.. هو الواقف على بوابة الموت وبوابة الميلاد.

  سمعت أنه طلب أن يمتلك قطعة أرض فى المملكة السعودية.. وسألته عن تفاصيل القصة. فقال:

نعم.. فى جنوب السعودية بلد اسمه (أبها).. قطعة من سويسرا.. غابات  وبحيرات وثلوج على رؤوس جبالها.. تمنيت أن  أقضى فيها بقية عمرى.. رحب المسئولون هناك بشدة.. وحددوا قطعة الأرض فعلا.. إلا أننى وجدت صعوبة فى  الاستقرار بعيدا عن مصر.. لكننى ما زلت أحب (أبها).

 وعن مكونات عالمه الحالى قال:

هناك من أنام وأصحو على سطوره.. معى فى السر والعلن.. هو الصوفى (محمد ابن عبدالجبار النفرى).. كلماته وكتبه شديدة الأهمية من وجهة نظرى، دائما بجوار فراشى المصحف وكتب  هذا الصوفى.. وكتابى الأخير "رأيت الله" كله عنه.. صدقنى سطوره يمكن أن تعيش معك عمرك كله.

 وعن رمضان قال:

أقول للناس أى رمضان هذا.. هل هو شهر صوم وعبادة أم شهر أكل؟..الإحصائيات تقول إن استهلاك الطعام يزيد.. رمضان لدينا شهر الصوانى والتخمة.. وهذه علامة من  علامات فهم الدين بشكل خاطئ.. حكمة الصوم تحولت إلى أكل ونكت وفوازير وسهر فى "الهلس" وليس فى ذكر الله.. تحول رمضان إلى "مطعم وملهى"

 أخيرا.. سألته سؤالا رفض الإجابة عنه ولم يرد بأكثر من حكمة صوفية "من يعرف لا يتكلم"..ومن "يتكلم لا يعرف" وتركت "درش".

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من المجلة زمان

اللواء أحمد فتحى عبد الغنى يكشف تفاصيل استعدادات الجيش الشعبى لمعركة العبور

التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...

ملوك الجدعنة والمقاومة .. فى كل حارة مقاتل من الجيش الشعبى

الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...

سر أول عملية عبور تمت فى يوليو 1967

الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...

فى لقاءات نادرة منذ 69 عاما فنان الشعب سيد درويش فى ذاكرة أصدقاء طفولته

محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...