لم تعد حماية المستهلك مسألة إدارية هامشية أو شأنًا تنظيميًا محدود الأثر، بل أصبحت في الدولة الحديثة معيارًا من معايير الشرعية الدستورية، وركيزة من ركائز الأمن الاقتصادي والاجتماعي. فالدستور المصري لسنة 2014 حين قرر في مادته (27) أن النظام الاقتصادي يهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية ومنع الاحتكار وضمان الشفافية والتنافسية، إنما كان يؤسس لالتزام واضح على عاتق الدولة بضبط الأسواق وصون حقوق المواطن في علاقاته الاقتصادية. ومن ثم فإن حماية المستهلك ليست سياسة اختيارية، بل هي امتداد مباشر لمبدأ سيادة القانون، وتجسيد فعلي لمفهوم الدولة الراعية للحقوق.
المستشار حسام الدين علام مؤسس مبادرة القانون وبناء السلام
وحماية المستهلك في جوهرها تعني ضمان حصول المواطن على سلع وخدمات آمنة، مطابقة للمواصفات القياسية، مع تمكينه من المعرفة الكاملة والاختيار الحر، وضمان حقه في التعويض العادل عند وقوع ضرر.
وقد كفل القانون المصري، وعلى رأسه القانون رقم 181 لسنة 2018، للمستهلك مجموعة من الحقوق الجوهرية التي تشكل الإطار القانوني للعلاقة التعاقدية في السوق. من بين هذه الحقوق الحق في الصحة والسلامة عند استخدام المنتجات في ظروفها العادية، والحق في الحصول على معلومات صحيحة وكاملة عن السلعة أو الخدمة من حيث السعر والمصدر والمواصفات وتاريخ الصلاحية، والحق في الاختيار الحر الواعي بين بدائل متعددة تتوافر فيها شروط الجودة، والحق في الكرامة وعدم التعرض لممارسات خادعة أو مضللة، والحق في الضمان وخدمات ما بعد البيع، والحق في التقاضي أو اللجوء إلى الجهات المختصة بسرعة وبتكلفة مناسبة، وأخيرًا الحق في التعويض العادل عند ثبوت الضرر. هذه الحقوق ليست منحة من التاجر، ولا امتيازًا تفاوضيًا، بل هي التزام قانوني على الموردين والتجار، وواجب دستوري على الدولة أن تكفل إنفاذه. ومن هنا يبرز الدور المحوري لجهاز حماية المستهلك بوصفه الأداة التنفيذية التي أناط بها القانون مهمة ضبط إيقاع السوق. فدور الجهاز يتجاوز مجرد تلقي الشكاوى، ليشمل فحصها والتحقيق فيها وإصدار قرارات ملزمة في العديد من الحالات، ومباشرة الرقابة على الأسواق وضبط المخالفات بالتنسيق مع الجهات المعنية، ومواجهة الإعلانات المضللة والممارسات التجارية غير العادلة، وحماية المستهلك في البيوع عن بُعد والتجارة الإلكترونية، إلى جانب نشر الوعي بثقافة الاستهلاك الرشيد وحقوق المواطن. إن وجود جهاز رقابي فعّال يعزز ثقة المواطنين في السوق، ويشجع الشركات الجادة على الالتزام بمعايير الجودة، ويخلق بيئة تنافسية عادلة تخدم الاقتصاد الوطني. ولا يمكن الحديث عن حماية المستهلك بمعزل عن رؤية مصر 2030 وبناء الجمهورية الجديدة. فهذه الرؤية ترتكز على مبادئ التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والحوكمة والشفافية، وهي مبادئ لا يمكن تحقيقها في ظل سوق منفلت أو غير منضبط. إن الجمهورية الجديدة تقوم على دولة قانون تُفعِّل النصوص ولا تكتفي بإصدارها، وعلى إدارة حديثة تعتمد على الرقمنة والبيانات، وعلى شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص. وحماية المستهلك تمثل تجسيدًا عمليًا لهذه المبادئ، لأنها تعزز الشفافية في المعاملات، وتقلل من الغش والتلاعب، وترفع جودة المنتجات والخدمات، وتدعم الاستثمار المسؤول، وتحمي الفئات الأكثر احتياجًا من الاستغلال. فالسوق المنضبط يمثل ضمانة لتدفق الاستثمار، لأنه يوفر بيئة تنافسية عادلة تقوم على قواعد واضحة ومعلنة. كما أن حماية المستهلك ليست مسؤولية جهاز واحد، بل هي منظومة متكاملة تتطلب تنسيقًا فعالًا بين عدة جهات. فجهاز حماية المستهلك يباشر الرقابة والتدخل وحل الشكاوى، بينما يضطلع جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية بمواجهة الاحتكار وتعطيش الأسواق، وتقوم وزارة التموين والتجارة الداخلية بضبط الأسواق وتوفير السلع، وتتحمل الجهات الرقابية الصحية والغذائية مسؤولية ضمان سلامة المنتجات، في حين تتولى النيابة العامة والمحاكم الاقتصادية إنفاذ القانون وتوقيع الجزاءات. ومع تطور الاقتصاد الرقمي، يبرز دور هيئة تنظيم الاتصالات في تنظيم التعاملات الرقمية والمنصات الإلكترونية، ودور جهاز حماية البيانات الشخصية في صون بيانات المستهلك في البيئة الرقمية، فضلاً عن إسهام المجتمع المدني والجمعيات الأهلية في نشر الوعي ورصد المخالفات، ودور وسائل الإعلام في تعزيز الثقافة الاستهلاكية الواعية. إن هذا التكامل المؤسسي يضمن ألا تكون حماية المستهلك إجراءً ردعيًا فحسب، بل سياسة عامة متكاملة تعزز الاستقرار الاقتصادي وتحمي الثقة العامة في السوق.
غير أن فعالية المنظومة لا تكتمل دون وعي المواطن ذاته. فالمستهلك الواعي هو خط الدفاع الأول عن حقوقه، وهو شريك حقيقي في تطبيق القانون. ويقتضي ذلك أن يحرص على الاحتفاظ بالفواتير والمستندات، وأن يقرأ شروط التعاقد قبل الشراء، وأن يتحقق من بيانات المورد، وألا ينساق وراء العروض الوهمية أو الإعلانات غير الموثوقة، وأن يُبلّغ عن أي مخالفة عبر القنوات الرسمية. إن ثقافة الشكوى ليست سلوكًا سلبيًا أو خصومة مع السوق، بل هي ممارسة حضارية تسهم في تصحيح مساره وحماية المجتمع ككل.
وفي ظل التحول الرقمي المتسارع، تزداد أهمية تطوير أدوات الرقابة الإلكترونية، وتنظيم التجارة الرقمية، وتوسيع قنوات التواصل مع المواطنين، بما يواكب التطورات الحديثة في أنماط البيع والشراء. فالسوق العادل هو السوق الذي يحترم القانون، ويكافئ الالتزام، ويعاقب الغش، ويعزز الثقة بين أطرافه. وضبط الأسواق، في هذا الإطار، ليس مجرد شأن اقتصادي، بل هو مسألة أمن قومي، لأن استقرار الأسعار، وسلامة السلع، ومنع الاستغلال، كلها عوامل ترتبط مباشرة بالاستقرار المجتمعي وبقدرة الدولة على حماية مواطنيها.
وفي الختام، تؤكد التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة أن الدولة عازمة على تعزيز منظومة حماية المستهلك، وتطوير أدواتها التشريعية والرقابية، وتكريس مبدأ الحوكمة والشفافية في إدارة الأسواق، بما يتسق مع أهداف رؤية مصر 2030 وبناء الجمهورية الجديدة. غير أن هذا الحرص المؤسسي يجب أن يقابله وعي مجتمعي مسؤول؛ فالقانون يوفر الحماية، لكن تفعيلها يتطلب مواطنًا ذكيًا ومدركًا لحقوقه، لا يتردد في اللجوء إلى الوسائل القانونية والرسمية عند تعرضه لاعتداء أو تضليل. إن حماية المستهلك هي مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وهي في جوهرها استثمار في الاستقرار والثقة والتنمية. وبقدر ما تترسخ هذه الثقافة، يقترب السوق المصري من تحقيق نموذج عادل ومستدام يليق بدولة القانون في جمهوريتها الجديدة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهر رمضان يمثل قيمة كبرى في العالم الإسلامي على مدى التاريخ وارتبط بمفردات دينية تراثية محفورة في ذاكرة العالم الإسلامي...
في كل مناسبة سعيدة، يُفترض أن نشعر بالفرح تلقائيًا. رمضان، العيد، خطوبة، زفاف، نجاح، لقاء عائلي… لكن الواقع أن كثيرين...
إذا أردت أن تعيش لحظة من لحظات الأنس الروحي، وأن تلمس بقلبك شيئًا من بهاء المدينة المنورة، فما عليك إلا...
لم تعد حماية المستهلك مسألة إدارية هامشية أو شأنًا تنظيميًا محدود الأثر، بل أصبحت في الدولة الحديثة معيارًا من معايير...