«أندريه رايدر».. أبو «الموسيقى التصـويرية» بمصر

تاريخنا الموسيقي حافل بالرواد الذين شكلوا بفنهم  وجدان الشعب المصري، وذلك مع الاحتفاظ بموروثتنا الموسيقية الشرقية،

 ومن هؤلاء العبقري "أندريه رايدر" الذى استطاع أن يترك بصمة واضحة في عشرات الأفلام السينمائية المصرية منذ خمسينات القرن الماضي، حيث قام بتلحين الموسيقى التصويرية لأكثر من 60 فيلما، منها "نهر الحب" و"نهارك سعيد" و"ملاك وشيطان" و"رسالة من امرأة مجهولة" و"الباب المفتوح" و"اللص والكلاب" و"غروب وشروق".. وغيرها، وبرغم كون "أندريه" يوناني المولد إلا أنه كان مصري القلب والروح، فهو من مواليد 10أغسطس 1908 ورحل عن عالمنا في 5 مارس  1971، وفي عام 1970حصل على وسام الاستحقاق من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ومُنح الجنسية المصرية، كما اعتمد ملحنًا من الدرجة الأولى في الإذاعة المصرية، وأخيراً اُختير كأحسن مؤلف موسيقي في مئوية السينما المصرية.

واليوم تتذكر "الإذاعة والتليفزيون" الملحن الكبير "أندريه رايدر" من خلال حوار قصير أجرته معه منذ 66عاماً وكان الحوار بمناسبة عيد مولده الـ 52، نشر الحوار في العدد 1156 بتاريخ 11 مايو 1957، ونشر بعنوان "أندريه رايدر" الجندي المجهول وراء كل لحن تردده الأصداء.

يقول:

كمال الطويل: طفل يؤلف الموسيقى!

عبد الوهاب: "أسطى مزيكا!

فى عام ١٩٢٦، وبين جدران في النادي اليوناني بجهة المسلة بالاسكندرية، انهالت الأكف بالتصفيق لصبي لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، بعد أن انتهى من عزف مقطوعة قصيرة من تلحينه على آلة «الترومبيت» عنوانها «غناء العصافير».

 وتمر السنون على الصبي، ويتنقل ببنطلونه القصير وقميصه ذى الأكمام الهفهافة، وخصلات شعره التي تاهت في زحمة الفن، فانسدلت على جبينه، يتنقل من ملهى الى آخر وفى عام ١٩٣٤تعاقد الفنان الصغير، الذي كان قد بلغ العشرين من عمره محطة ولبس البنطلون الطويل، مع الإذاعة بمرتب شهري قدره خمسة وعشرون جنيها، على أن يعمل ٦ ساعات أسبوعيا كعازف للترومبيت تحت قيادة المايسترو (برسامباندیس)، وحينما انتهى عقده مع الإذاعة بعد عام، أخذ يتجول بين ملاهي القاهرة والإسكندرية وبورسعيد وفى الإسكندرية مسقط رأسه، وفي البلد الذي قدمه لعالم الموسيقى وقف لأول مرة يقود فرقته الخاصة في "الجراند ترايانون".

 وقامت الحرب العالمية الثانية، وراجت سوق الملاهي في مصر، فعاود الترحال بين الأريزونا والأوبرج. والأوبرج دى ترف، والأوبرج بلو، وملهى الرومانس.. وأخيرا "حلمية بالاس وضاقت به القاهرة فاصطحب فرقته إلى الخارج.. إلى ملاهي جنيف وتركيا حيث نالت مقطوعاته الموسيقية التي كان يضعها لفرقته نجاحا لم يكن هو نفسه يأمل فيه، وفي عام ١٩٥١ عاد ليستقر في القاهرة مرة أخرى.

  فكرة التوزيع الموسيقى

وكان يعتمد في فرقته - إلى جانب مؤلفاته - على الموسيقى الغربية والموسيقى الأمريكية الراقصة، ولكن النوتة الموسيقية لهذه الألحان الأجنبية، التي كان يستوردها من كانت موضوعة لأوركسترا مكون من ٦٠ عازفا فأكثر في أغلب الأحيان، فى حين كانت فرقته مكونة من نصف هذا العدد، بحيث كان من المستحيل أن تؤدى هذه الرقصات والألحان الغربية دون أن تبدو مبتورة هزيلة باردة!.. الخارج أقل من ومن هنا بدأ يفكر في حل ينقذ به ألحان الجاز، ويعطيها السخونة المطلوبة..!

وبدأ يحلل كل لحن إلى أصله "الميلودى" ثم يعيد توزيعه الموسيقى بحيث يلائم فرقته الصغيرة، و"الميلودى" هو اللحن المنفرد، الذي تؤديه آلة موسيقية واحدة أو عدة آلات تعزف جميعها معا على درجة واحدة من السلم الموسيقى في نفس الزمن، أما التوزيع، فهو تنسيق لعزف عدة آلات تعمل معا بحيث تؤدى كل منها درجة تختلف عن الأخرى من السلم الموسيقى فى نفس الزمن، دون أن يضطرب اللحن الأصلي أو "الميلودى" أو يصيبه خلل. ونجح في عمله كموزع موسیقی، وبدأ اسمه يلمع في سماء الموسيقى.

المصرية التي كانت في حاجة إلى العناصر الجديدة ولا سيما بين موزعي الموسيقى.

وشرع بعد ذلك في توزيع موسيقى الأفلام المصرية فوزع ما يقرب من ٢٠ فيلما كان آخرها فيلم عبد الوهاب "بنات اليوم"، وتعرف في هذه الفترة بالملحن كمال الطويل الذي أسند إليه توزيع موسيقى أغنية لیلی مراد "ارحم عينيه".. وحينما سمع عبد الوهاب اللحن الموزع هناه، واتفق معه على توزيع موسيقاه، وعمل بعد ذلك مع الشريف والسنباطى والموجى وفوزى وغيرهم.

  رأيه في الملحن المصرى

ويقول أندريه: إن مقياس نجاح الملحن المصرى هو المادة لا الفن، فهو - أى الملحن- لم يدرس الموسيقى غالبا، وإن درسها فدراسته لیست كافية، لكي تجعله توأما للملحن الغربي، وإن الفرق بين الملحن الغربي وزميله المصرى هو الفرق بين مغنى الأوبرا ومونولوجيست صفية حلمی..!

ويستطرد أندرية رايدر قائلا: إن في ميدان الأوبرا بالقاهرة نوعان من الأوبرا.. أحدهما دار الأوبرا المصرية، والثاني هي أوبرا صفية حلمى والأخيرة هي التي وصل عن طريقها كل من وصلوا من الموسيقيين المصريين، أما الأولى فلم يتجه إليها أحد، لأنها مدرسة  شاقة جدا وغير مربحة وينكس أندريه راسه، وهو يقول في خجل وكأنه يكلم نفسه - نحن نبحث عن العزبة والعمارة والعوامة.. والكاديلاك .. وليس فينا من يبحث عن الفن الصحيح.. الفن الواعي العميق الهادف!

  عبد الوهاب.. والطويل

وحينما تطرق بنا الحديث إلى عمله مع الملحنين المصريين، قال إنه يميل إلى العمل مع عبد الوهاب، ويرتاح إليه أكثر من غيره لأنه أقرب ملحن الى الفهم الموسيقى الفنى الصحيح وسكت قليلا قبل أن يقول : عبد الوهاب أسطى مزيكا! وقلت له قبل أن يكمل كلامه: كمال الطويل؟ فأكمل، قائلا: وطفل يؤلف المزيكا ..!

واستطرد سريعا وكأنه يخشى أن تؤول معاني كلماته أقصد أن عبد الوهاب من طول عهده بالتلحين، أصبحت الموسيقى عنده مادة خام يمكنه أن يشكلها ويلونها كيفما يشاء، وعلى أي لون، أما كمال الطويل، فما زال فنانا مطبوعا يعكس أحاسيسه الفطرية على الوتر دون صناعة.

  فنان رقیق ..

وبعد، ها هو ذا أندرية رايدر الذي بلغ الثانية والأربعين وأصبح جنديا مجهولا وراء كل لحن مصری تردده الأصداء ولكنه يقول فى تواضع وهدوء لمن  يهتم بقراءة هذا الموضوع: أنا لم أفعل شيئا أين أنا من عباقرة الموسيقى الذين قرأت عنهم!

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من المجلة زمان

اللواء أحمد فتحى عبد الغنى يكشف تفاصيل استعدادات الجيش الشعبى لمعركة العبور

التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...

ملوك الجدعنة والمقاومة .. فى كل حارة مقاتل من الجيش الشعبى

الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...

سر أول عملية عبور تمت فى يوليو 1967

الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...

فى لقاءات نادرة منذ 69 عاما فنان الشعب سيد درويش فى ذاكرة أصدقاء طفولته

محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...