زيارة ماكرون إلى القاهرة تعزيز التعاون الاقتصادي في ظل عالم متعدد الأقطاب

في ظل الظروف السياسية والاقتصادية العالمية المتغيرة، تأتي زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون إلى مصر ، لتعكس مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية بين البلدين، والتركيز على التعاون المشترك في العديد من المجالات الحيوية. وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة بالنظر إلى المتغيرات الدولية المتسارعة، خاصة في ظل التوترات بين القوى الكبرى مثل الصين والولايات المتحدة، وبزوغ نظام عالمي متعدد الأقطاب.

بقلم: أحمد سلام

وفي مشهد عكس متانة العلاقات الاستراتيجية بين مصر وفرنسا، وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى القاهرة، حيث رافقت طائرات "رافال" المصرية طائرته الرئاسية فور دخولها المجال الجوي المصري. ونشر ماكرون علي حسابه الرسمي بموقع "إكس" ، مقطع فيديو يوثق هذه اللحظة، معلقًا: "وصلنا إلى مصر برفقة طائرات رافال المصرية، فخورون بهذا لأنه يعد رمزًا قويًا للتعاون الاستراتيجي بيننا."

فتح آفاق اقتصادية جديدة

تسعى مصر عبر هذه الزيارة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع فرنسا، بهدف فتح أسواق جديدة للمنتجات المصرية وتعزيز حجم التبادل التجاري بين البلدين. ويشكل التعاون الاقتصادي حجر الزاوية في العلاقات المصرية الفرنسية، حيث تتطلع القاهرة إلى الاستفادة من التكنولوجيا والخبرات الفرنسية في تطوير العديد من القطاعات مثل النقل والطاقة المتجددة، والصناعة العسكرية.

وقد تم توقيع عدة اتفاقيات تعاون في هذا المجال، من أبرزها اتفاقيات في قطاع النقل، حيث تم الاتفاق على تطوير شبكة القطارات الفرنسية في مصر ، وتكتسب اتفاقية تطوير قطاع القطارات في مصر أهمية خاصة لربط المدن المصرية ببعضها البعض، مما يسهم في تحسين النقل الداخلي ويساعد على تنشيط الاقتصاد المصري.

الفرص المستقبلية: النمو المشترك

مع استمرار الجهود المصرية لفتح أسواق جديدة، تُمثل فرنسا شريكًا رئيسيًا في هذا الاتجاه. يتضح ذلك في العديد من الصفقات الاقتصادية التي تم توقيعها مؤخرًا، والتي تفتح آفاقًا جديدة للتعاون في مجالات حيوية مثل الطيران المدني، والطاقة المتجددة، والقطاع الزراعي. ويتوقع الخبراء أن تشهد السنوات المقبلة تعزيزًا كبيرًا في حجم التبادل التجاري بين البلدين، مما يساهم في خلق فرص عمل جديدة وتعزيز التنمية الاقتصادية في مصر.

التعاون العسكري: رمز الشراكة الاستراتيجية

تعد الصفقات العسكرية من أبرز أوجه التعاون بين مصر وفرنسا. فقد شهدت السنوات الأخيرة تعاونًا عسكريًا وثيقًا بين البلدين، حيث استفادت مصر من التكنولوجيا العسكرية الفرنسية في تعزيز قدراتها الدفاعية، من خلال شراء طائرات الرافال وصواريخ أرض-جو.

من المتحف إلى خان الخليلي... دبلوماسية الثقافة والهوية

وقد تناولت الزيارة جوانب ثقافية هامة، حيث زار الرئيس ماكرون المتحف المصري الكبير في الجيزة، وهو معلم ثقافي ضخم وهام يعكس حجم التعاون بين البلدين في الحفاظ على التراث الحضاري المصري. كما اصطحب الرئيس عبد الفتاح السيسي ضيفه الفرنسي في جولة مميزة داخل القاهرة التاريخية والتى تعد إحدى الوجهات السياحية الأكثر جذبًا ، شملت منطقة الحسين وسوق خان الخليلي، واختُتمت الجولة بعشاء ودي في مطعم "نجيب محفوظ" الشهير، الذي يقع في قلب القاهرة الفاطمية ويعد من رموز الضيافة المصرية الأصيلة ، وهو ما يعكس حرص الجانبين على تعزيز التعاون في مجال السياحة، الذي يُعد أحد الركائز الهامة للاقتصاد المصري.

وهنا لابد من الاشارة الي المسلة المصرية ففي ساحة الكونكورد في العاصمة باريس تحتفل فرنسا بعيدها الوطني في 14 يوليو من كل عام ، أمام مسلة مصرية قديمة هي مسلة معبد الأقصر، وتقام احتفالات رسمية وعروض عسكرية بحضور رئيس الدولة ، وتعد هذه المسلة المصرية شاهدة على كثير من الأنشطة السياسية الفرنسية منذ 19 وحتى الآن، لاسيما الاحتفال السنوي بالعيد الوطني للبلاد، وقد قدمتها مصر في 29 نوفمبر عام 1830 هدية إلى فرنسا، تعبيرا عن حسن التفاهم ودفء العلاقات بين البلدين، حيث أهدى محمد علي باشا (1769-1849)، حاكم مصر آنذاك، مسلة الأقصر لملك فرنسا لوي فيليب الأول (1773-1850) ، وتعد مسلة الأقصر أقدم أثر تاريخي على أرض باريس يشهد على "ولع فرنسا" بحضارة مصر القديمة، ولا تزال تلك الهدية، التي جاءت تكريما لجهود العالم الفرنسي جان-فرانسوان شامبليون (1790-1832) في معرفة أسرار الكتابة المصرية القديمة، تزين ميدان الكونكورد في قلب العاصمة الفرنسية باريس حتى الآن.

العلاقات التعليمية والثقافية

تُعَدُّ العلاقات التعليمية والثقافية بين القاهرة وباريس من الركائز الأساسية التي ساهمت في تعزيز التفاهم والتعاون بين البلدين . وقد نتج عن هذا التعاون بروز شخصيات مصرية عديدة نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصرعميد الادب العربي الدكتور طه حسين (1889 – 1973) وهو من أوائل المصريين الذين حصلوا على الدكتوراه من السوربون   ، وقد تأثر بالفكر الغربي والنهج العقلاني، وكان من أبرز دعاة التنوير وقد تولّى منصب وزير المعارف وساهم في جعل التعليم مجانيًا.

ويشهد التعاون التعليمي بين مصر وفرنسا تطورًا ملحوظًا، تمثل في سعي وزارة التربية والتعليم المصرية، بالتعاون مع الجانب الفرنسي، إلى إنشاء 100 مدرسة مصرية فرنسية بحلول عام 2030. بهدف تعزيز الشراكة بين الجهات التعليمية الفرنسية والحكومة المصرية.

بالاضافة الي إطلاق برنامج تعليمي خاص بعد انتهاء اليوم الدراسي، يستهدف 5000 طالب في 100 مدرسة مصرية. يتضمن البرنامج تقديم المناهج الفرنسية، تدريب المعلمين، الإشراف على الجودة، وتقديم شهادة (DELF) بأسعار مدعمة. ​

وفي برامج التبادل الطلابي والبحث  تم توقيع اتفاق تعاون بين الجامعة الفرنسية في مصر وجامعة باريس 1 بانتيون سوربون لإطلاق برامج جديدة في مجالات إدارة الفنادق والمنشآت السياحية وإدارة السياحة التراثية. ​

المؤتمر الصحفي المشترك :

جاءت أهم النقاط في كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في المؤتمر الصحفي المشترك فيما يلي:- رحب الرئيس السيسي بزيارة الرئيس الفرنسي ماكرون إلى مصر، مشيرًا إلى أن الزيارة تعكس العلاقات الثنائية الطويلة بين البلدين، حيث تم الإعلان عن ترفيع العلاقات بين البلدين، إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.

وتم التركيز على أهمية تعزيز الاستثمارات الفرنسية في مصر، وتوسيع مشاركة الشركات الفرنسية في الأنشطة الاقتصادية. كما تم التأكيد على بناء على نتائج المنتدى الاقتصادي "المصري - الفرنسي" لتعزيز التعاون الاقتصادي.

كما تم الاتفاق على تنفيذ محاور الشراكة الاستراتيجية، مثل توطين صناعة السكك الحديدية، التدريب الفني، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، وإنتاج الهيدروجين الأخضر.

اضافة الي ذلك تم مناقشة التعاون في مجال الهجرة ودعم مصر في مكافحة الهجرة غير الشرعية، مع الإشارة إلى الدعم الأوروبي لمصر، بما في ذلك موافقة البرلمان الأوروبي على صرف شريحة الدعم الثانية لمصر.

كذلك تم التأكيد على ضرورة وقف إطلاق النار في غزة وتقديم المساعدات الإنسانية، والاتفاق على ضرورة العودة إلى عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين على أساس حل الدولتين.

أما بالنسبة للملفات الإقليمية فقد تم تناول التطورات في سوريا ولبنان، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على وحدة سوريا وسلامتها، ودعم الاستقرار في لبنان.

وعن موضوع الأمن المائي أكد السيد الرئيس علي موقف مصر الثابت حول ضرورة التعاون بين دول حوض النيل لضمان الاستفادة المتبادلة مع الحفاظ على حقوق مصر في مياه النيل.

وفي اطارالتعاون الأمني تم الاتفاق على تعزيز التعاون لمكافحة التحديات الأمنية في منطقة الساحل والقرن الأفريقي.

كما تم التطرق الي قناة السويس وتأثير الهجمات على حركة التجارة في منطقة باب المندب، والتي تسببت في خسائر مالية كبيرة لمصر نتيجة تراجع إيرادات قناة السويس. وقد أعرب السيد الرئيس عن ثقته بأن زيارة ماكرون ستسهم في تعزيز التعاون الاستراتيجي بين البلدين، مع تعزيز الروابط التاريخية بين الشعبين المصري والفرنسي.

مستقبل واعد بين مصر وفرنسا

تمثل زيارة الرئيس ماكرون إلى القاهرة خطوة هامة نحو تعزيز التعاون بين مصر وفرنسا في العديد من المجالات ، ورغم التحديات الاقتصادية والسياسية التي يشهدها العالم اليوم، فإن هذه الزيارة تؤكد على أهمية التعاون المشترك بين الدول الكبرى والصاعدة في بناء اقتصاد عالمي متعدد الأقطاب، يشمل جميع الأطراف ويعزز من فرص النمو المستدام وفتح أسواق جديدة لمصر بفضل موقعها الجرافي المتميز وماتشهده من بنية تحيتية حديثة يشهد بها الجميع.  

وهذه الزيارة تؤكد أن فرنسا ترى في مصر شريكًا محوريًا في الشرق الأوسط، كما أن القاهرة تنظر إلى باريس كحليف قادر على دعم مواقفها في المحافل الدولية، وتعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا والتعليم والطاقة والثقافة.

كاتب المقال:مستشار اعلامي ووكيل الوزارة بالهيئة العامة للاستعلامات سابقا

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

بروح رياضية - افعلها يا كابتن جوهر

ماذا ننتظر من وزير الرياضة الجديد؟!.. سؤال يفرض نفسه مع كل  تعديل وزارى، لكن المؤكد أن الملفات عديدة والمشكلات كبيرة...

نحو الحرية - الاتحاد قوة

زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر ليست مجرد زيارة رسمية عادية بل محطة مهمة جديدة في إعادة تشكيل...

بروح رياضية - إلغاء الدورى

تلوح فى الأفق بعض التسريبات حول وجود بعض المقترحات بإلغاء بطولة الدورى هذا الموسم..

حكايات عادية جداً : شهادات تنشر لأول مرة إمام.. سيرة أخرى «1»

فقد بصره بسبب الجهل وطردته الجمعية الشرعية لسماعه القرآن من الراديو أبوه الصوفى تركه فريسة للجوع فى الحسين وحرمه من...


مقالات

بئر يوسف
  • الأربعاء، 25 فبراير 2026 09:00 ص
خان الخليلي
  • الثلاثاء، 24 فبراير 2026 09:00 ص