هزم الصليبيين فى «المنصورة» وحارب المغول فى الشام/ فى عهده فتحت بلاد النوبة التى عجز الفاتحون العرب على السيطرة عليها ودخل أهلها الإسلام
الظاهر بيبرس، قائد له تاريخ مهم فى حياة العرب والمسلمين فى مرحلة الحروب العسكرية والصراع الحضارى بين المسلمين والمغول والصليبيين، وهو القائد الوحيد الذى جعله الشعب أسطورة وحكاية وأغنية يتغنى بها شعراء حملوا اسمه "الظاهرية" لأنهم لا يتغنون باسم ملك غيره، والقاهرة فى عصره وما بعد عصر المماليك، عرفت بالمقاهى الظاهرية التى يتواجد فيها شعراء سيرته التى أبدعها الشعب تقديرا له، ومن شدة حبه له منحه ألقاب التفخيم والمودة؛ فهو "أبوالفتوح" وهو "أمير الفقراء والمساكين"، وهو الملك الذى حاز مكانة البطل الشعبى وقيل فى أخلاقه إنه كان متواضعا يحمل الأحجار ويحفر الخنادق مثله مثل جنود الجيش فى أوقات التجهيز للمعارك الحربية وكان قوى البنية، شجاعا لا يهاب الموت، وهو المؤسس الحقيقى لدولة المماليك وقضى فى السلطة ستة عشر عاما، وحاز لقب "خادم الحرمين" وأصلح "الأزهر" وأعاد له بريقه بعد إهمال، وأجرى الأرزاق على المتصوفة وأطعم المحتاجين وفرض على الأمراء الكبار إطعامهم كل يوم وليلة فى وقت المجاعة التى شهدها عصره وتجاوز كل المحن بفضل محبة الشعب له.
هو "ركن الدين بيبرس"، سلطان مصر والشام ورابع سلاطين الدولة المملوكية ومؤسسها الحقيقى، ولقبه "أبو الفتوح" أو"أبو الفتوحات"، بدأ حياته مملوكا، يباع فى أسواق العراق والشام وانتهى به المطاف سلطانا معظما، وبعد وصوله الحكم لقب نفسه بلقب "الملك القاهر" فحذره المقربون من سوء المصير، فكل من تلقب بالقاهر، مات مبكرا، ويقول المؤرخون إنه من مواليد العام 625هجرى، الموافق للعام 1228 ميلادى، وكانت حياته العسكرية بدأت فى "معركة المنصورة" فى العام 1250.
تركى من كازاخستان
يروى المؤرخون أن "الظاهر بيبرس" ينتمى للعرق التركى، من "القبجاق" كازاخستان حاليا" واسمه "باى" وبالتركية تعنى "أمير"، و"بارس" وتعنى "فهد"، فهو الأمير الفهد، ويقول الباحثون المعاصرون المتخصصون فى العصور الوسطى إن مؤرخى عصر المماليك، كانوا يعتبرون "الشركس" فرعا من الترك، وكانوا ينسبون أى رقيق مجلوب من مناطق القوقاز والقرم إلى "القبجاق"، وذكر المقريزى أن "بيبرس" وصل إلى "حماة" فى الشام مع تاجر، وبيع للملك "المنصور محمد"ـ حاكم حماة ـ لكنه لم يعجبه، فأرجعه إلى سوق الرقيق فى دمشق، وباعه هناك بثلاثمائة درهم، لكن الذى اشتراه أرجعه للتاجر لعيب فى خلقته "كان فى إحدى عينيه سحابة ماء أبيض"، فاشتراه الأمير "علاء الدين أيدكين البندقدارى" صاحب الخانقاه فى "بركة الفيل" فى "السيدة زينب" بالقاهرة، ومنه استمد اسمه "بيبرس البندقدارى"، وانتقل إلى خدمة السلطان الأيوبى "الملك الصالح نجم الدين أيوب" فأعتقه ومنحه الإمارة، فصار من أمراء المماليك، وكان ـ بيبرس ـ متمتعا بشخصية قوية، ولما أصبح سلطان مصر والشام اتخذ "السبع" شعارا له ونقشه على الدراهم.
وقبل خوض غمار حياة هذ البطل الشعبى، من المهم أن نسترجع ما جرى فى المرحلة التى أعقبت حضور "توران شاه" ابن "الملك الصالح" الذى فى عهده تعرضت "دمياط" لحصار الحملة الصليبية، ومات ـ الصالح أيوب ـ فرأت زوجته "شجر الدر" كتمان خبر موته حفاظا على معنويات الجيش الذى كان يخوض معارك ضارية ضد الصليبيين، واستدعت "توران شاه" ولد الملك الراحل، وكان مقيما فى "حصن كيفا" فحضر، وقبل أن تضع الحرب أوزارها، خاض هو نفسه معارك ضد مماليك والده وضد "شجر الدر"، فهو من طالب ـ زوجة والده ـ بما لديها من مجوهرات وأموال، وعزل "المماليك" من مواقعهم فى الجيش، فقرروا قتله، وشارك "بيبرس" و"فارس الدين أقطاى" فى قتله وكان ذلك فى "فارسكور" بالقرب من "دمياط" واختاروا "شجر الدر" لتكون السلطانة، ولم يقبل الأمراء الأيوبيون الموجودون فى الشام، هذا الاختيار، ورفضه أيضا "الخليفة العباسى" فتسلم السلطنة "عز الدين أيبك"، ولم يهدأ الأيوبيون فى الشام، فأرسلوا جيشهم بقيادة "الناصر يوسف"ـ صاحب حلب ودمشق ـ وهزم المماليك الجيش الأيوبى، وتمكنوا من تأسيس دولتهم فى مصر، وبعد أن تولى "عز الدين أيبك" السلطنة، تفجرت مطامع "أقطاى" فطلب تخصيص قاعة له فى "القلعة" ليسكن فيها، فقرر "أيبك" قتله، وقتله بمساعدة من "المماليك المعزية"، وألقى برأسه إلى "المماليك البحرية" الذين تجمعوا أسفل القلعة مطالبين بالإفراج عنه، وهربوا بعدها إلى الشام وسلطنة الروم، وكان من بينهم "بيبرس" و"قلاوون" أما بلبان وسنقر الأشقر ففرا إلى دمشق.
بيبرس فى الشام
كانت العداوة قائمة بين الأيوبى "الناصر يوسف" و"عز الدين أيبك" واستقبل "المماليك البحرية" وبعدها بفترة قرر تحريك جيشه ـ وفيه البحرية ـ لغزو "مصر" والقضاء على أيبك الذى أنهى الحكم الأيوبى، ولم تقع الحرب بين "الناصر يوسف " و"أيبك"، بل انسحب "الناصر" ووافق على استبعاد "البحرية" من دولته، واستقبلهم "المغيث عمر" صاحب "الكرك" ومنحهم المال وحاول أن يغزو مصر، وفشل، ولجأ "بيبرس" إلى "الناصر يوسف" الذى استقبله وعفا عنه، وبقية "المماليك البحرية" تسلمهم "الناصر" من "المغيث عمر" وأودعهم سجن قلعة حلب وبقوا فيه حتى استولى المغول على حلب وأخذوهم منها، وانتهت الخلافات بين "الناصر يوسف" و"أيبك" إثر وساطة قام بها "ابن العلقمى" وزير الخليفة "المستعصم بالله"، ونص الاتفاق على سحب "فلسطين" من أملاك "أيبك" وضمها إلى "الناصر يوسف" الذى قام بدوره، بمنح "بيبرس" مدينة "نابلس" ترضية له لأنه كان رافضا توقيع الصلح مع "أيبك"، وكانت عودة "بيبرس" الرسمية فى عهد السلطان "سيف الدين قطز" الذى ولاه الوزارة فى العام 1260 وكان القصد من تقريبه إليه، الإفادة من قدراته العسكرية فى قتال "المغول" الذين كانوا فى "بغداد" يعيثون فسادا، وكانت "مصر" الهدف الذى يسعون إليه، وأرسل "هولاكو" إلى "قطز" رسالة تهديد، وفى الاجتماع الذى عقده ـ قطزـ مع أمراء المماليك وأعيان البلاد اقترح "أمير الأمراء ـ بيبرس البندقدارى" اقتراحا استحسنه السلطان:
نقتل الرسل، ونذهب إلى "كتبغا" متضامنين، فإذا انتصرنا أو هزمنا، فسوف نكون فى كلتا الحالتين معذورين.
وقتل "قطز" رسل "هولاكو"، فى الوقت الذى تلقى فيه رسالة من "صارم الدين الأشرفى" الأسير لدى "المغول" تقول إن جيش العدو ضعيف وقليل العدد، وكان الخبر صحيحا، لأن "هولاكو" سافر إلى "بلاد فارس" ومعه قوة كبيرة من الجيش، بعد سماعه نبأ وفاة أخيه "الخان الأعظم" وكان سفره ليشارك فى الصراع على السلطة، وترك بعض قواته فى الشام تحت قيادة "كتبغا" وتشجع مماليك "مصر" وتجهزوا لقتال جيش المغول فى الشام، وكانت خطة "قطز" العسكرية تعطى "بيبرس" الدور الرئيس، فجعله على رأس مقدمة الجيش، وأبلى "بيبرس" فى عين جالوت البلاء الحسن، ووعده "قطز" بنيابة "حلب" ولم يفِ بوعده، فكان من المشاركين فى قتله عند "الصالحية" بالقرب من "بلبيس" وتعددت الروايات فى هذا الشأن، قيل إن "قطز" قتل بثأر "أقطاى" لما تعاون مع "عز الدين أيبك" وقتله باعتباره من "المماليك المعزية" وأيبك "أستاذه"، وقيل إن "المماليك البحرية" قتلوه، وخافوا دفع الثمن، فأنكروا وقدموا "بيبرس" وأجلسوه على عرش السلطنة، وكان القصد من ذلك تحويله إلى "كبش فداء" يدفع عنهم ضريبة قتل "قطز" ولكن "بيبرس" كان ذكيا، قويا، استطاع أن يثبت عرشه ويقضى على المتآمرين ضده.
فى قلعة الجبل
بعد مبايعة "بيبرس" فى أواخر ـ ذى القعدة من سنة 658 هجرية، دقت الطبول ابتهاجا بجلوسه على عرش مصر، ودخوله مقر الحكم فى قلعة الجبل، وتلقب بلقب "القاهر" فأخبره وزيره بأن الذين حملوا هذا اللقب لم يفلحوا ولم يطل بهم المقام فوق العروش، فعدل عن اللقب واختار "الظاهر" بدلا عنه، وشرع فى القضاء على معارضيه، منهم "علم الدين سنجر" الذى كان "قطز" عينه نائبا له فى "دمشق"، وأعلن نفسه "سلطان دمشق" وأمر بالخطابة لنفسه على منابرها وضرب السكة باسمه "العملة المتداولة" وأرسل إلى أميرى "حلب" و"حماة" يطلب منهما الخضوع له، وجرد ـ السلطان بيبرس ـ حملة قضت على "سنجر" وأخضعت دمشق لسلطانه فى "669 هجرى ـ الموافق 1261 ميلادى"، ولم يكتف بالعمل داخل مصر، بل امتد عمله خارجها، فهو يعرف أنه محاط بأعداء فى الخارج، هم "المغول" و"الصليبيون" وكان هدفه الأهم فى وجهة نظره جعل "المغول" بعيدين عن البلاد المصرية وأن يكون "نهر الفرات" هو العازل بينه وبينهم، ولتحقيق هذا الهدف، تحالف مع حكام "البحرين" ودعم قائدهم "المقدم محمد بن أحمد العامرى" ليستطيعوا التصدى لهجمات "المغول" المسيطرين على "بلاد فارس" وتحالف مع "بركة خان" المغولى الذى اعتنق الإسلام، فى مواجهة عدوهما المشترك "هولاكو" خان الخانات فى "فارس" وقوى علاقاته الودية مع ملوك "نابولى وقشتالة وصقلية" والإمبراطور الرومانى، وسلطان سلاجقة الروم، وإمبراطور بيزنطة، وكان "بدر الدين لؤلؤ" والى "الموصل" المتحالف مع "المغول" توفى، وتولى بعده ولده "الملك الصالح إسماعيل" وهادن "المغول" فترة، ثم انقلب عليهم، وأرسل يطلب العون من "بيبرس" وأرسل له سبعمائة فارس من مصر، وطلب من "عسكر" دمشق وحلب، دعم "الصالح إسماعيل" وفرض القائد المغولى الحصار على "الموصل"، وبعد مدة أغرى صاحب "الموصل" بفتح أبواب المدينة، وفتحت، فاقتحمها بقواته واستباحها وقتل "الصالح" وولده الطفل البالغ من العمر أربع سنوات.
الجهاد ضد المغول
ظل "مغول" بلاد "فارس" يتحينون الفرصة للحرب ضد المسلمين، وواصل "أباقا" ابن "هولاكو" تطبيق سياسة أبيه العدائية تجاه المسلمين، ولما تحالف "المغول" مع "سلاجقة الروم" فى آسيا الصغرى، جهز "بيبرس" حملة عسكرية فى سنة "675 هجرية" لغزو "سلاجقة الروم"، وهزمهم فى موقعة "أبلستين" وقدم له أمراء السلاجقة فروض الولاء والطاعة، ولما علم "أبغا" قائد المغول، بمقتل الآلاف من جنود جيشه فى المعركة، انتقم بقتل الآلاف من المسلمين "السلاجقة" العزل.
ولم ينس ـ بيبرس ـ الذى شارك فى معركتى "المنصورة " و"عين جالوت" أن من الصليبيين من وقف على الحياد أثناء الحرب التى وقعت بين المسلمين والمغول، ومنهم من تحالف مع المغول، وكانت سياسته التى يعمل على تطبيقها هى حماية "مصر" من الخطرين، والعمل على تحرير الأراضى التى احتلها "الصليبيون" فى الشام، و"المغول" فى العراق، وقضى سنوات حكمه مجاهدا ضد أعداء الإسلام، وفى عهده فتحت بلاد النوبة، التى عجز الفاتحون العرب عن السيطرة عليها، وظلت تدين بالمسيحية رغم أن "مملكة النوبة" جارة لمصر من جهة الجنوب، واستطاع أن يخضعها، ودخل أهلها الإسلام فيما بعد، ولم يقف جهاد ـ بيبرس ـ ضد المغول والصليبيين عند حدود القتال، بل عمل على نقل الخلافة العباسية إلى القاهرة، وله فى هذا الشأن هدف قريب وآخر بعيد، أما القريب فهو كان يريد "الشرعية" لسلطانه، والشرعية كما كان سائدا، تستمد من "الخليفة" ومن "رجال الدين"، فأحيا الخلافة العباسية وكان الخليفة هو "أبوالقاسم أحمد بن الظاهر بأمر الله" وتمت مبايعته فى القاهرة، وظل "بيبرس" الحاكم الفعلى، ومنح الخليفة الجديد لقب "المستنصر بالله"، ورغب ـ الخليفة العباسى ـ فى استرداد "بغداد" من قبضة المغول، فجهزه "بيبرس" بما تيسر له من جنود وعتاد، وقتل الخليفة وفشل فى تحقيق الهدف الذى سعى إليه، فأحضر "بيبرس" خليفة آخر هو "أحمد بن الحسن" وعقد مجلسا فى القلعة لمبايعته فى "محرم 661 هجرى ـ 22 نوفمبر 1262 ميلادى" ولقبه "الحاكم بأمر الله" وبقى الخليفة فى القاهرة، والهدف البعيد من إحيائه الخلافة فى "القاهرة" تذكير المسلمين بها، وتحريضهم على الجهاد ضد "المغول" الذين كانوا يقتلون المسلمين ويحتلون أرض الإسلام، وكأنه بتنصيب "خليفة المسلمين" فى عاصمة "مصر" يرسل رسالة قوية للمغول، مؤداها أن الإسلام له حماة، وله شعب جاهز للموت فى سبيل عزته ونصرته، وكان "بيبرس" حريصا على إعادة الحياة للجامع الأزهر، فأصلح مبانيه وأعاد له "خطبة الجمعة" التى أبطلها "صلاح الدين الأيوبى" عقب استيلائه على مصر وإنهائه حكم الدولة الفاطمية وقضائه على المذهب "الإسماعيلى" الذى فرضه الفاطميون على المسلمين طوال سنوات حكمهم، و"بيبرس" لم يقصد إحياء "الإسماعيلية" لأنه حاربهم وقاتلهم وطاردهم، لكنه قصد منح "الأزهر" مكانة أدبية وجعله "جامع" المسلمين فى مواجهة "المغول" والصليبيين الذين كانوا يحاربون الإسلام، قاصدين محوه والقضاء على المؤمنين به فى كل بقاع الأرض.
أمير الفقراء والمساكين
كان "الظاهر بيبرس" على موعد مع الحرب والمجاعة والمؤامرة، أما الحرب فهو مقاتل محترف، خاض معارك كثيرة وانتصر فيها وهى معروفة، والمؤامرة عرفها منذ طفولته البائسة واختطافه، وبيعه وجعله مملوكا، يباع فى سوق الرقيق، واستطاع القضاء على مؤامرات خصومه من المماليك، لكن المجاعة، فاجأته، وكان عليه العمل والتصرف من أجل وضع الحلول السريعة لإنقاذ "الشعب" من الموت جوعا، وإنقاذ نفسه، وهو السلطان المسئول عن الرعية ويستمد سلطانه منها..
وينقل لنا ـ دكتور هانى حمزة ـ فى كتابه "مصر المملوكية" جانبا من الإجراءات التى اتخذها "الظاهر بيبرس" لمواجهة خطر المجاعة التى شهدها المجتمع المصرى فى العام "662هجرى ـ 1264ميلادى" بقوله:
"طريقة معالجة "بيبرس" للأزمة الاقتصادية الحادة والمجاعة، خير دليل على سياسته الداخلية الحكيمة، واهتمامه بمصالح رعاياه، ففى ربيع الآخر من سنة 662هجرية، ولأسباب غير معروفة وغير مذكورة فى المراجع المعاصرة ارتفعت الأسعار، على الرغم أن الوقت كان شتاء، أى أن محصول القمح الجديد، لم يصل إلى المخازن، والاستهلاك اليومى كان من محصول العام الماضى، ارتفع سعر القمح إلى مائة وخمسة دراهم للأردب أى أكثر من ستة أضعاف سعره المعتاد، وارتفع سعر الشعير، ونقصت الأقوات فأكل الناس ورق اللفت والكرنب وعروق الفول الأخضر، عندئذ تحرك السلطان "بيبرس" لمواجهة الأزمة، بادئا بفرض "تسعيرة جبرية" ولكن لم تنجح هذه السياسة، فبادر بالذهاب إلى دار العدل بالقلعة فى السابع من ربيع الآخر، وأبطل التسعير الجبرى، واتخذ قرارات فورية فأمر ببيع خمسمائة أردب يوميا ـ للفقراءـ بكميات محدودة، لمنع إعادة البيع، وذلك من المخازن السلطانية التى فيها الغلال والأتبان الخاصة بالسلطان، ولا تفتح إلا بأمره فى أوقات "الطوارئ"، ثم نادى جميع الفقراء للحضور إلى الميدان "تحت القلعة" وأمر بتسجيل أسمائهم، وكانوا ألوفا فأخذ الكثيرين منهم، ووزع بقيتهم على ابنه "الملك السعيد" ونوابه، وأمر ديوان الجيش بحصر الأجناد والأمراء المقدمين والتجار والأغنياء على كافة صفاتهم على أن يتولى كل منهم إطعام مجموعة من الفقراء لمدة ثلاثة شهور، وصرف لكل فقير نصف درهم فى اليوم لشراء الخبز من الأسواق، وأمر بتوزيع مائة أردب يوميا من قمح المخازن السلطانية على هيئة "خبز" يوزع فى جامع ابن طولون، وتحقق المستهــدف، وانخفض سعــــر "أردب القمح" عشــرين درهما فى يوم واحد، واختفت "المجاعة" وقل عدد المحتاجين.
ومنح المصريون ـ السلطان ـ لقب "أمير الفقراء والمساكين" بسبب هذه القرارات التى أنقذت البلاد من الفوضى، وكتب المؤلفون سيرته، وخلطوا فيها الحقيقة بالخيال، ومنحوه التعظيم والتبجيل، وهو السلطان الوحيد الذى منحه المصريون هذه المنحة، فالسيرة "الظاهرية" تغنى بها شعراء مختصون بها، وكانت فى القاهرة "قهاوى" مخصوصة لهم، يجلس فيها "الزبائن" لسماع فصول من سيرة السلطان المحبوب من الشعب، الذى قيل عنه إنه كان ينزل من "القلعة" متنكرا، ويطوف "القاهرة" ليعرف بنفسه أحوال الناس، وفى شهر رمضان من كل عام كان يطعم خمسة آلاف مواطن فى كل ليلة، وروى الكثير عن تواضعه وبساطته ومشاركته الجنود فى تجهيز أرض المعركة، فكان يحمل معهم الأحجار، ويشترك فى حفر الخنادق ، وسيرة "الظاهر بيبرس" خلدت دوره فى التصدى للصليبيين والمغول، وتطورت ونمت واكتمل بناؤها ـ الفنى ـ فى بدايات العصر العثمانى، وهى فترة تمتد لقرنين من الزمان وأكثر، وتعاقب خلالها حوالى خمسة وأربعين سلطانا، وأبطال هذه السيرة يتكلمون "اللهجة القاهرية" وبها شخصيات مبتكرة، جعلها "الخيال الشعبى" أدوات تساعد "بيبرس" على تحقيق العدل، وإحراز النصر على الأعداء، ومن أبرز هذه الشخصيات "جمال الدين شيحة" وهو رجل "الخدع" والتنكر، وصاحب "الملاعيب" المشهورة عند العامة "ملاعيب شيحة"، والأسطـى "عتمان بن الحبلة" ـ سائس خيول السلطان ـ و"إبراهيم الحورانى"، و"الفداوية" أولاد إسماعيل، ويرمزون إلى "العربان" الفرسان الذين شاركوا فى الفتوحات والمعارك الكبرى التى خاضها ـ بيبرس ـ ضد أعداء الإسلام من المغول والصليبيين.
موت السلطان بيبرس
فى قصره المسمى "القصر الأبلق" فى مدينة "دمشق" كان موته، بعد عودته من الحملة على بلاد الروم "الأناضول "، وانتصاره على الجيش المغولى وأعوانه من السلاجقة والأرمن وغيرهم، ودخوله "قيصرية" عاصمة "دولة الروم" الخاضعة للاحتلال المغولى، وفى القصر كانت جلسة فرح واحتفال، شرب خلالها "القمز" المصنوع من "لبن الفرس" وهو المشروب المفضل لدى الأتراك والتتار، وذلك فى يوم "الخميس الرابع عشر من محرم 676 هجرى" وبدت عليه علامات المرض، وحاول أن يخفى مرضه عن رجاله ، وتناول دواء، من دون مشورة الأطباء، فزاد مرضه، فأخبر أطباءه، فأعطوه دواء، يبطل أثر الدواء السابق، وأصابه إسهال، وتقيأ دما، ووافته المنية يوم الخميس الثامن والعشرين من محرم، وكانت مدة مرضه، خمسة عشر يوما، وظل جثمانه بقلعة "دمشق" إلى أن قام ابنه "الملك السعيد" بتجهيز تربة وقبة بالقرب من الجامع الأموى، نقل إليها بعد شهور فى "رجب 676هجرى" وكانت أمنيته أن يدفن فى المسجد الذى أنشأه فى القاهرة بحى الحسينية أو مدرسته التى بناها فى حى الحسين "بين القصرين"، ونظرا لموته المفاجئ، ظن الناس أنه مات مسموما، فقد كان قوى البنية، متمتعا بصحة جيدة قبل أن يوافيه الأجل.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شارك الباحث عبدالبصير حسن عبدالباقي، المحرر والمترجم السابق بالإذاعة المصرية، وكبير مراسلين في بي بي سي عربي بالقاهرة حاليًا، والحاصل...
نظمت مجلة علاء الدين، ندوة حول مناقشة التأثيرات المتزايدة لإعلام الإنترنت على سلوكيات النشء، وسبل حماية الأطفال من المحتوى المضلل...
ربما تبدو الصورة للوهلة الأولى غامضة، ربما ستحتاج للحظات إلى أن تستوضحتفاصيلها وطبيعة الكتلة التي تتوسطها، لكنك فور أن تفعل،...
شخصيات لها تاريخ «92» من مواليد مدينة ليون فى فرنسا وحارب تحت قيادة نابليون بونابرت ومنحه رتبة الملازم ثانٍ تقديراً...