سينما الأسئلة الكبرى وضمير الصورة

لم يكن رحيل المخرج الكبير داود عبد السيد حدثا عابرا في تاريخ السينما المصرية، بل لحظة كاشفة لحجم الفراغ الذي تركه واحد من أكثر المخرجين خصوصية وعمقا وتأثيرا، فعبد السيد لم يكن مجرد صانع أفلام،

 بل مشروعا فكريا وجماليا متكاملا، اختار منذ بداياته أن يجعل من السينما وسيلة لطرح الأسئلة الوجودية والاجتماعية، لا أداة للترفيه السريع أو الاستهلاك العابر، ومع غيابه، يتأكد أن السينما المصرية فقدت أحد أهم عقولها القلقة، وأكثرها إخلاصا الفكرة الفن بوصفه معرفة ومسئولية.

من الوثائقي إلى السؤال الفلسفي

ولد داود عبد السيد عام 1946، وتخرج في المعهد العالي للسينما، قسم الإخراج، في وقت كانت فيه السينما المصرية تعيش مرحلة انتقالية بين الكلاسيكية والبحث عن أشكال جديدة للتعبير بدأ مسيرته المهنية في السينما التسجيلية، وهو أمر لم يكن تفصيلا عابرا في تكوينه. يل شكل حجر الأساس ارؤيته الواقعية المتأملة، فقد عمل في إخراج عدد من الأفلام الوثائقية المهمة مثل وصية رجل حكيم في شئون القرية والتعليم" و"عن الناس والنيل حيث بدا اهتمامه المبكر بالإنسان البسيط. وبالعلاقة المعقدة بين الفرد والمجتمع والسلطة والبيئة.

هذه التجربة التسجيلية صفات حصه البصري، وعلمته الإنصات للواقع قبل إعادة صياغته دراميا، وهو ما سينعكس لاحقا على أفلامه الروائية التي حافظت دائما على قدر كبير من الصدق والملمس الإنساني حتى في أكثر لحظاتها رمزية وتجريدا.

الواقعية الممزوجة بالقلق

كانت انطلاقته الروائية مع فيلم "الصعاليك" (1985). الذي شاركه في بطولته نور الشريف ومحمود عبد العزيز، ورغم أن الفيلم بدا في ظاهره أقرب إلى السينما الجماهيرية، فإن داود عبد السيد طرح اسئلته المبكرة حول التحولات الطبقية، والانتهازية، وضياع القيم في مجتمع يكتف خلف المال والسلطة، لم يكن الفيلم مجرد حكاية صديقين، بل قراءة مبكرة في أخلاق الصعود الاجتماعي المشوه.

ثم جاءت محطة أكثر نضجا ووضوحا في فيلم "الكيت كات (1991)، العمل الذي شكل علامة فارقة في مسيرته، وأحد أهم أفلام السينما المصرية في العقود الأخيرة، قدم داود عبد السيد من خلال شخصية الشيخ حسني - التي جسدها محمود عبد العزيز. نموذجا إنسانيا استثنائيا: رجل فقد بصره لكنه امتلك رؤية للحياة أكثر اتساعا ممن حوله، لم يكن الكيت كات" قيلها عن الإعاقة. يل عن الحرية، وعن قدرة الإنسان على الحلم والتمرد حتى داخل أكثر البيئات فقرا وقهرا، صنع داود عبد السيد عالقا متكاملا، يمزج بين الكوميديا السوداء والوجع الإنساني ويمنح الشخصيات هامشا نادرا من الحياة والصدق.

أرض الخوف... المحطة الفارقة

بلغ مشروع داود عبد السيد ذروته الفلسفية في فيلم أرض الخوف" (1999)، أحد أكثر الأفلام العربية جرأة وتعقيدا، في هذا العمل طرح عبد السيد سؤالا وجوديا صادقا عبر رحلة ضابط الشرطة (أحمد زكي) الذي يكلف بمهمة التغلغل داخل عالم الجريمة، ليكتشف تدريجيا أن الحدود بين الخير والشر، وبين الدور والحقيقة، ليست واضحة كما تصور

لم يكن الفيلم بوليسيا بالمعنى التقليدي، بل رحلة داخل النفس البشرية، وتأملا في السلطة، والهوية، والاختيار والمصير، استخدم داود عبد السيد السينما كأداة فلسفية. تاركا النهاية مفتوحة، ليضع المتفرج في حيرة التفكير لا الاكتفاء بالمشاهدة.

رسائل البحر وما بعدها

في رسائل البحر" (2010)، انتقل داود عبد السيد إلى نبرة أكثر هدوءًا وشاعرية، الفيلم، الذي تدور أحداثه في الإسكندرية، بدا وكأنه رسالة حب حزينة إلى مدينة فقدت بريقها، وإلى إنسان معاصر يعاني من الوحدة والاغتراب عبر شخصية يحيى (أسر ياسين)، قدم داود تأملا ناضجا في معنى الانتماء، والذاكرة، والحب، والبحث عن الذات

لم يكن الفيلم حدثا جماهيريا كبيرا، لكنه مثل امتدادًا طبيعيا المشروع داود عبد السيد الذي ظل وفيا أسينما التأمل والبطء، رافضا إيقاع السوق وضغوط الإنتاج.

سينما لا تشبه إلا صاحبها

إذا تأملنا مجمل أفلام داود عبد السيد، سنجد خيطا واضحا يربط بينها جميعا هو الإنسان في مواجهة عالم ملتيس سواء في البحث عن سيد مرزوق حيث العينية والاغتراب، أو في مواطن ومخبر وحرامي"، الذي قدم فيه رؤية ساخرة وعميقة للعلاقة بين السلطة والمجتمع. ظل داود عبد السيد منشغلا بسؤال الحرية، والاختيار والعدالة، والمعنى.

تميزت لغته السينمائية بالاقتصاد والاعتماد على الصورة أكثر من الخطابة، وبحوار ذكى لا يشرح نفسه، بل يفتحمساحات للتأويل، كما كان بارغا في إدارة الممثلين مستخرجا من كبار النجوم أفضل وأعمق ما لديهم، دون أن يتحولوا إلى نجوم شباك على حساب الفكرة.

في سنواته الأخيرة، غاب داود عبد السيد عن الإخراج.

وهو غياب لم يكن ناتجا عن عجز فني بل عن موقف واع

من واقع إنتاجي لم يعد يحتمل السينما التي يؤمن بها.

رفض التنازلات وفضل الصمت على تقديم عمل لا يشبهه.

وفي هذا الموقف، جسد مرة أخرى صورة الفنان الحقيقي

الذي يعرف على يتكلم ومتى يصمت.

وداعا صاحب الرؤية

برحيل داود عبد السيد تخسر السينما المصرية أحد أعمدتها الفكرية، وأحد القلائل الذين تعاملوا مع السينما کفن تفكير لا كصناعة فقط، لكن أفلامه ستظل حاضرة. نش... اهد وتناقش وتعاد قرك تها، لأنها لم تصنع للحظة عابرة، بل لزمن طويل

داود عبد السيد لم يقدم إجابات، بل ترك لنا أسئلة. والأسئلة الصادقة لا تموت. رحل الجسد، وبقيت السينما شاهدا على مخرج أمن بأن الصورة يمكن أن تكون أعمق من الكلام، وأن الفن حين يكون نزيها يصبح شكلا من أشكال الخلود.

 	عرفة محمود

عرفة محمود

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

أم كلثوم تعود من جديد على قناة النيل للدراما.. شكراً يا أستاذة أنعام
دواد
نبنت
عايدة رياض: خير مثال للمخرج الخلوق المبدع
لوسى: «سارق الفرح» كسر الدنيا وفاز بـ8 جوائز
داود
جمعتنى بالمخرج الكبير الراحل داود عبد السيد جلسات كثيرة على فترات كنت
داود عبد السيد

المزيد من فن

فى ذكرى ميلاده- 2 «بلوتولاند».. ثورة لويس عوض الأولى على عمود الشعر

يُعد ديوان بلوتولاند نموذجاً لرسالة لويس عوض الفكرية ورغبته الغريزية في التجديد والتجريب، وأنه كان يشعر في قرارة نفسه أنه...

عبدالحليم حافظ.. العندليب يحارب أنصاف الموهوبين رغم الرحيل

المعنى الوحيد الذي أفهمه في قضية الإبداع هو قدرة المبدع على التعبير عن الوطن والناس والتاريخ والأحلام التي تخص الشعب...

عبدالوهاب يتغزل فى وردة بأوراقه الخاصة

أوراق الوردة (15) أنوثة الحنجرة وملكة الحضور وصوت متوحش يغنى على مزاجه هل تستحق 3 أغانٍ وهابية أن تبيع وردة...

دراما رمضان تنتصر لقضايا المرأة

تركز على الطلاق والعقم والصراعات النسائية على الأموال