شهادة فاطمة حسونة تهز وجدان المهرجانات
منذ عرضه الأول ضمن قسم ACID فى مهرجان كان السينمائى الدولى لعام 2025، حظى فيلم "ضع روحك على يدك وامشِ" باهتمام واسع من النقاد والجمهور على السواء، وجود الفيلم فى «كان» لم يكن مجرد مشاركة فنية، بل كان حدثًا رمزيًا عميق الدلالة، إذ مثّل دخول الصوت الفلسطينى إلى واحدة من أرقى منصات السينما العالمية فى عروض المهرجان
استقبل الجمهور الفيلم بصمت مهيب ثم بتصفيق طويل، كأنهم يشاهدون شهادة حيّة لا مجرد عمل فنى، وقد كتبت بعض الصحف الفرنسية أن الفيلم يُعيد للسينما الوثائقية معناها الإنسانى الأول: أن ترى ما لا يريد العالم أن يراه، وبعد حضوره اللافت فى كان، واصل الفيلم رحلته نحو مهرجانات أخرى.
ففى مساءٍ مشحون بالتصفيق والتأثر، اختُتمت الدورة الثامنة من مهرجان الجونة السينمائى لعام 2025، حين أعلن المذيع فوز الفيلم الوثائقى الإيرانى "ضع روحك على يدك وامشِ" للمخرجة سبيده فارسى بجائزة "سينما من أجل الإنسانية ـ اختيار الجمهور". لم يكن هذا الفوز مجرد تتويج فنى، بل لحظة إنسانية صافية كشفت عن توق الجمهور إلى السينما التى تمسّ القلب قبل العين، فالفيلم لا يسعى إلى الإبهار البصرى بقدر ما يلاحق سؤال الوجود والمقاومة من خلال حكاية مؤلمة ومضيئة فى آن واحد، هى حكاية الصحفية والمصوّرة الفلسطينية فاطمة حسونة.
فى مهرجان كان، كان لافتًا المشهد الذى ظهرت فيه الممثلة الفرنسية جولييت بينوش وهى ترحّب بالفيلم بعد عرضه، متحدثة بعاطفة واضحة عن تأثيره الإنسانى، قالت بينوش فى كلمتها إن "ضع روحك على يدك وامشِ" ليس مجرد فيلم، بل صرخة من قلب الحقيقة، مؤكدة أن السينما يجب أن تحتفى بأصوات النساء اللواتى يوثّقن الألم بدل أن يصمتن أمامه. وأضافت: إن فاطمة حسونة، بطلة الفيلم، تمثل الجمال النادر فى الشجاعة، وأن حضور قصتها فى مهرجان كان هو بمثابة "تكريم للإنسانية نفسها"، وقد تفاعل الحضور مع كلماتها بحرارة، فى لحظة بدت وكأنها تجمع بين الفن والحداد والاحترام، لتكرّس مكانة الفيلم كأحد أكثر الأعمال صدقًا وتأثيرًا فى دورة المهرجان تلك.
سبيده فارسى، المخرجة الإيرانية المقيمة فى فرنسا، عرفت فاطمة قبل رحيلها، وراكمت معها لقاءات ومكالمات وصورًا ومشاهد متقطعة من حياتها اليومية فى غزة، ومن هذا الأرشيف المبعثر خرج الفيلم كقطعة فنية متأملة، تستحضر الذاكرة والصوت والحياة تحت القصف، فى الفيلم تحاول المخرجة أن تستعيد فاطمة التى غابت جسدًا، لكنها بقيت كاميرا وذاكرة. لم يكن المشروع سهلًا ولا محايدًا هو محاولة لترميم الذاكرة فى وجه الفناء، لتسجيل ما لا يُسجَّل عادة: الخوف، الانتظار، الضوء الذى يمر بين شقوق الجدران المهدّمة.
يبدأ الفيلم من يوميات فاطمة، فتاة شابة تحمل كاميرتها وتسير بين الأنقاض، تُصوّر ما تبقّى من البيوت، وتوثّق وجوه الأطفال والنساء، وتحاول أن تخلق توازنًا بين واجبها الإنسانى ورعبها الداخلى، فى كل مشهد، يتردد سؤال العنوان الرمزى: ماذا يعنى أن "تضع روحك على يدك وتمشى"؟، إنّه تعبير مجازى عن مواجهة الموت والعبور من خلاله، عن ذلك الإصرار على الاستمرار فى التوثيق رغم إدراك الهشاشة المطلقة للحياة.
تختار المخرجة أسلوبًا بصريًا متقشّفًا وصادقًا، الكاميرا تظل قريبة من فاطمة تشاركها الخطر، لا تراقبها من بعيد بل تتنفس معها، تهتز حين تهتز، وتسكت حين يعلو صوت الانفجار، بين المقاطع الميدانية تسجّل سبيده حوارات فيديو تجمعها بفاطمة، أحاديث قصيرة وعادية فى ظاهرها، لكنها تكشف عمق العلاقة الإنسانية بين المخرجة وموضوعها، بين المرأة التى توثّق الحرب من الخارج وتلك التى تعيشها من الداخل. هذه اللحظات الحميمية تمنح الفيلم صدقه، فهى تذكّرنا أن الحرب ليست فكرة بل تجربة يعيشها أشخاص من لحم ودم.
إيقاع الفيلم بطىء ومتأمل، لا يلهث وراء الأحداث بل يمنح المشاهد فرصة أن يسمع الصمت، أن يرى ما بين اللقطات، أن يشعر بالثقل الحقيقى للدمار، النبرة تسير بين الأسى والأمل، بين مشهد بيت مدمر وصوت طفل يضحك، بين العتمة ونور خافت يطل من بعيد، فى النهاية حين تغيب فاطمة لا يضع الفيلم نقطة ختام بل يترك الجرح مفتوحًا، كأنه يقول إن الحكاية لم تنتهِ، لأن الكاميرا لا تزال تلتقط الحقيقة فى مكان آخر.
شخصية فاطمة حسونة تحتل مركز الفيلم كلّه، هى ليست بطلة بالمعنى الدرامى، لكنها بطلة بالمعنى الإنسانى العميق، مصوّرة شابة آمنت بأن الصورة قد تُحدث فرقًا، وأن العدسة يمكن أن تكون أداة عدالة فى زمن الصمت، تقول فى أحد المقاطع: "أريد أن أموت موتًا يسمعه العالم"، وكأنها تنبأت بمصيرها حين استُهدفت غارة إسرائيلية منزلها فى السادس عشر من أبريل 2025، بعد رحيلها لم تعد مجرد مصوّرة، بل رمز لكل من رفع الكاميرا فى وجه الحرب، وجودها فى الفيلم رغم غيابها الجسدى يمنح العمل طابعًا مأساويًا مضاعفًا، فهى الحاضرة الغائبة، التى تروى قصتها بنفسها بينما يتردّد صداها فى أصوات الآخرين.
أفكار كبرى بلا وعظ
الفيلم يطرح أفكارًا كبرى دون أن يعظ، التوثيق هنا ليس عملية باردة، بل فعل مقاومة، العدسة سلاح ضد المحو، والذاكرة جدار فى وجه النسيان. من خلال تجربة فاطمة، يتأمل الفيلم معنى الحياة وسط الموت، وكيف يمكن للإنسان أن يجد فى التصوير أو فى الفن وسيلة للبقاء، العدالة، المساءلة، الغياب، الحلم، كلها تتقاطع فى صورة واحدة، فى لقطة صغيرة داخل بيت مهدّم، هو فيلم عن غزة لكنه فى جوهره فيلم عن الإنسان فى كل مكان تُختبر فيه الكرامة والنجاة.
نقديًا، يكمن سر قوة الفيلم فى صدقه العاطفى وجرأته، لم يعتمد على خطاب سياسى مباشر، بل على تفاصيل الحياة اليومية التى تُحسّ ولا تُقال، بعض النقاد رأى أن الإيقاع المتأمل الطويل قد يصعّب التلقى على المشاهد العادى، لكنه مقصود كى يتيح التماهى مع الزمن الواقعى للحصار والانتظار.. بالمقارنة مع أفلام وثائقية أخرى عن الحرب، يتميّز هذا العمل بتركيزه على مصوّرة واحدة، كاميرا واحدة، حياة واحدة، مما يمنحه عمقًا إنسانيًا نادرًا.
الفوز فى مهرجان الجونة لم يكن صدفة، فالجائزة التى اختارها الجمهور تعبّر عن علاقة الفيلم بالناس لا بالنقاد فقط، الجمهور رأى فى العمل مرآة لآلامه وكرامته، ووجد فيه درسًا فى الإنسانية الصافية، وبفضل مشاركته أيضًا فى مهرجان كان ضمن قسم ACID، انتقلت قصة فاطمة من شوارع غزة إلى صالات السينما العالمية، لتصبح صوتًا لمن لا صوت له.
بين المكالمات، واللقطات الأرشيفية، ومشاهد الأنقاض، تتسلل لحظات صغيرة من الحياة: فاطمة تُحضّر الشاى، طفل يركض خلف طائرة ورقية، امرأة تغنى لرضيعها فى الظلام، هذه التفاصيل تمنح الفيلم حرارة بشرية وسط برودة المأساة، وتذكّرنا أن تحت الركام ما زال قلب ينبض. وفى المشهد الأخير، حين يختفى الصوت وتظل الصورة صامتة، يدرك المشاهد أن الروح التى كانت تُمسك بالكاميرا لم ترحل، بل انتقلت إلينا جميعًا، تطلب فقط ألا نغضّ النظر.
"ضع روحك على يدك وامشِ" ليس مجرد فيلم وثائقى، بل شهادة فنية وإنسانية على زمن الدم والضوء، إنه دعوة لأن نحمل أرواحنا بأيدينا ونواصل الطريق، لأن الحكاية لا تنتهى ما دامت هناك كاميرا ترى، وصوت يصرّ على أن يُسمع.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يواصل الفنان عمرو سعد تصوير مشاهد مسلسله «إفراج »، وصوّر بعض مشاهد المطاردات فى شوارع القلعة الأسبوع الماضى.
عاد الفنان طارق لطفى لتصوير مشاهد مسلسله «فرصة أخيرة »، الذى ينافس به فى الموسم الرمضانى.
يواصل صناع مسلسل «صحاب الأرض » تصوير مشاهده فى مدينة الإنتاج الإعلامى.
يعود الفنان اللبنانى معتصم النهار إلى القاهرة بعد عيد الفطر المبارك مباشرة، لاستكمال تصوير مشاهده فى فيلم «نصيب »، الذى...