سعيد الشحات: أم كلثوم كانت نموذجاً لانشغال الفنان واهتمامه بقضايا وطنه

بذلت كل ما لديها من مال وفن لدعم المجهود الحربى بنت مصــر البــارة

تملك السيدة أم كلثوم تاريخا غنائيا حافلا، كما كان لها دور وطنى بارز يضاف إلى تاريخها الفنى الطويل، حيث قدمت إسهامات كبيرة وعظيمة لصالح المجهود الحربى بعد النكسة.. ولأنها كانت قبلة العرب وتراثا عابرا للمكان والزمان فإن دورها الوطنى لم يكن مصريا فحسب، بل كان عربيا وعالميا.

فالوطنية وحب مصر وتفضيلها على مصلحتها الشخصية من أهم اسرار خلود أم كلثوم فى قلوب كل المصريين بل والعرب، تلك الوطنية التى اتضحت فى عظمة مواقفها وتقدمها الصفوف مع كل موقف صعب يحل بهذا الوطن.

لم يبدأ الدور السياسى لكوكب الشرق أم كلثوم مع "النكسة"، بل يعود إلى السنوات الأولى لثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، فلم تنفصل الفنانة الكبيرة عن الواقع السياسى فى الجمهورية الجديدة، وكان صوتها حاضرا فى كل مناسبة وطنية وقومية.. وجاءت النكسة لتقول: "لن يغفل لى جفن وشعب مصر يشعر بالهزيمة".. وكانت تشعر مثلما كان يشعر كل الشعب المصرى بالاحباط والاكتئاب، لكنها لم تقف مكتوفة الأيدى وفكرت على الفور كيف تساعد جيشها

فعقب النكسة وبالتحديد يوم ١٧ يوليو توجهت لبنك القاهرة وقدمت إلى لجنة قبول تبرعات الذهب كيسين كبيرين بداخلهما ٢٠٠٠ جنيه ذهب وزنهما ١٥ كيلوجراما و٨٠٠ جرام كان الملك سعود بن عبد العزيز أهداها اليها وقيمتهما بالعملة المصرية انذاك نحو ١٥ ألفا و١٦٨ جنيها.. وفى نهاية يوليو عقدت بوصفها رئيسة "هيئة التجمع الوطنى للمرأة المصرية" اجتماعا مع كبار تجار الذهب فى مدينتى القاهرة والاسكندرية بعد أن وجهت إليهم الدعوة للمشاركة فى حملة التبرع بالذهب لصالح المجهود الحربى، وبلغت الحصيلة لتلك الحملة طوال شهرى اغسطس وسبتمبر حتى نهاية أكتوبر أكثر من ١٠٠ كيلو ذهب، و٧٦ ألف دولار كان قد أرسلها إليها الشيخ دعيج السلمان الصباح فى الأسبوع الأول من شهر أغسطس مشاركة منه فى المجهود الحربى.

كما سخرت فنها وصوتها وأغانيها من أجل دعم بلادها، حيث قررت أن تحيى حفلتين شهريا وتخصص كل العائد منهما لدعم تسليح الجيش. وبدأت فى إقامة حفلات فى المحافظات المختلفة، وكانت أولى حفلاتها فى دمنهور وكان إيرادها 40 ألف جنيه، ثم أحيت بعد ذلك حفلة بمدينة الإسكندرية وصل إيرادها لـ100 ألف جنيه، ثم فى المنصورة ووصل إيرادها لـ120 ألف جنيه.. كما قدم لها عضوان من الاتحاد الاشتراكى ٣٠ كيلوجراما من سبائك الذهب ثمنها ٢٧ ألفا و٦٠٠ جنيه جمعاها من مواطنى البحيرة لتبلغ حصيلة ما جمعته نحو ٧٥ ألفا و٩٠٠ جنيه مصرى.

ولم تكتف بحفلات بمصر فقط بل خرجت لتغنى على مسارح الدول العربية والأوروبية فقدمت حفلة بباريس كان إيرادها 212 ألف جنيه إسترلينى ومنها إلى الدول العربية، وكانت رحلتها العربية الأولى فى هذا الإطار إلى المملكة المغربية حيث غنت ٣ أيام متواصلة وحصلت المؤسسات الرسمية والمصالح الحكومية على إجازة رسمية من أجل حفل أم كلثوم.

وبعد عودتها من المغرب طارت إلى الكويت واستقبلتها الصحافة الكويتية بحفاوة كبيرة وكان ذلك فى عام ١٩٦٨، وحصلت على 100 ألف دينار كويتى للمجهود الحربى.

وسافرت سيدة الغناء إلى تونس بدعوة من رئيسها وزوجته، وأحيت حفلتين هناك مقابل ٢٤ ألف جنيه إسترلينى تم تحويلها للمجهود الحربى أى ما يعادل ١٠٠ ألف دينار تونسى.

ومن تونس إلى السودان، الذى قضت به ٩ أيام وأحيت حفلتين حولت دخلهما الذى بلغ ٢٤ ألف إسترلينى لصالح المجهود الحربى.. وظلت صحافة السودان تتحدث عن جهودها على مدار شهر كامل.

وبعد عطلة قليلة سافرت إلى ليبيا فى مارس ١٩٦٩ فى رحلة بلغت ١٢ يوما، غنت خلالها فى طرابلس وبنغازى ووصل دخل الحفلتين إلى ١٥٠ ألف جنيه مصرى.. أما أجرها عن الحفلتين فقد بلغ ٢٦ ألف جنيه حولتها لصالح المجهود الحربى.

وبعد دعوة من حاكم أبوظبى للغناء، وافقت على إحياء حفلتين عام ١٩٧١ بالتحديد يومى ١٥ و١٧ أكتوبر.. وأثناء زيارتها للشيخ زايد أهدى لها عقدا ضخما مكون من ١٨٨٨ لؤلؤة وقلادة هندية.. وتقاضت ام كلثوم عن الحفلتين فى أبوظبى ما يقرب من ٢٤ ألف دينار إماراتى و٢٠ ألفا عن تسجيل الحفلتين حولتها كعادتها لصالح المجهود الحربى.

وكانت رحلة السيدة أم كلثوم إلى أبوظبى هى الرحلة الخارجية الأخيرة لصالح المجهود الحربى، فلم تقدم بعدها لصالحه إلا حفلا واحدا فى خريف ١٩٧٢، عقب عودتها من رحلة علاجية طويلة فى النمسا.

بينما يؤكد الناقد والمؤرخ الفنى محمد شوقى أن السيدة أم كلثوم هى تصوير حقيقى وفعال لفكرة دور الفنان فى خدمة قضايا بلاده النابع من حبه الشديد لها، حيث كانت داعمة للعديد من الجمعيات الخيرية والأيتام وجمعية النور والأمل فى العهد الملكى، بل وأقامت حفلات عديدة لدعم أندية الأهلى والزمالك والترسانة.. وعندما جاءت الثورة غنت فى كل المناسبات القومية، هذا بالإضافة إلى دورها فى المجهود الحربى.

ويضيف: "لأنها اعلى المطربات اجرا فى ذلك الوقت كانت تلك الحفلات هى وسيلتها لدعم بلادها من خلال غنائها فى الدول العربية وفى باريس، وهو ما جعل الرئيس أنور السادات عندما كرم أبطال حرب أكتوبر يكرمها ويرسل لها خطابا بهذا المعنى".

أما الكاتب الصحفى سعيد الشحات، ومؤلف كتاب أم كلثوم وزعماء مصر، فيؤكد أن كوكب الشرق كانت نموذجا لانشغال الفنان واهتمامه بقضايا وطنه، فنجدها أثناء العدوان الثلاثى على مدن القناة تبرعت بمبلغ 10 آلاف جنيه لإعادة إعمار المدينة من جديد، هذا بالإضافة إلى الأغانى التى غنتها لبلادها لتحمس الجنود للمقاومة، ولم تكن مساهمتها مصرية فقط بل دعمت ثورة الجزائر والوحدة بين مصر وسوريا وجهود الاستقلال للدول العربية، وصولا إلى دورها فى النكسة من خلال حفلاتها وإطلاقها جمعية التجمع الوطنى للمرأة، وتجمع المرأة العربية للعمل الأهلى وغيرها من الجمعيات الخيرية التى كان هدفها الوحيد جمع التبرعات للمجهود الحربى.

وعن إطلاق لقب سلاح عبدالناصر السرى عليها أكد أنها لم تكن كذلك، بل إنها أحبت الزعيم الراحل وآمنت بمشروعاته لحبها الشديد لبلادها، فقررت الغناء لكل حدث مر على مصر فى هذه الفترة لإيمانها الشديد به وليس مجاملة أو نفاقا للحاكم، وهذا الايمان جعلها رمزا لكل العرب وليس مصر فقط.

 

 	إيمان الخولى

إيمان الخولى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الشعب المصرى يودّع كوكب الشرق بالدّموع فى يوم 3 فبراير 1976
رفلة
فيلم
أم كلثوم تعود من جديد على قناة النيل للدراما.. شكراً يا أستاذة أنعام
السيدة أم كلثوم.. سيدة الغناء العربى وحاملة راية الوطنيــة المصرية
مأمون
ثومة
فيلم

المزيد من فن

عمرو سعد يصوّر «إفراج» فى القلعة

يواصل الفنان عمرو سعد تصوير مشاهد مسلسله «إفراج »، وصوّر بعض مشاهد المطاردات فى شوارع القلعة الأسبوع الماضى.

طارق لطفى و «فرصة أخيرة» فى شوارع شبرا

عاد الفنان طارق لطفى لتصوير مشاهد مسلسله «فرصة أخيرة »، الذى ينافس به فى الموسم الرمضانى.

وحدة تصوير ثانية ل «صحاب الأرض»

يواصل صناع مسلسل «صحاب الأرض » تصوير مشاهده فى مدينة الإنتاج الإعلامى.

معتصم النهار يعود لـ«نصيب» بعد رمضان

يعود الفنان اللبنانى معتصم النهار إلى القاهرة بعد عيد الفطر المبارك مباشرة، لاستكمال تصوير مشاهده فى فيلم «نصيب »، الذى...


مقالات

منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م
شارع المعز لدين الله
  • الخميس، 26 فبراير 2026 09:00 ص