ماذا لو حاولنا وصف المسرح المصرى فى السنوات الأخيرة، ولا أقصد فقط القراءة النقدية وتحليل مفردات العرض المسرحى، ولكن أيضاً السياسات المسرحية وأقصد كيف يتم إدارة مسرح الدولة بكل قطاعاته
وماذا ينتج كماً وكيفاً، وعدد العروض التى ينتجها كل مسرح فى الموسم، وهل يعمل كل مسرح وفقاً لهويته أم يتم الإنتاج كيفما اتفق. وماذا عن عدد المسارح مقابل ملايين المصريين.. هل فى تزايد أم يتناقص، وماذا عن عدد المهرجانات المسرحية، وهل يذهب الجمهور إلى المسرح بما يتناسب مع أعداد المصريين؟ ورغم أنها أسئلة بديهية وضرورية أيضاً إلا أنها غائبة تماماً!
فى البداية علينا أن نعى أننا لدينا أزمات عديدة تراكمت وترسخت عبر سنوات بل وعقود سابقة، والحل هو مناقشة هذه الأزمات ووضعها على طاولة الحوار والاعتراف بوجودها. وبنسبة كبيرة هناك هوة شاسعة بين ممارسات المؤسسة الثقافية الرسمية التى تدير المسرح وما يحدث على أرض الواقع، وهذا ترسّخ عبر سنوات، لهذا يجب أن تكون هناك سياسات ثقافية واضحة للنهوض بالوعى بعيداً المهرجانات والاحتفالات. فقديماً وحين كان المسرح مستقلاً لم تكن هناك مهرجانات للمسرح، كان هناك عروض مسرحية عديدة تستمر شهوراً أو ربما سنوات، كانت الفرقة الواحدة تنتج عرضاً كل شهر تقريباً، كانت تحقق ربحاً كبيراً، كانت تسافر داخل مصر فينتظرها الأهالى ويحتفلون بقدومها، كانت الفرق تطوف المدن المصرية والعربية، تركب البحر إلى أوروبا لتقديم عروضها للجمهور فى كل مكان، واليوم لدينا مهرجانات أكثر من العروض! لقد عاش المسرح قبل خمسينات القرن الماضى مستقلاً دون مؤسسة رسمية، وقدم مسرحيات وطنية ساهمت فى مناقشة قضايا المجتمع وأسئلة اللحظة الراهنة دون أن يتخلى عن القيمة الفنية.
كان العرض المسرحى يمثل وحده مهرجاناً يمتد لأسابيع وشهور وأحياناً سنوات، وكان النجاح يمنحه الجمهور ومدى تفاعل المشاهد مع العرض وتعبيره عن أسئلة الواقع بالإضافة إلى المستوى الفنى، أما فى السنوات الأخيرة فأصبح العرض المسرحى يعنى أن يدخل هذا المهرجان أو ذلك وهل سيحصل على جائزة أم لا، وهل سيسافر إلى مهرجان آخر خارج الحدود، ما أقصده.. لقد تم تغيير مفهوم المسرح والعرض المسرحى، وأصبح تجارة رابحة لمن يصنعونه وخاسرة للجمهور، ودون شك للدولة المصرية التى تدفع الملايين كل عام فى ميزانيات لإنتاج العروض وصناعة المهرجانات دون فائدة تعود على الجمهور.!
والملاحظ فى السنوات الأخيرة أن العروض المسرحية ودور العرض فى تناقص وأعداد المهرجانات فى ازدياد، وهى ظاهرة غير طبيعية، فماذا عن العروض المسرحية، وماذا تقدم، وهل ثمة علاقة بين تناقص المسارح والمسرحيات مقابل الاهتمام بالمهرجانات والرغبة فى تسييد هذه الظاهرة؟ وظنى أن هناك علاقة حتى وإن كانت غير متعمدة أو غير منظمة أدت إلى أن تكون العروض المسرحية القليلة عروضاً بعيدة عن الواقع وأسئلة اللحظة الراهنة، عروض لن يتفاعل معها الجمهور.
وفى قراءة سريعة لصورة المسرح المصرى الآن يمكن وصفه من خلال هذه النقاط:
أولاً: غياب شبه تام لمسرح القطاع الخاص أو ما نسميه المسرح التجارى بعد أن كان أحد الروافد المهمة للمسرح.
ثانياً: تراجع ملحوظ للفرق المسرحية المستقلة بعد ازدهار كبير فى تسعينات القرن الماضى ومطلع الألفية الثالثة.
ثالثاً: غياب تيار المسرح الشعبى / المصرى بعد هدم مسرح السامر بعروضه ورموزه، وحتى بعد إعادة بناء المسرح الذى جاء فى صورة مبنى تقليدى بعيداً عن فكرة السامر المعنى والمبنى! أى أصبح مجرد فضاء مسرحى تقليدى لقصور الثقافة.
رابعاً: تراجع دور المؤلف صاحب الرؤية / الموضوع التى تؤدى إلى التنوع وتناقش قضايا اللحظة الراهنة من خلال التركيز على علاقة المسرح بالواقع. واستبدال المؤلف، بالإعداد والدراماتورج وقيام المخرج بالوظيفتين لتقدم أغلب العروض مجموعة من الاسكتشات التى تخلو من المسرح.
خامساً: الاعتماد على الورش المسرحية فى الكتابة والتى اعتمدت بدورها على إعادة تدوير الواقع من خلال طرح مجموعة من الخواطر والمشاكل الشخصية فى عروض تطرح مجرد مشاكل عائلية وشخصية وحكايات متشابهة من حيث الشكل والمضمون فى صورة لوحات تخلو من الرؤية.
سادساً: إذا وضعنا عنواناً للمسرح فى السنوات الأخيرة سيكون مسرح الانتقاد الاجتماعى الذى يجسد بعض أمراض المجتمع ويبكى على لبن الماضى المسكوب من عادات وتقاليد مثل «مشاكل الأسرة، العلاقات بين الأصدقاء، العلاقات الزوجية، المرأة المقهورة، التنمر، الظلم الاجتماعى، طرق التربية، علاقة الآباء بالأبناء» وبالطبع غياب المسرح السياسى بكل أشكاله لصالح كوميديا النقد الاجتماعى..
سابعاً: تراجع أعداد العروض المسرحية بشكل ملحوظ وخاصة فى إنتاج البيت الفنى للمسرح، وإنتاج العروض القليلة فى اللحظات الأخيرة أى فى الأسبوع الأخير من شهر يونيو.
وبالطبع هناك نقاط أخرى.. فما ذكرته على سبيل المثال. وإذا تأملنا إنتاج موسم 23 / 24 حتى نتحقق من بعض الملامح السابقة سنجد أن المسرح القومى لم ينتج سوى عرضين، الأول «رصاصة فى القلب» فى مارس الماضى والثانى «مش رميو وجولييت» الأسبوع الماضى أى قبل انتها الموسم بأيام، العرض الأول تجربة مكانها مسرح الشباب وليس المسرح القومى، والعرض الثانى «أوبرا شعبية» كان من المفترض أن يكون فى مسرح البالون، فثمة غياب واضح للسياسات المسرحية وافتقاد تام لهوية المسارح ناهيك عن ضعف الإنتاج الذى جعل أعرق المسارح المصرية يقدم عرضين فقط فى الموسم، والمسرح القومى يحتاج إلى مراجعة فى إدارته، فمنذ افتتاحه بعد الحريق وتوقفه ست سنوات، أنتج فى الفترة من 2014 وحتى 2024 ما يقرب من 15 عرضاً على الأكثر بعد أن كان يقدم للجمهور سبعة عروض فى الموسم الواحد على الأقل. وبالمثل المسرح الكوميدى أنتج عرضين «يوم عاصم جداً، والعيال فهمت» والثانى تم افتتاحه فى أيام عيد الأضحى أى قبل انتهاء الموسم بأيام أيضاً! أما مسرح الطليعة فقد أنتج فى الأسبوع الأخير من يونيو أى فى نهاية السنة المالية عرضين من أصل خطة من أربعة عروض، الأول أوبرا العتبة من كتابة وإخراج هانى عفيفى والثانى نهاية اللعبة تأليف صموئيل بيكيت. والمسارح الأخرى ليست أحسن حالاً فبعضها أنتج عرضين والبعض لم ينتج، وفى المقابل المهرجانات كما هى فى ازدياد، وتقريبا لدينا ستة مهرجانات دولية وهى «القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، إيزيس لمسرح المرأة، المونودراما، مهرجان الجنوب، ملتقى المسرح الجامعى، شرم الشيخ» ستة مهرجانات من المفترض أنها دولية كلها تضع هذه الصفة فى العنوان، وفيما عدا التجريبى كلها مهرجانات حديثة لا تقيمها وزارة الثقافة بل تدعمها وتقام برعايتها حيث تشارك جهات أخرى فى تمويلها!
هذا بالإضافة إلى المهرجانات الأخرى المحلية مثل القومى ومهرجانات قصور الثقافة، وأيضاً ما تقدمه المعاهد المسرحية مثل المهرجان العربى والعالمى، وهى مهرجانات ضرورية مطلوبه فالقومى يقدم النتاج المصرى بكل أطيافه حتى وإن شاهده أهل المسرح فهو يقدم بانوراما للهواة والمحترفين أقرب إلى تقرير سنوى عن الحالة المسرحية فى مصر، وهناك مهرجانات أخرى يتم استحداثها وإضافتها مثل الميكروتياترو، ومسرح بلا إنتاج، ومهرجان آفاق، ومهرجانات الهواة بأنواعها، وأخرى لا أذكرها، ودون شك هناك مهرجانات لا أعرفها وأستطيع القول إننا فى مصر لدينا مهرجانات تفوق أعداد المبانى المسرحية، وإذا نحينا العروض التى تنتجها قصور الثقافة فى القاهرة والأقاليم ومسارح الهواة والمسرح الجامعى سنقول أيضاً إن عدد المهرجانات فى مصر أكبر من عدد العروض الاحترافية التى ينتجها البيت الفنى للمسرح وقطاع الفنون الشعبية، والغريب أننا عكسنا الأعراف والتقاليد، ففى أحيان كثيرة ننتج العروض من أجل المهرجانات بل وتموت وتنتهى بانتهاء الحفل أو المهرجان.
والنتيجة أن ما نسميه مسرح الدولة لم يعد الجمهور يعرفه أو يتفاعل معه إلا فى حالات نادرة وسوف يكون السبب أحد النجوم. وأيضاً أصبح المسرح يعنى بالنسبة لأهله (أى المسرحيين) مجموعة من المهرجانات والاحتفالات فى ظل غياب السياسات المسرحية وفوضى الإدارة التى أدت إلى الصورة السابقة وأدت أيضاً إلى إعادة جزء من ميزانية الإنتاج لوزارة المالية! وظنى أنه إن لم تراجع وزارة الثقافة الطريقة التى يدار بها مسرح الدولة فى ظل غياب رؤية واضحة أدت إلى ضعف الإنتاج كماً وكيفاً سيصبح هذا المسرح مجرد ذكرى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
كلما قرأت لويس عوض 5/1915) (9/9/1990 أسأل نفسي من هو؟ سؤال يطرحه كل كتاب وضعه، سواء في الفكر أو النقد...
كان يوم 3 فبراير 1976 يوما من أيام الحزن في تاريخ وحياة الشعب المصرى، لا يقل حزنه فيه عن أيام...
« Sinners» و « One Battle After Another» يتصدران أغلب الترشيحات فيلم المخرج رايان كوجلر يدخل التاريخ بحصوله على 16...
هل يخشى نجوم الدراما التغيير؟ أحمد سعد الدين: نجاح البطل والمؤلف والمخرج فى تجربة مشتركة يدفعهم غالباً لإعادة تقديمها