رحلة البحث عن المخلّص فى ضمير الجماعة الشعبية

يسرى الجندى الكاتب والقضية (3)

استمر يسرى الجندى فى الانحياز للجماعة الشعبية ليقدم رؤية أخرى للبطولة والانتصار للجماعة من خلال التاريخ العربى فى نص «الساحرة»،

 حيث يطرح من خلاله فكرة محورية تمثل البنية العميقة للحكاية وهى الانهيار العام فى بنية مجتمع ما، وحالة الموات التى وصل إليها، محاولاً تأكيد هذه الفكرة من خلال مجموعة من الرموز كونت البنية العميقة للنص.. ممثلة فى حالة فقدان الوعى وتسييد الحياة الغيبية التى نعيشها ليس فقط على مستوى الواقع الآنى ولكن يعود المؤلف إلى الوراء ليأتى بماضٍ أيضاً منقسماً على ذاته وهو صورة طبق الأصل من الواقع الحالى! فقط الاختلاف فى آليات الحياة وما يتفق واللحظة التاريخية ليبرهن على أنه لا شىء تغير منذ زمن «الصحصاح على» مروراً بتاريخ طويل وحتى «آدم الحلوانى» الساكن فى حوش فقير مع أنه ورث نصف مصر القديمة عن جده، والميراث ليس فقط مادياً، بل ميراث آدم الحلوانى كان ميراثاً حضارياً.

ومن المؤكد أنه فى هذا النص أراد إضاءة ما يحدث فى الحاضر مستعيناً بحوادث الماضى باحثاً عن أصل الداء المتفشى الآن، بالعودة إلى زمن بعيد.. وهى شائعة فى أعماله من خلال بعث شخصيات مؤثرة وفاعلة من التاريخ أو الحكايات، وهذا ليس حنيناً للماضى بقدر ما هو محاكمة لهذا الماضى ويقولون: لا شىء تغير، نحن كما كنا وربما سوف نكون هكذا! و«الساحرة» نص مسرحى ذو بنية مركبة على مستوى الزمن والرمز ودلالته من خلال رؤى ملحمية تعنى كثيراً بالرصد والتسجيل وأيضاً المناقشة وهى من الملامح التى لم يتخلَّ عنها يسرى الجندى فى مسرحه وأيضاً أعماله التليفزيونية، فالزمن مزاوجة بين زمن «الصحصاح على» والتسعينات من هذا القرن ممثلة فى مواطن يعيش فى مقبرة ويتساءل بعد ستين عاماً عن جدوى حياته من خلال مونولوج داخلى يستعرض فيه الحياة السياسية فى مصر من ثورة 19 وحتى تسعينات القرن الماضى، زمن تقديم العرض على خشبة المسرح القومى من إخراج محسن حلمى، وهذه دلالة محورية وأساسية ليس فقط فى هذا العرض بل فى كل أعماله، فبين الماضى والمعاصر يطرح الكاتب رؤيته لتتداخل الأزمنة فى فضاء الحكاية وهى ليست فقط مزجاً بين زمنين، ولكن التنقّل عبر الزمن يخلق حالة زمنية مركبة يحاول من خلالها يسرى الجندى التأكيد على فكرته من خلال عدة رموز اتسعت للعديد من الدلالات، فنحن أمام رمز فضفاض حاول المؤلف من خلاله إشباع الدلالة بدلالات أخرى عديدة، تصب فى رؤية رئيسية وهى حالة فقدان الوعى ليؤكد العرض فى نهايته على أن فعل الوعى أو تغير حالة اللاوعى إلى وعى قد تم، وإن كان الفعل سلبياً من خلال موت الموظف الذى مات حين فهم، إذن فقد تم الفعل الذى يرغبه المؤلف وهو الوعى وإن كان قد تم بشكل تقريرى، أما هذه الرموز والدلالات فقد تمثلت أولاً فى الساحرة، فهى الرمز المحورى فى النص، فهى الراوية وتمثل حلقة الوصل بين الأزمنة والتى تتعامل مع المستويين الزمنيين فى حين أن كل مستوى منهما لا يشهد الآخر ولا يتعامل معه.

ودلالة الساحرة هنا شائكة، فمن خلال الحدوتة التى يطرحها النص وهى المزاوجة بين القصة الشهيرة لعلى الصحصاح الرمز البطل الذى دافع عن الفقراء ضد السلطة المستبدة ليفاجأ بأن الشعب لا يعى شيئاً ويتخلى عنه عند أول منحى، ليقابل المؤلف بين هذه القصة التاريخية وبين قصة واقعية فى حارة مصرية من خلال ما يحدث لآدم الحلوانى وأصحابه، وتكون الساحرة هى حلقة الوصل أو الممر الذى يتم من خلاله التنقل بين الأزمنة من خلال إقامة محكمة كبرى.. لكل ما يحدث فى الماضى والحاضر وتستحضر على الصحصاح الرمز/ المخلّص/ البطل لإنقاذ الأمة، فلماذا ساحرة هى التى تفعل هذا؟ تساءلت فى البداية ولكن يبدو أن المؤلف قصد أننا بالفعل نحتاج إلى حل سحرى لإنقاذنا مما نحن فيه وليس السحر بمعنى الغيب والتغيب ولكن بقصد أننا فى حاجة إلى فعل خارق!

وفى مطلع الألفية الجديدة واصل البحث عن الرمز البطل / المخلّص القادم من السير الشعبية أو التاريخ ويأتى هذه المرة بشخصية من ألف ليلة وليلة يبعثها على خشبة المسرح وهو «معروف الإسكافى»، وقدمها برؤية تناسب العصر، ورغم احتفاظ يسرى الجندى بالفنتازيا وخيال الليالى إلا أنه وضع شروطه هو فى النص المسرحى، شروطه التى تبرر كتابة هذا النص ومنذ اللحظات الأولى فى العرض أو السطور الأولى فى النص من قبل يحدث التعاطف مع شخصية شهريار فهو شخصية واعية وقوية يقول لشهرزاد «أشعر بالعجز أمام فساد الدنيا وطبيعة هذا المخلوق الأحمق، خلل مهلك لا أملك تقويمه، حتى لو كانت رقعة ملكى كل الأرض حتى لو كان السلطان يكفى دون حدود» ثم تخبره شهرزاد عن حكايتها هذه الليلة بعد أن سئم الحكايات وتغريه بأن معروف الإسكافى «يملك ما لا تملك يا مولاى» وهى جملة محورية فى النص وحين يعترض شهريار تخبره بأن معروف يقهر فى الناس اليأس وحياتهم الشبحية، يطلقهم من أسر العجز فيطيرون معه وسوف يستمر هذا المضمون حتى النهاية.. خطان لن يحيد عنهما النص ويحافظ عليهما العرض أيضاً.. اختلاف شخصية شهريار وقوته والجانب الإنسانى الذى سوف يدفعه للتعاطف مع معروف، وأيضاً شخصية معروف التى لا تعرف اليأس وتسعى للأمل فإذا كان ثمة فعل درامى لهذه الشخصية فهو الحلم والأمل ومحاولة أن يعمل الناس هذا معه، وقد اختار يسرى الجندى السوق ليكون مسرحاً للأحداث سواء فى بلدة معروف أو حين تحمله الجنيّة رفيف إلى مملكة البحر المسقوف ومنها إلى جزيرة النعاس حيث يواجه مصيره هناك فى السوق أيضاً ودلالة السوق واضحة وقوية، فزوجة معروف «دمدمة» تؤكد له أن الحب هناك فى السوق وبه المال ومن غيره يدوس الناس على معروف.. فالرجل ينظر إلى الدنيا. والمرأة التى تمثل الغالبية لا تعتقد إلا فى السوق وقوانينه وفساده، والمشكلة - كما يجسدها النص - أن معروف هو الأكثر وعياً فى عالم يعانى من أزمة الوعى أو قُل غيابه ويخضع لقوانين السوق، وبعد أن يتآمر السوق على معروف تحمله «رفيف» إلى عالم البحار ومملكة الجان وسوف يصل بنا المؤلف فى النهاية إلى دلالة مملكة الجان التى هى السيطرة والهيمنة الأمريكية، فثمة معاهدة بين ملك الجان وملك جزيرة النعاس، واسم الجزيرة ذات دلالة قوية حيث يمنع السؤال عن أى شىء فى الجزيرة ولا يرتدى أهلها سوى اللون الأصفر، ويكون الرهان بين ملك الجان وابنته رفيف أن يغرى معروف - هذا الكائن - أهالى الجزيرة ويجعلهم يعرفون الألوان وإن كان فى هذا خطر على مملكة الجان، ينجح معروف ويحقق أحلامه وينتصر الوعى على السوق / عصر الاستهلاك ولكن يلقى معروف حتفه فى النهاية ولكن بعد أن يكون قد فعل ما يريد، إنه نموذج البطل الذى يحرص يسرى الجندى على تقديمه، وهو البطل المخلّص الفاعل الذى يملك القدرة على الفعل فى مواجهة حتمية.

لم يتخلَّ يسرى الجندى عن التاريخ ورموزه الفاعلة والمؤثرة، لم يتخلَّ عن البطل الشعبى الذى ينتصر للجماعة حتى فى الاحتفالات الدينية والقومية، ففى عام 1994 كتب احتفالية المولد النبوى تحت عنوان «الليلة المحمدية» فجاءت بمثابة قراءة جديدة للواقع.. من خلال محاكمة حضارة القرن العشرين.. ورصد حقيقى للأحداث الجارية وتحليلها، وما يتعرض له الإنسان من ظلم، مزج فيها بين الماضى الحاضر بل وحاول استشراف المستقبل.. لتختلط الأزمنة وتتكوم اللحظات التاريخية على مدى قرون عديدة من العصر الجاهلى وحتى تسعينات القرن الماضى خلال ساعتين على خشبة المسرح فى محاكمة لقوى الشر التى تتنازع العالم، ويلجأ أيضاً إلى فكرة الرمز / المخلص حين تنهار الأشياء كلها وتتساقط ويعجز الإنسان عن المواجهة ويشعر أنه بدون سند أو مغيث، وهذه المرة يلجأ إلى الله وإلى الرسول «الرمز» هرباً من هذا الخراب الذى يعيشه الإنسان وأملاً فى الخلاص بواسطة هذا الرمز الذى ينقذ الإنسان من ظلم أخيه الإنسان، ويشكو له ما يحدث بعد أن عجز الإنسان تقريباً عن الوقوف ضد قوى الشر، فلم يتناول يسرى الجندى الليلة المحمدية بالشكل التقليدى للاحتفال الدينى، بل جعل منها ذريعة قوية لقراءة الواقع وراح يسرد عليه ما فى جعبته من أحزان وبكاء على أطلال الواقع العربى. وفى نفس العام تكرر الأمر فى احتفال الجامعة العربية باليوبيل الذهبى فكتب مسرحية «بيت العرب» وظف فيها التاريخ العربى ورموزه ليحكى عن رموزه التنويرية والأبطال الذين حققوا النصر لهذا الوطن مع محاكمة الغزاة الذين اعتدوا على هذه البلاد.. وذلك فى إطار استعراضى غنائى من خلال استدعاء شخصياته الأثيرة، وقد حملت الرموز القومية التى استلهمها العديد من المعانى والدلالات مثل عنترة بن شداد الذى تطرح سيرته فكرة الحرية والمساواة ويقودنا من خلال منظور معاصر إلى معنى الديمقراطية بشكل عام بجانب أبوزيد الهلالى الذى يرمز إلى التضامن والتوحد كمطلب عصرى من حيث فكرة التكتل السياسى الذى يفرضه النظام الجديد وأيضاً الملك سيف بن ذى يزن كرمز لحب المعرفة التى تحيل إلى مفهوم التقدم العلمى، بالإضافة إلى الأميرة ذات الهمة التى تطرح صورة المرأة العربية ودورها، ومن العصر الأيوبى أسد الدين شريكوه، ثم أبوبكر الرازى وبطل حرب أكتوبر «عبدالعاطى» صائد الدبابات ليختلط الزمن بين الماضى والحاضر ثم «سيف بن ذى يزن» و«زرقاء اليمامة» حيث يقول هؤلاء إنهم جاءوا للمشاركة فى احتفال الجامعة وفجأة يهتز الديكور وتصرخ أصوات من خيال الظل مع إيحاء بهدم المنزل ليخرج الأبطال من التماثيل رافضين هدم البيت.. «للحديث بقية».

 

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

«بيبو» فى الأقصر لمدة أسبوع

يوجود فريق عمل مسلسل «بيبو » للفنان الشاب أحمد بحر فى مدينة الأقصر لتصوير أحداث المسلسل المقرر عرضه فى الموسم...

وفاء عامر فى «المقابر» بسبب «السرايا الصفرا»

تواصل الفنانة وفاء عامر تصوير مشاهد مسلسلها الجديد «السرايا الصفرا »، والمقرر عرضه فى رمضان 2026.

هانى رمزى يصور «استراحة محارب» بعد رمضان

خرج مسلسل «استراحة محارب » للفنان هانى رمزى بشكل نهائى من الموسم الرمضانى بعد العودة للتصوير مرة أخرى.

العوضى مع «على كلاى» فى مدينة الإنتاج

عاد الفنان أحمد العوضى إلى مدينة الإنتاج الإعلامى لتصوير مشاهد مسلسله الجديد «على كلاى»، والمقرر أن يُعرض فى الموسم الرمضانى.


مقالات

بيمارستان قلاوون
  • الأحد، 22 فبراير 2026 09:00 ص
لا للفقر في ظل القرآن
  • السبت، 21 فبراير 2026 03:31 م
التغذية الصحية في رمضان
  • السبت، 21 فبراير 2026 01:00 م
سجن خزانة شمائل
  • السبت، 21 فبراير 2026 09:00 ص