كيف كتب المصريون القدماء أول "روشتة" في التاريخ؟

من برديات الشفاء إلى مبادرات الصحة الحديثة... الطب المصري يحكي للعالم قصة الخلود والإنسانية

د. ميرفت السيد
مدير المركز الافريقى لخدمات صحة المرأة

في اللحظة التي تُفتح فيها أبواب المتحف المصري الكبير أمام العالم، لا يطل علينا التاريخ كأثر جامد، بل كنبض حيّ يذكّرنا أن المصري القديم لم يكن فقط باني حضارة، بل كان أيضًا أول من آمن بالعلم، بالدواء، وبأن الصحة تاج على رأس الحياة.

من بين جدران المعابد والبرديات، تتحدث إلينا حكايات أطباء عظام مارسوا الطب قبل أكثر من خمسة آلاف عام، وسجلوا ما يشبه أول دليل طبي في التاريخ الإنساني.

بينما نتجول اليوم في قاعات المتحف الفسيحة، نجد أن الطب كان جزءًا أصيلًا من هوية المصري القديم، تمامًا كما هو اليوم من هوية مصر الحديثة.

في بردية "إيبرس" الطبية، التي تعود إلى عام 1550 قبل الميلاد، نجد وصفًا تفصيليًا لأكثر من 700 وصفة علاجية لأمراض الجسد والعين والجلد والأسنان. وكان الطبيب المصري القديم يستخدم العسل كمضاد للبكتيريا، والبصل والثوم لتقوية المناعة، وزيت الخروع كملين طبيعي. بل إن بعض الوصفات التي كُتبت على أوراق البردي تتطابق مع مبادئ الطب الحديث في مكافحة الالتهابات والعدوى.

وفي بردية "سميث" الجراحية، التي تُعد أقدم وثيقة جراحية في العالم، تظهر دقة المصري القديم في تشخيص الكسور وإجراء العمليات الجراحية بخطوات منظمة تشبه بروتوكولات الطوارئ الحديثة!

كان الطبيب يسجل الحالة، ويصف الأعراض، ويحدد ما إذا كانت الإصابة "يمكن علاجها" أو "لا يُرجى شفاؤها" — أي أنه مارس الطب المبني على الدليل قبل آلاف السنين.

لم يكن الطبيب في مصر القديمة مجرد ممارس، بل كان شخصية علمية مقدّسة. "إمحوتب"، مهندس وزعيم وكاهن وطبيب عاش في عهد الملك زوسر، هو أول طبيب عُرف اسمه في التاريخ، وأول من أقام مستشفى ومعبدًا للعلاج في "سقارة". كرّمه المصريون بعد وفاته كإله للطب والشفاء، تمامًا كما يكرّم العالم اليوم رموز الطب الحديث في مؤسساته وجوائزه.

وكانت الكاهنة "بسشيت" أول طبيبة نساء معروفة في التاريخ، عملت في البلاط الملكي وأسست مدرسة لتعليم النساء مهنة الطب، فهى رسالة مبكرة عن تمكين المرأة في الطب منذ فجر الحضارة.

في أروقة المتحف المصري الكبير، لا تُعرض فقط التماثيل والمومياوات، بل أيضًا أدوات الطبيب القديم:
المشارط البرونزية، الملاعق الصغيرة لاستخراج الأدوية، والأواني الحجرية التي كانت تحفظ فيها الوصفات العشبية. وحتى أدوات التحنيط كانت دليلًا على معرفة المصري القديم بأعضاء الجسم ووظائفها، وبمفهوم التعقيم والنظافة.

كان التحنيط في جوهره عِلم حفظ الجسد، وليس فقط طقسًا دينيًا.

استخدم المصريون النطرون كمادة مطهرة، والزيوت العطرية كمضادات للبكتيريا، مما يجعلنا نرى في التحنيط أول نموذج لمعمل تشريح وتعقيم في التاريخ.

إن افتتاح المتحف المصري الكبير هو تذكير بأننا نرث حضارة طبية عظيمة، وأن الطب في مصر لم يبدأ في القرن العشرين، بل بدأ مع أول وصفة كُتبت على ورق بردي. فكما كان الطبيب القديم يُعالج بعلمه وإيمانه، يواصل الطبيب المصري اليوم مهمته في أقسام الطوارئ، وغرف العناية، والعيادات الريفية. فمن بردية إيبرس إلى مبادرة 100 مليون صحة، ومن إمحوتب إلى الأطباء المصريين الذين حملوا رسالة الإنسانية في جائحة كورونا — الخيط واحد، والرسالة واحدة: أن الطب هو أقدم مهنة مصرية في التاريخ.

أن المصري القديم أهتم بالنظافة الشخصية، والتغذية السليمة، والوقاية من العدوى، وهي نفس المبادئ التي تقوم عليها برامج الصحة العامة الحديثة. كان يغتسل يوميًا بالماء الجاري، يستخدم الملح للتطهير، ويعتمد على النباتات الطبية في الوقاية قبل العلاج. وهكذا، فإن شعار "الوقاية خير من العلاج" ليس جديدًا علينا — إنه موروث فرعوني أصيل.

أن افتتاح المتحف المصري الكبير ليس مجرد احتفال بالحجارة المنحوتة، بل احتفاء بعقلٍ صنع الحضارة، وبأول من آمن بالعلم والدواء. حين نسير بين آثار الملوك والكهنة، علينا أن نتذكر أن كل تمثال منهم كان يعرف قيمة الحياة، وأن صحة الإنسان كانت وما زالت تاج الحضارة المصرية. ومن بردية إيبرس إلى أنظمة الطوارئ الحديثة، تمتد رحلة الطب المصري لتقول للعالم كله:
أن مصر كانت مهد الطب... وستبقى منارته..

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

وانطلق مدفع الإفطار، حكايات رمضانية

شهر رمضان يمثل قيمة كبرى في العالم الإسلامي على مدى التاريخ وارتبط بمفردات دينية تراثية محفورة في ذاكرة العالم الإسلامي...

متلازمة المناسبات السعيدة: لماذا نحزن حين يُفترض أن نفرح؟

في كل مناسبة سعيدة، يُفترض أن نشعر بالفرح تلقائيًا. رمضان، العيد، خطوبة، زفاف، نجاح، لقاء عائلي… لكن الواقع أن كثيرين...

في حضرة آل البيت.. هنا القلوب تشرق وتنتشي بسكينة المدينة المنورة

إذا أردت أن تعيش لحظة من لحظات الأنس الروحي، وأن تلمس بقلبك شيئًا من بهاء المدينة المنورة، فما عليك إلا...

حماية المستهلك والوعي القانوني في الجمهورية الجديدة

لم تعد حماية المستهلك مسألة إدارية هامشية أو شأنًا تنظيميًا محدود الأثر، بل أصبحت في الدولة الحديثة معيارًا من معايير...