لا شك أن الإسلام يحرص دوما على أمن المجتمع وسلامة أفراده، ويتحقق ذلك بأن تعم العدالة، وتنتشر النزاهة في شتى مظاهر الحياة، ويأخذ كل واحد من أفراد المجتمع حقه كاملا غير منقوص؛ فلا يختلط حينئذ حق مصلح بمفسد، ولا محسن بمسيء، ولا جيد بخبيث.
د. أحمد شبل عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
د. أحمد شبل
عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
ويتم ذلك – بلا شك – من خلال مكاشفة عامة، ونزاهة واضحة، تضمن البعد عن التلاعب، والخلل الناتج عن غياب الشفافية؛ فإن وجود مثل هذه الأمراض في المجتمع يفتك به، ويعبث بسلامته.
وانطلاقا من هذا المبدأ الإسلامي، حرم الإسلام الغش بجميع صوره تحريما قاطعا؛ لكونه لا يليق بالمسلم الذي كمل إسلامه. فالغش، حين نبحث عن تعريفه من جهة اللغة، نجد أن العلماء قالوا فيه: غش صديقه: خدعه، وزين له غير المصلحة، مظهرا خلاف ما يضمر، وغش الشيء: خلطه بغيره مما هو أرخص منه، وغش في الامتحان: استعان بغيره في الإجابة، أو نقل عن غيره في غفلة من الرقيب.
وفي الاصطلاح، قال الإمام المناوي: الغش: ما يخلط من الرديء بالجيد. وهذا في الغش بوجه عام، أما الغش الدراسي فقد خصه بعضهم بأنه استخدام وسائل غير مشروعة للحصول على إجابات صحيحة، أو الحصول على درجات دون وجه حق.
ومن خلال هذه التعريفات، يتبين أن المسلم الذي يؤمن بالله تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم لا يليق به الخداع، ولا قلب الحقائق؛ إذ إن وضوحه نابع من إيمانه الذي يحثه على أن يقول الصدق ويفعله، حتى وإن كلفه ذلك كلفة باهظة. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال: «يُطبعُ المؤمنُ على الخلالِ كلِّها إلَّا الخيانةَ والكذبَ».
ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغش بكل صوره، كما ورد في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني»، وقال صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار».
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أيضا عن تضييع الأمانة، وبين أن ذلك يكون بتوسيد الأمر إلى غير أهله، وأن هذا من أمارات قرب قيام الساعة، وهو معنى يتجلى بوضوح في الغش، فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». قيل: كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة».
وقد قال الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله: والأحاديث في الغش والتحذير منه كثيرة، مر منها جملة، فمن تأملها، ووفقه الله لفهمها والعمل بها، انكف عن الغش، وعلم عظيم قبحه وخطره، وأن الله لا بد أن يمحق ما حصله الغاشون بغشهم.
ومن خلال ما سبق، يتبين أن الإسلام يحارب الغش، ويجرمه، ويقف له بالمرصاد؛ لما له من عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع؛ إذ إنه يضيع الكفاءات، ويطفئ روح الطموح والاجتهاد، ويساعد على الكسل والخمول، ويتسبب في انتشار المشاحنات والبغضاء، وبسببه يتصدر من ليس بأهل، وتنعدم الثقة بين أفراد المجتمع جميعا، وينتج عن ذلك مجتمع مهلهل متفكك غير مترابط، يعج بالمشكلات، والأمراض، والعقبات، وتكثر فيه الويلات.
وعلاج ذلك كله أن يعلو صوت الإيمان في ضمير كل فرد، ولا سيما بأن يعلم أن ارتكابه لجريمة الغش من المحرمات، بل من الكبائر عند بعض العلماء. كما لا بد من بيان العواقب المترتبة عليه، سواء كانت دنيوية أم أخروية، مع تجريم الغش، وتشديد العقوبة عليه بجميع صوره، والتصدي له دينيا وإعلاميا، والتوعية بمخاطره في المؤسسات التعليمية ووسائل التواصل.
ولا بد كذلك من مواجهة هذه الظاهرة مجتمعيا، من خلال نبذها وعدم التشجيع عليها، وتصحيح المفاهيم المغلوطة لدى كثير من أولياء الأمور الذين يشجعون أبناءهم على الغش، بل ويحثونهم عليه، ظنا منهم أنه حق مكتسب، فضلا عن ضبط العملية التعليمية، والوقوف بحزم أمام كل من يعبث بأمننا التعليمي من بعض المنتسبين إليه.
فإن استطعنا تحقيق ذلك، صلح حال المجتمع، وتبين لنا الطريق لقطع دابر الغش بكل أنواعه؛ فلن نرى بعد ذلك غشا تجاريا، ولا مجتمعيا، ولا سلوكيا، لأن أفراد المجتمع جميعا سيكونون قد تربوا على الصدق، ونبذ الغش والخداع.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...
اصبحنا نعيش في عالمٍ يتسارع فيه تدفّق المعلومات وتتسع فيه الفضاءات المفتوحة بلا حدود وبات لا احد يملك الحقيقة بل...
تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...
بينما كانت حضارات العالم القديم تتخبط في صراعات بدائية، كانت أرض النيل تُرسي دعائم أول نظام شرطي وقضائي عرفته البشرية....