المقهى الدبلوماسي.. من "رجب" إلى "رجب".. والمجازر الإسرائيلية مستمرة

ما أشبه الليلة بالبارحة.. في مثل هذا الوقت من العام الماضي.. يناير 2023.. رجب 1444.. كتبت مقالا عن شهر رجب..تناولت فيه سبب تسميته بهذا الاسم.. وذكرت بعض الأسماء المرتبطة به مثل.. "رجب مُضر" نسبة لقبيلة مضر العربية.. و"رجب الحرام".. لكونه احد الأشهر الحرم الأربعة.. و"رجب الفرد".. و"رجب الأصمّ" لعدم سَماع قَعقعةِ السلاح فيه؛ لأنه من الأشهر الحرم التي حُرِّم فيها القتال.. و"رجب الأصبّ" لانصباب الرّحمة فيه.. و"رجب منصل الأسِنّة".. كما ذكره البخاري عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا إذا دَخل شهر رجب قلنا: منصل الأسنّة، فلم نَدع رُمحًا فيه حَديدة، ولا سهمًا فيه حَديدة إلا نزعناه فألقيناه.. وغير ذلك..

وتحدثت عن فضله.. والأحداث التي اختصه بها الله مثل معجزة الإسراء والمعراج، وهي المعجزة الكبرى التي اختص الله بها نبيه محمدًا عليه ـ الصلاة والسلام ـ وقد أشار القرآن إليها في فواتيح سورة الإسراء: "سُبْحَانَ الَّذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" .. وغزوة تبوك إلى الروم .. حدثت في شهر رجب أيضا في السنة التاسعة للهجرة.. وهي آخر غزوةٍ قادها الرسول -صلى الله عليه وسلم- قبل وفاته..

وأيضا استحباب أعمال الخير في رجب.. فقد روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي بسند جيد عن رجل من باهلة "أنّهُ أتى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، ثُمّ انْطَلَقَ فَأتَاهُ بَعْدَ سَنَةٍ وَقَدْ تَغَيّرَتْ حَالُهُ وَهَيْئَتُهُ، فقال: يَارَسُولَ الله أمَا تَعْرِفُنِي؟ قال: وَمَنْ أنْتَ؟ قال: أنَا الْبَاهِليّ الّذي جِئْتُكَ عَامَ الأوّلِ، قال: فَمَا غَيّرَكَ وَقَدُ كُنْتَ حَسَنَ الْهَيْئَةِ؟ قُلْتُ مَا أكَلْتُ طَعَاماً مُنْذُ فَارَقْتُكَ إلاّ بِلَيْلٍ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِمَ عَذّبْتَ نَفْسَكَ، ثُمّ قال: صُمْ شَهْرَ الصّبْرِ وَيَوْماً مِنْ كُلّ شَهْرٍ، قال: زِدْني فإنّ بِي قُوّةً، قال: صُمْ يَوْمَيْنِ، قال: زِدْنِي، قال: صُمْ ثَلاَثَةَ أيّامٍ، قال: زِدْنِي، قال: صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرْمِ وَاتْرُكْ، وَقال بِأصَابِعِهِ الثّلاَثَةِ فَضَمّهَا ثُمّ أرْسَلَهَا"..
وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "خَمْسُ لَيَالٍ لَا يُرَدُّ فِيهِنَّ الدُّعَاءُ: لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ، وَأَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبَ، وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَةُ الْعِيدِ، وَلَيْلَةُ النَّحْرِ"..

وكما حدث العام الماضي.. إذ تحدثت في مقالي السابق عن مجازر إسرائيل في فلسطين.. ففي يوم الخميس الماضي.. 26 يناير.. 2023.. اقتحمت قوات إسرائيليّة خاصّة مخيّم جنين واستعملَ جيشُ الاحتلال الرصاص الحيّ وهاجمَ المستشفى الحكومي بالمخيم بقنابل الغاز.. وكانت النتيجة مقتلِ 9 فلسطينيين أغلبهم من المدنيين وعشرات المصابين بجروح ..

وتذكرت وقتها بعضا من المجازر الإسرائيلية السابقة.. ففي 6 أغسطس 2022.. ارتكبَ سلاح الجو الإسرائيلي مجزرة فقصفَ منزلًا غرب مدينة رفح جنوبي قطاع غزة واتقتلِ 8 أشخاص بينهم طفل وثلاث سيّدات وجُرح 40 آخرين على الأقلّ .. وفي نفس اليوم.. ارتكبَ سلاح الجوّ الإسرائيلي مجزرة تانية في مخيّم جباليا شمال قطاع غزة.. وقتل فيها خمسة مدنيين كلّهم أطفال وإصابة أزيد من 15 آخرين..

ومن بداية الاحتلال الإسرائيلي .. سواء في 1945 أو في 1967.. والمذابح الإسرائيلية لا تتوقف.. هتلاقي مذبحة بلدة الشيخ في 1947 .. وفي سنة 1948.. كان فيه 3 مذابح .. مذبحة دير ياسين.. ومذبحة قرية أبو شوشة.. ومذبحة الطنطورة.. وفيه كمان مذبحة قبية 1953 .. ومذبحة قلقيلية 1956 .. ومذبحة كفر قاسم 1956 .. ومذبحة خان يونس 1956 .. ومذبحة المسجد الأقصى 1990 .. ومذبحة الحرم الإبراهيمي 1994 .. ومذبحة مخيم جنين 2002 ..

حينذاك..لم أكن أتصور وقتها.. انه بعد عام وفي نفس الوقت.. ستحدث أكبر المذابح الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني.. من إبادة جماعية واستهداف أطفال ونساء ومرضى.. من قصف للبيوت والمستشفيات ودور العبادة.. من تجويع وتهجير .. حرب شعواء شنتها إسرائيل على فلسطين زادت عن المائة يوم.. تحت مرأى ومسمع من العالم .. الأعمى والأصم.. الذي لا يرى ولا يسمع ما ترتكبه قوات الإحتلال.. والمكبل أيضا.. فلا يستطيع أن يدفع ظلما أو يرفع عدوانا عن الأبرياء والمدنيين الفلسطينيين.. ذلك العالم الذي أصبح لا يملك إلا لسانا يدين به ويشجب ويستنكر ويندد .. بل ويرجو ويستعطف أحيانا حتى تسمح قوات الإحتلال بتوصيل بعض الطعام أو الكساء أو الدواء للفلسطينيين الذين تطاردهم الدبابات والطائرات والصواريخ أينما ذهبوا..

اليوم 15 يناير 2024.. اعلنت وزارة الصحة في غزة أن الحصيلة بلغت 24100 شهيدا و60834 جريحًا غالبيتهم من النساء والأطفال في قطاع غزة منذ بدء الحرب التي شنتها إسرائيل.. ذلك القصف المتواصل على قطاع غزة جوا وبرا وبحرا.. في اليوم الـ101 من العدوان..

الكل ينادي بوقف الحرب.. ولا يستطيع أحد أن يوقفها.. الكل يطالب بإدخال المساعدات الإنسانية من طعام ودواء وكساء ووقود إلى غزة.. ولا يملك أحد ان يدخلها.. لقد دب الوهن في جسد الأمة العربية والإسلامية.. وأمسى الضعف والخزي ينخر في أوصالها.. الشعوب في كل بلدان العالم مستنفرة تغلي الدماء في عروقها تتظاهر وتزأر وتصيح .. والحكام في سبات كاذب..اعتادت الأذان والأنظار أرقام ومشاهد الشهداء والمصابين..فمن سيوقف نزيف الدم.. من سيرحم النساء الثكلى والأطفال اليتامى والعجائز المكلومين..

لك الله يا فلسطين.. هو القادر على رفع الظلم والدفاع عن الضعفاء والمظلومين.. وحسبنا الله ونعم الوكيل.. وتركت قلمي.. ووضعت رأسي بين يدي على مائدتي بالمقهى الدبلوماسي.. وأفقت على تصفيق وصيحات.. تسلم إيدك.. الله يبارك لك.. وصديقي العزيز يرفعني من على مقعدي ويحتضنني.. فقد كنت أكتب واقرأ ما اكتبه بصوت مرتفع .. ولم أشعر بالأصدقاء والرواد على المقهى الدبلوماسي وهم يتجمعون حول مائدتي لسماع ما أقول.. ولشدة انفعالي مع ما كنت اكتب .. لم انتبه لتجمعهم.. فنظرت حولي وانا امسح دمعة قد غلبتني وأخذت أشكرهم..
وللحديث بقية..

لمزيد من المقالات

المقهى الدبلوماسي.. "رجب".. والمجازر الإسرائيلية

Katen Doe

حمودة كامل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل

المزيد من مقالات

بردية خوفو والسحرة

"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...

كيف يصنع التعلّق اختياراتنا العاطفية؟

حين ننجذب دون وعي: كيف يصنع التعلّق اختياراتنا العاطفية؟ لأن القلب لا يختار دائمًا بحرّية… بل بما اعتاد عليه.

الروبوتات الاجتماعية: صديق جديد للإنسان أم تهديد نفسي صامت؟

في عام 2017، داخل أحد مراكز رعاية المسنين في مدينة أوساكا اليابانية، كانت سيدة في الثمانين من عمرها تجلس بهدوء...

الإعلام المستدام في زمن المنصات المتكاملة!

اصبحنا نعيش في عالمٍ يتسارع فيه تدفّق المعلومات وتتسع فيه الفضاءات المفتوحة بلا حدود وبات لا احد يملك الحقيقة بل...