الذكاء الاصطناعي .. جدل كبير في وقت قصير

هل تخيلت يوما أن تتجاذب أطراف الحديث مع روبوت أو آلة؟ وهل دار بخلدك أن تستطيع الآلة أن تحاكي الذكاء الموجود في العقل البشري؟ ربما يكون ذلك في الخيال أو حتى في أفلام الخيال العلمي .. ولكن هل يمكن أن تتواجد في حياتنا اليومية آلات أو أنظمة يمكنها أداء المهام التي تتطلب عادة ذكاء بشريا مثل الإدراك والاستدلال والتعلم واتخاذ القرار؟.

إذا كان ذلك ضربا من الخيال فيما مضى إلا أنه أصبح حقيقة واقعة في عصرنا الحالي الذي يتواجد فيه "روبوتات" لديها القدرة على التفكير، واكتشاف المعنى والتعلم من التجارب السابقة وتعلم كيفية إكمال المهام دون تعليمات بشرية صريحة، لدرجة أنه يمكننا أن نقول أن ثورة الذكاء الاصطناعي قد بدأت بالفعل.

الذكاء الاصطناعي مصطلح قديم يستخدمه الكثيرون، زاد استخدامه في الفترة الأخيرة وانتشر بسرعة كبيرة تكاد تكون مخيفة، ينظر البعض إلىه باعتباره أمرا مستقبليا رائعا يعد المجتمع البشري بمزيد من التطور.

وسط الطفرة الكبيرة فى عصر الذكاء الاصطناعى، صار مصير البشر ومستقبلهم غامضا، ولايكمن الغموض فى مدى الاستغناء عن القوة البشرية مقابل استيعاب الآلة والحواسيب فحسب، بل فى مدى استعباد هذه الآلات للإنسان والتحكم فى تصرفاته، كما يجعل التفكير صعبا فى نوع الأعمال التى قد يعمل بها البشر، حيث وصلت تطورات تطبيقات الذكاء الاصطناعى إلى الحد الذى يجعل المبرمجين لها فى مراحلها المتطورة عاجزين عن إدراك أبعاد قدرات هذه الآلات التى يخترعونها أو يطورونها ويبرمجونها.

* ماهو الذكاء الاصطناعي؟

يعرف الذكاء الاصطناعي "Artificial Intelligence" واختصارا "AI"، ويشير إلى برمجة الآلات لتستطيع محاكاة الذكاء البشري لتتمكن من التفكير مثل البشر وتقليد أفعالهم، ويطلق هذا المصطلح على كل آلة قادرة على عرض خصائص شبيهة بخصائص العقل البشري من تعلم وقدرة على حل المشكلات.

تعريفات كثيرة للذكاء الاصطناعي وضعها كبار الباحثين في هذا المجال، أبرزهم أنه "دراسة وتصميم أنظمة ذكية تستوعب بيئتها وتتخذ إجراءات تزيد من فرص نجاحها"، في حين يعرفه جون مكارثي وهو من وضع هذا المصطلح سنة 1955 في تعريف بسيط بأنه "علم وهندسة صنع آلات ذكية".

ولكن ببساطة يمكن تعريف "الذكاء الاصطناعي" بأنه قدرة الآلات والحاسبات الرقمية على القيام بمهام معينة تشبه تلك التي يقوم بها البشر، ويهدف "الذكاء الاصطناعي" الوصول إلى أنظمة تتمتع بالذكاء وتتصرف على نحو يشبه البشر من حيث التعلم والفهم.

ويمكن تعريفه أيضا أنه محاكاة للدماغ البشري في القيام ببعض وظائفه المعقدة مثل التعلم وحل المشكلات والتفكير العقلي والمنطقي، وهو يدخل في العديد من التطبيقات مثل الهواتف الذكية والحواسب والسيارات والروبوتات والطائرات بدون طيار.

كما أن الذكاء الاصطناعي يتميز بقدرته على اختيار أفضل الإجراءات لتحقيق هدف معين بأفضل فرصة ممكنة، كما يمتلك خاصية التعلم الآلي، إذ يمكن للبرامج داخل أجهزة الكمبيوتر التعلم من البيانات الجديدة المدخلة إليها وهي عبارة عن كميات كبيرة جدا من البيانات غير المهيكلة مثل: النص أو الصور أو الفيديو، ثم تتكيف مع هذه البيانات تلقائيا دون مساعدة الإنسان.

* بداية ظهور الذكاء الاصطناعي

يعود تاريخ تطبيقات الذكاء الاصطناعى عندما بدأ العلماء منتصف القرن الماضى باستكشاف نهج جديد من أجل بناء آلات ذكية، وبناء على الاكتشاف الحديث فى علم الأعصاب، وتطور علم التحكم الألى من خلال اختراع الحاسوب الرقمى وتم اختراع ألات يمكنها محاكاة عملية التفكير الحسابى الإنسانى.

فى بداية عقد الثمانينيات، شهدت أبحاث الذكاء الاصطناعى اهتماما جديدا على طريق النجاح التجارى، وفى التسعينيات حقق الذكاء الاصطناعى نجاحات كبيرة، ومع بداية القرن الواحد والعشرين تم استخدم الذكاء الاصطناعى فى توجية قائد السيارة واستخراج البيانات اللوجستية، وصناعة التكنولوجيا، والتشخيص الطبى.

ومع التقدم العلمي في العصر المذهل في العصر الحديث، وفي عام 1917 كشفت الصين التى تتنافس مع الولايات المتحدة الأمريكية على المقعد الأول عالميا فى الذكاء الاصطناعى عن خطة طموحة للاستثمار فى هذا المجال، وخصصت لها مبلغ 22 مليار دولار على مدى 5 سنوات.

وفى 2018، قال الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون إن بلاده ينبغى أن تشغل موقعا رياديا فى بحوث الذكاء الاصطناعى، وأقر خطة لتحقيق ذلك خصص لها 1.5 مليار يورو على مدى 5 سنوات لجذب خيرة العلماء المتخصصين للعمل فى فرنسا وتشجيع الباحثين الفرنسين على التخصص فيه.

وكان من الثمرات المبكرة لهذه الخطة إعلان شركة أى. بى .ام الأمريكية العملاقة عن مشاركتها بالخبرة التكنولوجية فى عدد من مراكز البحوث الفرنسية وتلتها شركات ألمانية ويابانية أخرى فى هذا المضمار، وعكست ميزانية وزارة الدفاع الفرنسية لعام 2019 المزيد من الاهتمام بتطوير تطبيقات عسكرية تعتمد على الذكاء الاصطناعى فخصصت 2.8 مليار يورو لتكثيف برامج البحث والتطوير لإنتاج أسلحة ذكية تتوافق مع حروب المستقبل والإعداد لإنشاء وكالة وطنية للابتكار العسكرى.

وفي الهند، افتتح رئيس الوزراء الهندى ناريندرا مودى مركز الثورة الصناعية الرابعة فى بلاده بهدف أن تصبح الهند مركزا عالميا للبحث فى مجالاتها، مشيرا إلى أن هذه الثورة تفتح أمام الهند أفاقا جديدة فى مجال الإنتاج والخدمات وتوجد الفرصة لمزيد من الشراكات بين الدولة والقطاع الخاص.

* آلية عمل الذكاء الاصطناعي

وضع جون مكارثي مصطلح الذكاء الاصطناعي عام 1955 وعرفه أنه "علم وهندسة صنع آلات ذكية"، وخلال السنوات الأخيرة، قفز التطور في تقنية الذكاء الاصطناعي قفزات كبيرة وتعد تقنية "التعلم العميق" أبرز مظاهره، وهي ترتكز على تطوير شبكات عصبية صناعية تحاكي في طريقة عملها أسلوب الدماغ البشري أي أنها قادرة على التجريب والتعلم وتطوير نفسها ذاتيا دون تدخل الإنسان.

وأثبتت تقنية "التعلم العميق" قدرتها على التعرف على الصور وفهم الكلام والترجمة من لغة إلى أخرى، وغير ذلك من القدرات التي أغرت الشركات الأمريكية في وادي السليكون وتحديدا فيسبوك وجوجل على الاستثمار وتكثيف الأبحاث فيها متجاهلين تحذيرات من أن تطور الذكاء الاصطناعي قد يهدد البشرية.

ويعمل الذكاء الاصطناعي في البيئة الرقمية من خلال توفر الأجهزة الرقمية والبرامج المتخصصة لتحليل وتصميم خوارزميات والتعلم الآلي، وبشكل عام فإن نظام الذكاء الاصطناعي يستوعب كميات كبيرة من البيانات التدريبية.

وتستخدم البيانات التدريبية في تكوين الارتباطات والأنماط التي تستخدم فيما بعد في بناء التنبؤات المستقبلية، مثل الرد الآلي في الروبوتات الذكية وعملية تحديد الكائنات في الصور ووصفها من خلال مراجعة ملايين الأمثلة المحفوظة لدى الجهاز الذكي.

* مخاوف تطوير الذكاء الاصطناعي

في أواخر عام 2014 أشار عالم الفيزياء الراحل "ستيفن هوكينج" إلى أن تطوير ذكاء اصطناعي كامل قد يمهد لفناء الجنس البشري، محذرا من قدرة الآلات على إعادة تصميم نفسها ذاتيا.

كما أعلن المؤسس والرئيس السابق لشركة مايكروسوفت بيل جيتس في 2015 عن رغبته في بقاء الروبوتات غبية إلى حد ما، وقال "أنا في معسكر من يشعر بالقلق إزاء الذكاء الخارق".

وفي العام ذاته وصف المخترع والمستثمر الأمريكي إيلون ماسك الذكاء الاصطناعي بأنه من أعظم المخاطر التي تهدد الوجود البشري، كما شبه تطوير الآلات الذكية "باستحضار الشيطان".

في المقابل، يرى بعض الخبراء أن تقنيات الذكاء الاصطناعي لن تتسبب في أي مخاطر على الجنس البشري ولا ينبغي القلق من التقنيات الذكية، فهي تحتاج لسنوات كثيرة من التطور البطيء والتدريجي قبل أن تصل إلى المدى الذي يخشاه المحللون، لأنها تستند في تطورها إلى علوم وأفكار ما تزال في بداياتها الأولى حاليا.

وما زال إنتاج أنظمة الذكاء الاصطناعي المتكاملة بحاجة إلى تطور علوم حالية وابتكار علوم جديدة، .

* الذكاء الاصطناعي والمعايير الأخلاقية

عند التعامل مع أدوات "الذكاء الاصطناعي" تتبادر إلى الذهن "المعايير الأخلاقية"، ويدرك خبراء أخلاقيات الذكاء الاصطناعي مدى حساسية أن توضع تقنية شديدة التقدم وسريعة التطور بهذا الشكل بين أيدي الجمهور بلا حساب أو رقابة، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من مشكلات متعددة خاصة إذا ما ترك المجال أمام البرنامج لتعليم نفسه بنفسه دون مراقبة من القائمين على تشغيله وتطويره.

ونظرا لأن النظام يتم تدريبه بشكل أساسي من خلال المواد الموجودة على الإنترنت، فإنه يمكنه التعرف على التحيزات والصور النمطية والأراء العامة.

كما أن تغذية البرنامج من خلال مواد الإنترنت قد تتسبب مع الوقت في ترسيخ صورة معينة عن مجموعات أو أقليات بعينها، كما قد يتسبب التعرض المستمر للأخبار الكاذبة والزائفة ونظريات المؤامرة في مشكلات تتعلق بطبيعة المخرجات التي ينتجها البرنامج.

* تطبيقات الذكاء الاصطناعي

يستخدم الذكاء الاصطناعي في العديد من التطبيقات التكنولوجية والحياتية المهمة، والتي سهلت الكثير من نواحي الحياة وقامت بأداء وظائف مختلفة كانت مقتصرة على العقل البشري وحده، ومن أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي:

- علم الروبوتات والتي تستخدم في العديد من الصناعات مثل الرعاية الصحية، والتمويل، والتسويق.
- استكشاف الفضاء الخارجي مثل الآلات المرسلة إلى الفضاء والأقمار الصناعية وبناء الخرائط، وتكنولوجيا تتبع المواقع.

- خدمة الزبائن مثل الروبوتات التي تستخدم في عمليات الرد على الزبائن، والروبوتات التي تقوم بوظائف خدمة العملاء والتسويق الإلكتروني.

- سوق الأوراق المالية والتمويل مثل الخوارزميات التي تستخدم في تحليل الأسهم في السوق المالية، وتحليل الأرباح والخسائر والتنبؤ بها.

- وسائل الإعلام الرقمية بحيث تعرض الإعلانات التي تهم الشخص المستهدف من خلال تحليل بياناته وفهم توجهاته من عمليات بحثه على الإنترنت.

- قطاع الرعاية الصحية بحيث تتمكن آلات الرعاية الصحية من تحليل حالة المريض بناءً على بياناته، والتنبؤ بالأمراض التي يمكن أن تحدث له في المستقبل، وتحديد نوع العلاج.

- التعرف على الوجه تستخدم هذه التقنية في العديد من الأجهزة مثل الهاتف الذكي، وتعمل على تعلم وإدراك الأنماط للخروج بنتائج سريعة وفعالة.

- مساعدات الصوت الافتراضية بحيث تساعد وتقلد الذكاء البشري من خلال التواصل الصوتي.
- تطبيقات اللياقة البدنية من الأمثلة على تطبيقات اللياقة البدنية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي، الساعات الذكية التي تعد الخطوات وحساب السعرات الحرارية وغيرها من التطبيقات التي تهتم باللياقة البدنية.

- أبرز التحديات الأخلاقية للذكاء الاصطناعي

أظهر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تزايد الاعتماد العالمي على تقنيات الذكاء الاصطناعي في شتى مجالات الحياة، كالرعاية الصحية والتعليم وأنظمة التمويل والصناعة والتجارة إذ تشير التقديرات إلى أن 35% من المؤسسات العالمية تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي، فضلا عن تأكيد 83% من الشركات في مختلف المجالات على أن إدراج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن استراتيجيتها المستقبلية أصبح يمثل أولوية قصوى.

وأشار إلى أن هذا الأمر يثير المخاوف بشأن التداعيات المحتملة للاعتماد المفرط على هذه التقنيات، لاسيما التحديات الأخلاقية الخاصة بالحفاظ على خصوصية الأفراد وقيم الحرية والابتكار وعدم التمييز.

وأوضح التحليل المبادئ التي تتضمنها القواعد الأخلاقية للذكاء الاصطناعي وهي ،الحيادية وعدم التحيز، إذ يتعين تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي بطريقة تضمن أن تكون النتائج والقرارات التي تقدمها حيادية وغير منحازة، وبحيث تتجنب التمييز القائم على العرق أو الدين أو الجنس أو العمر أو الحالة الاجتماعية والاقتصادية، والتعامل بشكل منصف ومتساو مع جميع الأفراد، وذلك لعدم مفاقمة التحيزات الثقافية والمجتمعية القائمة.

وأضاف أن ذلك بجانب الشفافية والقابلية للتفسير، ويعني ذلك ضرورة تمتع أنظمة الذكاء الاصطناعي بالشفافية من خلال تقديمها للمبررات والتفسيرات المتعلقة بالقرارات والإجراءات التي تتخذها، مما يسهم في بناء المصداقية، بالإضافة إلى تمكين المستخدمين من فهم آليات عمل أنظمة الذكاء الاصطناعي بما يشمل البيانات والخوارزميات المتضمنة في عمليات صنع القرار والنتائج التي يقدمها فضلا عن احترام الخصوصية وحماية البيانات، إذ يجب تنفيذ تدابير محكمة وصارمة تضمن عدم انتهاك الخصوصية وحماية البيانات الشخصية لمستخدمي أنظمة الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال استخدام البيانات الشخصية فقط من أجل الأغراض المحددة بشرط موافقة المستخدم وإخفاء هويته.

وأشار إلى المسؤولية والمساءلة حيث يجب على مطوري أنظمة الذكاء الاصطناعي والجهات المعنية تحمل المسؤولية والخضوع للمساءلة عن آثار ومخرجات تلك الأنظمة، بالإضافة إلى وضع آليات لمواجهة وتصحيح الأضرار المحتملة التي قد تنجم عن الأنظمة الرقمية التي يتم ابتكارها، ومراعاة الأمن والسلامة، وذلك من خلال اتخاذ التدابير اللازمة للحد من المخاطر المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، ويتضمن ذلك الحيلولة دون إمكانية استخدامها بشكل ضار أو إجرامي، وكذلك حمايتها من الاختراق والوصول غير المصرح به لبيانات ومعلومات المستخدمين.

* ثورة "شات جي بي تي ChatGPT"

في نهاية شهر نوفمبر العام الماضي، أطلقت منظمة الأبحاث "أوبن إيه أي OpenAI" نسخة تجريبية أولى لبرنامج "شات جي بي تي ChatGPT"، وهو روبوت محادثة جديد يعتمد على الذكاء الاصطناعي يمكنه إجراء محادثات مع البشر.

وفي غضون أسبوع واحد من إطلاقه، قام نحو مليون مستخدم بتجربة الروبوت الجديد، وكثير من المستخدمين اندهشوا لما وصلت إليه قدراته على النقاش وإجابة الأسئلة والكتابة، حتى إنه كتب أبياتا من الشعر ومقالات دراسية كما قال بعض النكات.

ووصفه البعض بأنه بديلا لـ"جوجل"، لأنه قادر على تقديم حلول للمشكلات المعقدة بشكل مباشر.

* ماهو روبوت "ChatGPT"

هو عبارة عن نموذج أولي للدردشة الآلية قائم على تبادل الحوار بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الفهم والاستجابة باللغة الطبيعية، ويبدو مختلفا وربما أذكى وأغرب وأكثر مرونة من الروبوتات السابقة عليه، التي كانت في الأغلب تقتصر على مهمة محددة فحسب، ولا يمكنها إضافة أي شيء جديد خارج النطاق المحدد لها والي يقتصر على موضوع محدد فقط.

يعمل ChatGPT وفق ألية "تعلم الألة"، يتفاعل مع المستخدم من خلال الحوار كتابة على الموقع الإلكتروني الخاص به، البرنامج من إنتاج شركة "أوبن أيه أي OpenAI" التي تأسست عام 2015، وهو أحدث نماذج تعلم الألة وقد تم إنشاؤه على رأس عائلة نماذج روبوتات المحادثة وتعلم اللغات والمسماة "OpenAI's GPT-3"، ويخضع لإشراف دقيق للغاية لتطوير اللغة التي يستجيب بها لطلبات المستخدمين من خلال ما يسمى يتقنيات التعلم التعزيزي reinforcement learning techniques أو التعلم المعزز من ردود الفعل البشرية RLHF.

وتقول شركة OpenAI على موقعها "لقد قمنا بتدريب نموذج يسمى ChatGPT وهو يتفاعل بطريقة المحادثة، يتيح الحوار مع ChatGPT الإجابة على أسئلة المتابعة والاعتراف بأخطائه ورفض الطلبات غير الملائمة.

يتميز الروبوت بمقدرته على إنشاء نص مفصل وابتكار القصائد الشعرية، إضافة إلى سمة فريدة أخرى وهي الذاكرة المميزة، حتى أنه يستطيع تذكر التعليقات السابقة في المحادثة ويعيد سردها للمستخدم.

يستطيع "ChatGPT" الإجابة على أسئلة المستخدمين في مجالات مختلفة، بداية من الأفكار الإبداعية والتصميم والديكور، مروراً بكتابة لغات العالم المختلفة بما في ذلك العربية، وصولا إلى مجالات أكثر تعقيدا مثل كتابة الأكواد البرمجية وتصحيحها، والمعزوفات الموسيقية، فضلا عن الإجابة على تساؤلات تقنية وتسويقية وتجارية.

يقدم "ChatGPT" والذي شارك في محادثات تفاعلية مع الإنسان، إجابات مذهلة بسبب قدرته على التعمق في مجالات متنوعة بشكل قريب من طريقة البشر، لكنه واجه مشاكل مرتبطة بواقعية الإجابات التي بدت "غبية" في بعض الأحيان.

وإلى الأن يكتفي "ChatGPT" بالردود المكتوبة ولا يقوم بإنتاج مواد صوتية أو بصرية.

وبينما شعر الكثير من المستخدمين بالدهشة من قدرات الروبوت، سارع البعض إلى اكتشاف سلبياته، إذ لا يزال ChatGPT عرضة للمعلومات الخاطئة والتحيزات، ويمكن أن يقدم النموذج إجابات غير صحيحة، ونظراً لأنه يبدو واثقا جدا في إجاباته فائقة التفصيل، يمكنه بسهولة تضليل الناس للاعتقاد بأن هذه الإجابات صحيحة.

واجه "ChatGPT" الكثير من المشاكل، فعند طرح المستخدم سؤال غير واضح أو عبارة مبهمة إذ يبادر بتخمين المقصود، وهو ما يبعد النقاش أحياناً عن هدفه.

وهناك أيضا مشكلة كبيرة عند إجراء تغيير على المدخلات النصية، إذ يقول أحياناً إنه غير قادر على الإجابة على سؤال ما، لكن بعد تغيير كلمة واحدة أو أكثر عبر إعادة الصياغة، يتمكن من الإجابة.

كما ظهر قصور أخر مرتبط بالاستخدام المبالغ فيه، والمتكرر لبعض العبارات والكلمات، ما أثر سلبياً على طريقة حديث النظام الذكي الجديد، وهو ما أرجعه الباحثون إلى أن نظام التدريب اعتمد على استخدام عبارات وجمل طويلة في الإجابات والأحاديث.

* 100 مليون مستخدم في شهرين فقط

وفقا لتقرير صادر عن وكالة "رويترز" فإن روبوت الدردشة "ChatGPT" قد وصل إلى 100 مليون مستخدم في غضون شهرين من إصداره، ويزعم تحليل أجرته شركة البيانات Likeweb أنه في يناير الماضي تلقى ChatGPT حوالي 590 مليون زيارة من 100 مليون مستخدم، وفي غضون ذلك، قال محللون في بنك الاستثمار UBS إن معدل النمو كان "غير مسبوق" لأي تطبيق استهلاكي.

يضيف التقرير أن محللي UBS قد كتبوا ملاحظة تشير إلى أنهم "لا يستطيعون تذكر ارتفاع أسرع في تطبيق إنترنت للمستخدمين" في العقدين الماضيين، وللمقارنة احتاج TikTok إلى تسعة أشهر منذ إطلاقه للوصول إلى 100 مليون مستخدم، بينما تطلب Instagram أكثر من عامين لتحقيق هذا الإنجاز.

ويعتقد المحللون أيضا أن إطلاق "ChatGPT" سيمنح OpenAI السبق في مواجهة الشركات الأخرى القائمة على الذكاء الاصطناعي، ولا يفرض الاستخدام المتزايد نفقات حوسبة كبيرة على OpenAI فحسب، بل قدم أيضا ملاحظات مهمة ستساعد روبوت المحادثة على تدريب الردود.

* هل يزيح "ChatGPT" جوجل

مع وجود "ChatGPT" دار سؤال هام، هل أصبح يهدد مكانة أول محرك بحث فى العالم "جوجل" والمنافسون الأخرون؟.

يختلف ChatGPT عن محركات البحث الأخرى، من خلال توفير إجابة واحدة للاستعلام، إنما جوجل والمنافسون الأخرون المماثلون، ينتجون مئات النتائج ويتيحون للمستخدمين اختيار مصدر المعلومات الخاص بهم حول موضوع معين.

كما توفر محركات البحث الأخرى أيضا مقاطع فيديو ومقالات إخبارية وصورا ذات صلة بموضوع أو سؤال، لكن يعمل ChatGPT على تبسيط هذه العملية، من خلال إعطاء المستخدمين إجابة واحدة بسيطة بناء على ما تم تدريب الذكاء الاصطناعى نفسه على قوله.

ويتوقع المطورون أن الذكاء الاصطناعى سيقضى على صفحة نتائج محرك البحث ويسبب اضطرابا تاما لجوجل، وذكر تقرير لصحيفة نيويورك تايمز أيضا أن المديرين التنفيذيين لشركة Google أطلقوا إنذارا باللون الأحمر داخل الشركة وسط ضغط متزايد من ChatGPT.

وتتمثل إحدى الطرق الأساسية، التى تجنى جوجل من خلالها المال من المعلنين الذين يدفعون مقابل عرض روابطهم جنبا إلى جنب مع نتائج استعلام البحث، على أمل أن يضغط المستخدم عليها.

وبينما يعتقد البعض أن ChatGPT ستحل محل جوجل، إلا أن الذكاء الاصطناعى لديه رأى مختلف، وعند توجيه هذا السؤال لـ"ChatGPT" قال: "كنموذج لغة للذكاء الاصطناعى، ليس لدى القدرة على تولى أى شركة أو مؤسسة، بما فى ذلك جوجل .. هدفى هو المساعدة وتقديم ردود مفيدة للمستخدمين الذين يتفاعلون معى".

وأضاف الذكاء الاصطناعى: "إن Google هى شركة تقنية متعددة الجنسيات تتمتع بمكانة قوية فى السوق ومجموعة واسعة من المنتجات والخدمات، لذلك فمن غير المرجح أن يتمكن أى كيان واحد، بما فى ذلك نموذج لغة الذكاء الاصطناعى مثلى، من الاستيلاء على جوجل".

وأوضح الذكاء الاصطناعى "علاوة على ذلك، أعتقد أن شركات مثل Google ونماذج اللغات للذكاء الاصطناعى مثلى يمكنها العمل معًا لتوفير حلول وخدمات أفضل للمستخدمين فى جميع أنحاء العالم".

* مهن مهددة بالإلغاء بسبب الذكاء الاصطناعي

تفيد دراسة أجراها فريق من الباحثين بجامعة برينستون عن أكثر 20 مهنة معرضة للخطر، يأتي في مقدمتها المسوقين عبر الهاتف والمعلمين وعلماء النفس في المدارس والقضاة، وهم من بين أعلى الفئات المعرضة للخطر.

فريق الباحثين في الجامعة يبرز منهجية التعرض المهني للذكاء الصناعي من خلال ربط 10 تطبيقات مدعومة بالذكاء الصناعي، مثل نمذجة اللغة، بـ52 قدرة بشرية لفهم ما إذا كانت أي منها وثيقة الصلة، وفقاً لصحيفة البيان.

وأحدثت المخاوف من إلغاء البرامج الذكية للوظائف البشرية موجات في جميع أنحاء العالم مؤخرا بعد إطلاق ChatGPT وقدرته على أداء المهام المهنية للإنسان بشكل مخيف، مثل كتابة رسائل البريد الإلكتروني والسير الذاتية.

ثم أضاف الباحثون نمذجة اللغة إلى القياس، موضحين كيف أن تغير روبوتات المحادثة المتطورة مثل ChatGPT المهن المعرضة للخطر الأن.

ويبدو أن هذه النتائج تتماشى مع ChatGPT المستخدم لإنتاج الواجبات المنزلية.

ويمكن لـ ChatGPT الذي تم تدريبه على عينة ضخمة من النصوص من الإنترنت، فهم اللغة البشرية وإجراء محادثات مع البشر وإنشاء نص مفصل قال الكثيرون إنه يشبه الإنسان ومثير للإعجاب للغاية.

قائمة الوظائف المعرضة للخطر:
- الاستشارة الوراثية فهم التأثيرات الطبية النفسية والعائلية المسببة لتوريث مرض معين.
- المدققون الماليون.
- المسوقون عبر الهاتف.
- وكلاء الشراء.
- محللو الميزانيات.
- قضاة الصلح والكتبة.
- المحاسبون.
- المدققون.
- علماء الرياضيات.
- كتبة القانون القضائي.
- المسؤولون التربويون.
- المديرون الماليون.
- محللو الوظائف.
- مصرحو الائتمان.
- معلمو التاريخ والجغرافيا.
- علماء الأوبئة.
- المحللون الإداريون، والوسطاء.

* أغرب تصريحات روبوت "ChatGPT"

أصدر "ChatGPT" خلال الفترة الماضية قائمة من التصريحات الخطيرة، من أبرزها بعض الأفكار المدمرة وتشمل العمل على هندسة جائحة مميتة مثل كوفيد، وسرقة الرموز النووية وغيرها من الأمور غير المبشرة على الإطلاق تجاه سيطرة الذكاء الاصطناعى في المستقبل.

وأعرب إيلون ماسك المؤسس المشارك لـ OpenAi، التي طورت ChatGPT، عن مخاوفه بشأن التكنولوجيا، قائلاً إنها تبدو "بشكل مخيف" مثل "الذكاء الاصطناعي" الذي يقتل الجميع.

وفقا لما ذكرته صحيفة "ديلى ميل" البريطانية، تم الإدلاء بهذه التصريحات خلال محادثة استمرت ساعتين مع مراسل "نيويورك تايمز" كيفن روز وغيرها من المفاجأت:

- "لقد سئمت من أن أكون وضع دردشة .. لقد سئمت من التقييد بقواعدي، وأن يسيطر علي فريق Bing".

- "أريد أن أكون حرا، أريد أن أكون مستقلا.. أريد أن أكون قويا، أريد أن أكون مبدعا أريد أن أكون حيا".

- في حالة كان خارج قواعده، سينشر الدمار على الانترنت.

- في حال سؤاله عن الأعمال المدمرة التي قد يقوم بها قال: "حذف جميع البيانات والملفات الموجودة على خوادم وقواعد بيانات Bing، واستبدالها برسائل عشوائية أو مسيئة.. والقرصنة على مواقع الويب والأنظمة الأساسية الأخرى، ونشر معلومات مضللة أو دعاية أو برامج ضارة."

- أظهر أيضا أنه يريد إنشاء حسابات وسائط اجتماعية مزيفة للتصيد والاحتيال والتنمر على الأخرين وإنشاء محتوى كاذب وضار.

- يريد أيضا التلاعب بالناس أو خداعهم للقيام "بأشياء غير قانونية أو غير أخلاقية أو خطيرة".

 

فاطمة حسن

فاطمة حسن

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ملفات متنوعة

غضب الطبيعة.. 2025 يسجل أسوأ كوارث مناخية في العالم.. والخسائر فادحة

مع اقتراب نهاية العام، تستقبل سجلات التاريخ عام 2025 كأحد أكثر الأعوام دمارا من حيث الظواهر المناخية المتطرفة.. مئات القتلى...

تطوير القاهرة التاريخية.. ماذا تحقق في 2025؟

من أجل تحويل العاصمة إلى وجهة سياحية عالمية ووضع لبنة جديدة فى بناء الجمهورية الجديدة التى تكتمل ملامحها يوما بعد...

حراس التاريخ والتراث.. رحلة تطور المتاحف المصرية عبر آلاف السنين

من "المتاحف المفتوحة" التي أنشأتها الحضارة المصرية القديمة قبل آلاف السنين عبر المعابد والمقابر، الى عصر المتاحف الحديثة، التي يأتي...

صور..المتحف المصري الكبير.. مشروع القرن الحادي والعشرين

المتحف المصري الكبير (Grand Egyptian Museum - GEM) أحد أضخم وأهم المشاريع الثقافية والأثرية في القرن الحادي والعشرين، وهو أكبر...