الطريق إلى الناتو.. هل تتجاوز "الشقيقتان" عقبة تركيا ويكملان الرحلة معا؟ 

الطريق إلى الناتو ليس مفروشا بالورود.. فبعد أن قدمت "الشقيقتان" فنلندا والسويد طلبات الانضمام الى الحلف معا.. وتم تصديق 28 دولة بالاتحاد الأوروبي .. وقفت تركيا والمجر حجر عثرة في رحلة الوصول إلى الحلف الأطلسي..  بسبب اتهام تركيا للسويد بإيواء عناصر من "حزب العمال الكردستاني" الذي تعتبره منظمة إرهابية.

ومع استئناف تركيا مفاوضات الانضمام مع الدولتين الإسكندنافيتين بعد تعليقها في يناير الماضي.. هل يتجاوز "الشقيقان" عقبة تركيا ويكملان الرحلة معا كما بدآها سويا؟ أم تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن؟ وماذا يعني انضمام الدولتين للناتو؟ و كيف يؤثر على الحرب الروسية في أوكرانيا؟  

تركيا تستأنف المفاوضات

في انفراجة للوضع المتأزم.. استأنفت تركيا مع الدولتين الإسكندنافيتين مفاوضات الانضمام المعطلة.. واتفقت الأطراف الثلاثة، على عقد مزيد من المحادثات في الفترة القادمة.

كما اتفقت البلدان الثلاثة على عقد لقاء جديد في إطار الصيغة ذاتها قبيل قمة للناتو مقررة في فيلنيوس في يوليو القادم.

ورهنت تركيا مجددا خلال الاجتماع، سرعة انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف بالخطوات التي ستتخذها الدولتان الأوروبيتان، للالتزام بما ورد في مذكرة التفاهم الثلاثية وإزالة مخاوفها الأمنية.

وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالين، إن الخطوات التي تتخذها السويد وفنلندا هي التي ستحدد سرعة ونطاق والإطار العام حول ما إذا كان انضمامهما إلى الناتو سيتم بطريقة مشتركة أم منفصلة.

ويعد هذا هو الاجتماع الثالث للآلية المشتركة الدائمة، المتشكلة في إطار مذكرة التفاهم الثلاثية بين تركيا وفنلندا والسويد والتى تم توقيعها على هامش قمة الناتو في مدريد في 28 يونيو الماضي.

وقال كبير المفاوضين السويديين أوسكار ستينستروم - خلال الاجتماع - إن تركيا أقرت بأن بلده وفنلندا اتخذتا خطوات ملموسة لمعالجة مخاوفها فيما يتعلق بمساعيهما للانضمام إلى الحلف. 

وأوضح انه تم «التقدم خطوة إلى الأمام».. وأضاف «الجانب الإيجابي اليوم هو أننا اتفقنا على أن المحادثات ستستمر»

وفي إطار جهودها لإرضاء أنقرة، أعلنت الحكومة السويدية الخميس أنها ستتخذ إجراءات جديدة ضمن نص يهدف لتشديد قانون مكافحة الإرهاب.

ترحيب كبير بالاتفاق

المشاركون بالاجتماع "رحبوا بالتقدم المحرز» بشأن اتفاق ثلاثي تم التوصل إليه العام الماضي يهدف لإرضاء الجانب التركي. 

واتفقوا أيضاً على أن المصادقة السريعة على طلبي فنلندا والسويد سيصب في مصلحة الجميع وأن عضويتيهما ستعززان التحالف»، وذلك بعد محادثات ترأسها الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ.

وأشار البيان: "ناقش ممثلو تركيا وفنلندا والسويد الخطوات الملموسة التي تم اتخاذها بالفعل وفقا للمذكرة الثلاثية، ووفقا لهذه المذكرة، لا توجد الآن قيود على توريد الأسلحة فيما بينهم، فقد زادوا بشكل كبير من التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وتعمل السويد حاليا على تشديد التشريعات المناهضة للإرهاب.

ستولتنبرج: حان الوقت الآن

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ينس ستولتنبرج الذي افتتح الاجتماع قال إن "فنلندا والسويد اتخذتا خطوات غير مسبوقة للتعامل مع المخاوف الأمنية التركية المشروعة"، مشيرا الى أن "الوقت حان الآن" لجميع الأعضاء أن يصادقوا على انضمام السويد وفنلندا قبل قمة حلف الناتو في يوليو المقبل.

ستولتنبرج، أكد أنه لا توجد ضمانات حتى الآن بشأن توقيت انضمام السويد وفنلندا إلى التحالف، "لكن من المهم استكمال عملية التصديق هذه في أقرب وقت ممكن".

وذكر ستولتنبرج في تصريحاته أن قرار المصادقة على طلبات الدول المرشحة يتم اتخاذه من قبل جميع حلفاء الناتو، كما أعرب عن ثقته في أن "السويد ستصبح عضوا في الناتو، لكن السؤال يبقى مطروحا متى سيحدث ذلك؟"

تركيا: أجواء إيجابية

أعلن متحدث الرئاسة التركية إبراهيم قالن، في تصريحات لصحفيين أتراك، الخميس، أن اجتماع الآلية المشتركة الدائمة بين تركيا والسويد وفنلندا، في بروكسل، جرى في ظل أجواء إيجابية.

وأشار قالن عقب انتهاء الاجتماع بمقر "الناتو" بالعاصمة البلجيكية، إلى أن الوفد التركي المشارك في الاجتماع ضم مسؤولين من وزارات العدل والخارجية والدفاع والداخلية وجهاز الاستخبارات.

وأكد أن الوفد التركي طرح من جديد تطلعات أنقرة بشأن اتخاذ السويد وفنلندا الخطوات القضائية والإدارية والاستخبارية اللازمة لمنع تمويل الإرهاب والترويج له والتجنيد والتحريض على العنف على وجه الخصوص، وأن تركيا تنتظر من البلدين تطبيق المذكرة الثلاثية المبرمة في مدريد بشكل كامل، وفي حال تم ذلك فإن عملية الانضمام إلى الناتو ستتقدم في اتجاه إيجابي.

وأشار إلى أن الوفد السويدي أبلغهم بأن الحكومة صدقت على مشروع قانون مكافحة الإرهاب، وأنه من المنتظر ألا يواجه عوائق كبيرة في البرلمان السويدي، وأن أنقرة ستتابع هذه العملية عن كثب.

الاجتماع الرابع بالربيع

واتفقت تركيا والسويد وفنلندا على عقد الاجتماع الرابع للآلية المشتركة خلال الربيع المقبل، والإبقاء على الآلية حتى بعد استكمال السويد وفنلندا عملية الانضمام إلى عضوية الناتو.


شروط تركية 

تركيا علقت التفاوض مع السويد وفنلندا يناير الماضي، بعد حادثة "حرق نسخة من القرآن" أمام السفارة التركية في العاصمة السويدية، كما قدمت لائحة مطالب تشمل طرد السويد عشرات المقيمين على أراضيها، معظمهم من الأكراد، إذ تشتبه بارتباطهم بمجموعات انفصالية. 

وتتطلب الموافقة على انضمام أي دولة جديدة مصادقة جميع البلدان المنضوية في التحالف العسكري  والبالغ عددها 30 دولة.

تركيا ألمحت في الآونة الأخيرة إلى أنها قد توافق على انضمام فنلندا.. دون السويد ..حيث تتهم السويد بعدم اتخاذ إجراءات كافية ضد "المنظمات الإرهابية".. والتخوف الرئيسي لأنقرة هو حزب العمال الكردستاني المحظور.

المجر ..عقبة أخرى 

المجر عقبة أخرى في طريق الدولتين إلى الناتو .. فقد أعرب رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان عن مخاوفه بشأن انضمام السويد وفنلندا للحلف، واتهم البلدين بنشر “أكاذيب” عن سلامة الديمقراطية وسيادة القانون في المجر، ضمن انتقادات أخرى.

فنلندا: بدأنا معا ونريد أن نكمل الرحلة معا

بدأنا مسارنا المشترك الى الناتو معا .. ويجب أن تتم هذه الرحلة جنبا إلى جنب وفي اتفاق مشترك، تماما كما بدأناها... هكذا أكدت فنلندا، أنها لا تنوي الانضمام إلى الحلف الأطلسي بدون "شقيقها الأكبر" السويدي.. في خبر سار و نادر لستوكهولم.

رئيسة الوزراء الفنلندية سانا مارينلا أكدت إن بلادها لا تزال مصممة على الانضمام إلى منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) مع السويد، عند لقائها نظيرها السويدي مطلع فبراير، مشددة على أن من مصلحة الجميع انضمامنا مع السويد للناتو.

كانت ستوكهولم وهلسنكي قد نسقا بين طلبيهما للانضمام للحلف على نحو وثيق.. وقاما بتسليم الطلبين معاً في مايو من العام الماضي، عقب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، بعد عقود من تبني سياسة الحياد.

وفي البداية، تم رفض عروض عضويتهم من قبل تركيا، التي اتهمت ستوكهولم وهلسنكي بدعم الإرهابيين، في إشارة إلى أنصار حزب العمال الكردستاني، الذي تعتبره أنقرة منظمة إرهابية.

ورفعت تركيا اعتراضاتها بعد اجتماع القادة الثلاثة في مدريد في يونيو 2022، حيث وقعوا مذكرة أمنية أفرجت عن عملية انضمام البلدين الشماليين إلى التحالف.

وفي يناير .. علقت تركيا المفاوضات على خلفية تظاهرات اذنت بها الشرطة السويدية .. 

والخميس استأنفت تركيا وفنلندا والسويد من جديد المفاوضات للانضمام إلى حلف الناتو.


ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن..

فقد ألمحت تركيا في الآونة الأخيرة إلى أنها قد توافق فقط على انضمام فنلندا.. دون السويد .. حيث تريد أن تتبنى السويد "موقفاً أكثر حزماً ضد النشطاء الأكراد"، الذين تعتبرهم "إرهابيين" وتطالب بتسليمهم.  


حدث تاريخي.. إجراء عاجل من السويد 

في خطوة مهمة على طريق انضمام السويد إلى الناتو.. أعلنت الحكومة السويدية، إنها قدمت إلى برلمان البلاد مشروع قانون يقترح أن يوافق البرلمان السويدي على انضمام السويد إلى الناتو. 

وقال وزير الخارجية السويدي، توبياس بيلستروم، إن “الانضمام إلى حلف الناتو هو أفضل طريقة لضمان أمن البلاد والمساهمة في تعزيز أمن المنطقة الأوروبية الأطلسية بأكملها”.

وأشار بيلستروم إلى أن “مشروع قانون الحكومة بشأن عضوية السويد في الناتو حدث تاريخي وخطوة مهمة على طريق العضوية. وهذا يعني أننا على استعداد للانضمام إلى الناتو مع فنلندا بمجرد أن تصدق جميع دول الناتو على بروتوكولات الانضمام الخاصة بنا”.

السويد..مشروع قانون لتجريم الإرهاب أمام البرلمان

في خطوة تقرب السويد من الوصول للناتو.. قدمت الحكومة السويدية مشروع قانون يمنع الانضمام إلى تنظيم إرهابي إلى البرلمان، الخميس، للتصويت عليه، وقال وزير العدل "أعتقد أن هذا القانون مهم للغاية، وللأسف كانت هناك فجوة في تشريعاتنا والآن سنسدها".

وأضاف: "جرى الاقتراح على البرلمان أن تدخل التغييرات التشريعية حيز التنفيذ في 1 يونيو 2023.

وبخصوص مشروع القانون، أوضح قائلاً: "بشكل عام، ما يعتبر جريمة هو دعم أو تقوية عمل الإرهابيين. أعمال مثل إقامة معسكرات وتقديم الدعم اللوجستي والنقل، وتوزيع الطعام، ستعتبر جرائم إذا نفذت بهدف دعم تنظيم إرهابي".

ولفت إلى أنه سيجري تنفيذ التشريع الجديد من قبل السلطات والمحاكم السويدية عندما يدخل حيز التنفيذ.

فنلندا تقترب خطوة جديدة من الناتو

في خطوة جديدة تقترب بها فنلندا من الانضمام للناتو .. وافق البرلمان الفنلندي في أول مارس الجاري بأغلبية ساحقة على مسعى البلاد للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي وعلى معاهدات الحلف. 

وجاءت الموافقة بتأييد 184 عضوًا، في البرلمان المؤلف من 200 عضو، ومعارضة 7 نواب وامتناع نائب وغياب 7 عن التصويت.

وكتب وزير الدفاع أنتي كايكونين على تويتر إن "التصويت خطوة مهمة في مسارنا نحو الناتو. أمن الوطن هدف مشترك".

برلمان المجر يؤجل التصويت

أجل البرلمان المجري عملية التصديق على انضمام السويد وفنلندا إلى حلف شمال الأطلنطى "الناتو"،  هذا التأجيل سيؤدي إلى دفع تأخير التصويت لمدة أسبوعين آخرين حتى موعد الجلسة البرلمانية التي تبدأ في 20 مارس الجارى.

وحث كل من الرئيس كاتالين نوفاك ومسؤول من وزارة الخارجية المشرعين في البرلمان اليوم على التصديق على انضمام فنلندا والسويد إلى حلف شمال الأطلسي "في أقرب وقت ممكن".. وحضر نحو عشرة مشرعين فقط من أصل 199 المناقشة الافتتاحية للعملية.

كانت مناقشات التصديق قد بدأت أول مارس الجاري بعد تأخيرها لشهور عدة.. إذ دعاهم الرئيس إلى تسريع التصديق على توسيع التحالف.

يشار إلى أنه  تم تعليق عملية التصديق في البرلمان المجري منذ يوليو الماضي، وعبر رئيس الوزراء فيكتور أوربان عن مخاوفه بشأن انضمام السويد وفنلندا للحلف لأول مرة يوم الجمعة الماضي، واتهم البلدين بنشر "محض أكاذيب" عن سلامة الديمقراطية وسيادة القانون في المجر، ضمن انتقادات أخرى.

وقال أوربان يوم الجمعة إن هناك حاجة إلى مزيد من المحادثات بين الكتل البرلمانية قبل أن يصوت النواب على طلبي العضوية.

ومن المقرر أن يزور المشرعون المجريون نظراءهم في السويد وفنلندا لإجراء محادثات الأسبوع المقبل.

و يتوقع إجراء التصويت النهائي في غضون ثلاثة إلى خمسة أسابيع.


مذكرة تفاهم ثلاثية في يونيو 2022..

بعد تقديم فنلندا والسويد طلبا رسميا بالانضمام للناتو في مايو 2022.. كانت هناك عقبة رئيسية تمثلت فيما قاله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إنه لا ينظر إلى انضمام البلدين للناتو "بإيجابية"، متهما إياهما بإيواء "منظمات إرهابية" كردية.

ولكن أزمة الدول الثلاثة شهدت انفراجة خلال قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في مدريد؛ في 28 يونيو 2022 ، حيث وقعت تركيا مذكرة تفاهم ثلاثية مع السويد وفنلندا في اليوم الأول من القمة بخصوص مكافحة الإرهاب.. تمهد الطريق لانضمام البلدين الواقعين في شمال أوروبا إلى الحلف.

وقالت الدول الثلاث -في بيان مشترك - إنها قررت تعزيز التعاون في ما بينها لمنع أنشطة التنظيمات التي وصفتها بالإرهابية.

البيان أكد أن فنلندا والسويد ستتعاملان بسرعة مع طلبات ترحيل أو تسليم أشخاص مشتبه فيهم بتهم الإرهاب، وهو ما كان مطلبا رئيسيا لتركيا، العضو في الناتو، والتي عارضت في البداية انضمام الدولتين إلى الحلف.

وذكر البيان الثلاثي أن السويد وفنلندا ستبدآن التحقيق في أنشطة جمع أموال وتجنيد مقاتلين لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه أنقرة تنظيما إرهابيا.

كانت تركيا قد قدمت 28 طلبا إلى السويد و12 طلبا إلى فنلندا لتسليم مطلوبين.

من جهته، قال الأمين العام للناتو ينس ستولتنبرغ -في مؤتمر صحفي عقب توقيع الاتفاق الثلاثي- إن الباب أصبح مفتوحا أمام انضمام فنلندا والسويد للحلف، ووصف انضمامهما بأنه مهم للناتو برمته.

وأشار إلى أن السويد وفنلندا التزمتا بالتجاوب مع المخاوف الأمنية التركية، وجاهزتان للعمل مع أنقرة لتسليم الأفراد المشتبه فيهم بتهم الإرهاب.

وأضاف أن انضمام الدولتين يبعث رسالة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن الناتو آخذ في التوسع بصورة أكبر.

وأشار إلى أن السويد وفنلندا التزمتا بالتجاوب مع المخاوف الأمنية التركية، وجاهزتان للعمل مع أنقرة لتسليم الأفراد المشتبه فيهم بتهم الإرهاب.

الالية المشتركة في اطار مذكرة التفاهم

وفي إطار المذكرة الثلاثية الموقعة في مدريد، جرى تشكيل آلية مشتركة دائمة، الهدف من تشكيل الآلية المشتركة الدائمة هو ضمان تنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاق الثلاثي.. وعقدت أول اجتماعاتها في 26 أغسطس 2022 بمدينة فانتا الفنلندية.. والثاني في السويد نوفمبر 2022.. والثالث عقد الخميس الماضي في بروكسل، والرابع سيكون في الربيع المقبل.. وتم الاتفاق على الإبقاء على الآلية حتى بعد استكمال السويد وفنلندا عملية الانضمام إلى عضوية الناتو.

ماذا يعني انضمام فنلندا والسويد للناتو 

في حال انضمت فنلندا والسويد إلى الناتو، كما يبدو حاليا، فإنهما ستجلبان معهما قدرات عسكرية ضخمة جديدة، بما في ذلك الإمكانات الجوية والملاحية المتقدِّمة لديهما، التي من شأنها أن تُغيِّر البنية الأمنية لأوروبا الشمالية وتساعد على كبح جماح العدوان الروسي بصورة أكبر.

فنلندا والسويد قدَّمتا كميات هائلة من الأسلحة إلى أوكرانيا، بما في ذلك عشرة آلاف قطعة من الأسلحة المحمولة المُضادة للدبابات والمركبات مقدمة من السويد.

ويرى المحللون أن بوتين سعى، بغزوه أوكرانيا، ليس فقط إلى إرجاع أوكرانيا تحت سطوة نفوذه وسيطرته، بل أيضا إلى تغيير نظام أوروبا الأمني، وقد نجح بوتين في تحقيق هذا الشق الأخير، ولكن ليس بالطريقة التي تمنَّاها. لقد وَحَّد الاعتداء الروسي حلف الناتو وجعل من توسُّعه أمرا أكثر احتمالية.

فلدى فنلندا جيش ذو أعداد كبيرة جدا من الجنود الاحتياط، ولدى السويد قوات بحرية وجوية قوية، لا سيما قوة الغواصات. ومع إضافة مقاتلات "جريبِن" السويدية المتقدِّمة إلى طائرات "إف-35" التي يجري طلبها الآن أو هي قيد التسليم بالفعل إلى النرويج والدنمارك وفنلندا، سيتوفَّر ما يربو على 250 مقاتلة حديثة جدا في المنطقة إجمالا. إذا عملت كل هذه القوى معا، فإنها تُشكِّل قوة كبرى.

البلطيق "بحر الناتو"

باحثون مطلعون يرون أن بحر البلطيق قد يصبح "دائرة نفوذ" لحلف شمال الأطلسي (ناتو) بما أن كافة الدول المطلّة على هذا البحر ستصير في حال انضمّت كل من السويد وفنلندا إلى الحلف، أعضاءً فيه باستثناء روسيا التي ستصبح بالتأكيد في موقع أضعف، وستكون فرص الحلف لحصر قوات البحرية الروسية في قواعدها أفضل مما هي عليه. 

وفي المستقبل، ستمرّ السفن الروسية التي تغادر مرفأ كرونشتات العسكري قرب سان بطرسبورغ عبر خليج فنلندا وستكون محاطة من الشمال وكذلك من الجنوب بدول أعضاء في الناتو.

وفي حال اندلاع حرب، سيكون من الصعب على البحرية الروسية إجراء عمليات فوق سطح البحر بينما قد تتمكن من القيام بعمليات تحت المياه، إلا أنها لا تملك سوى عدد قليل جدا من الغواصات اليوم وتهديدها ليس كبيرا. وربما يتعيّن على روسيا أن تتبنى موقفا دفاعيا بدلا من موقف هجومي.


طي صفحة "الحياد" المستمر منذ عقود

بعد عقود من عدم الانحياز.. وردا على الاعتداء الروسي على أوكرانيا.. قررت فنلندا والسويد طي صفحة عدم الانحياز العسكري المعتمد منذ تسعينيات القرن الماضي، والموروث عن حياد استمر لعقود، مع تقديم طلب للانضمام إلى "الناتو".

طوال عقود.. كان سؤال عضوية الناتو بالكاد جزءا من الجدل السياسي في فنلندا والسويد، وذلك قبل أن يبدأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اجتياحه لأوكرانيا، إذ إن البلدين لديهما تاريخ طويل من عدم الانحياز العسكري، ورغم أنهما بذلا جهودا بصورة تدريجية لإقامة تعاون وثيق مع الولايات المتحدة والناتو وناصر السياسيون في البلدين الانضمام إلى الناتو- فإن الانضمام إلى الناتو لم ينظر إليه بوصفه قضية ملحة.

بيد أن اجتياح بوتين لأوكرانيا غيَّر المعادلة.. فقد أعاد كلا البلدين تقييم سياسته الأمنية الخاصة، وسرعان ما صار الانضمام إلى الناتو الخيار الأكثر واقعية بالنسبة لهما.

وأوضحت الاستطلاعات التي أُجريت مؤخرا أن هناك في كلا البلدين أغلبية آخذة في الازدياد تدعم وتؤيد عضوية الناتو.

وتريد غالبية من الفنلنديين (53%) الانضمام إلى "الناتو" من دون انتظار السويد، وفق ما أظهر استطلاع للرأي نشرت نتائجه مطلع فبراير.

وأكدت فنلندا حتى الآن عزمها الانضمام إلى الحلف بالتزامن مع السويد.. إلّا أن الصعوبات الكبيرة التي تواجهها ستوكهولم مع أنقرة، التي بلغت ذروتها مع حوادث دبلوماسية في يناير، غيّرت المعطيات.

وأقر ستولتنبرج مطلع فبراير، بأن المهم ليس دخول البلدين بالتزامن إلى الحلف، بل أن يحدث ذلك بأسرع وقت ممكن.

وكانت فنلندا جزءاً من السويد حتى عام 1809، قبل أن تتحول إلى دوقية روسية كبيرة حتى استقلالها خلال الثورة الروسية عام 1917.

وتتشارك فنلندا، التي التزمت الحياد بعد حربها مع الاتحاد السوفييتي خلال الحرب العالمية الثانية، أطول حدود أوروبية مع روسيا بعد أوكرانيا.وتمتد حدود فنلندا مع روسيا لأكثر من 1300 كيلومتر

وسيُقام سياج عالٍ اعتباراً من الربيع على أجزاء من الحدود الممتدة على 1340 كيلومتراً، نتيجة للتوتر مع روسيا.

اسباب حياد فنلندا والسويد

في حين كانت دول الشمال الأوروبي، مثل: النرويج، والدنمارك، وأيسلندا أعضاء أساسيين بالحلف، لم تنضم السويد وفنلندا إلى الاتفاقية لأسباب تاريخية وجيوسياسية.

وتبنت كل من فنلندا، التي أعلنت الاستقلال عن روسيا عام 1917 بعد الثورة البلشفية، والسويد ، نهج السياسة الخارجية المحايدة خلال الحرب الباردة، حيث رفضتا التحالف مع الاتحاد السوفيتي أو الولايات المتحدة.

* حياد السويد

وتعود سياسة الحياد التي اتبعتها السويد إلى أوائل القرن التاسع عشر، عندما ظلت البلاد بعيدة عن الصراعات الأوروبية.. وتبنى ملكها غوستاف الرابع عشر رسميًا الوضع المحايد عام 1834.

كما أعلنت السويد سياسة "اللاحرب" خلال الحرب العالمية الثانية، حيث سمحت للقوات النازية بالمرور عبر أراضيها إلى فنلندا، واختارت السويد مواصلة سياسة الحياد بعد انتهاء الحرب.

* حياد فنلندا

أما فنلندا فواجه نهج الحياد تاريخيا صعوبة، بالنظر إلى أنها تشاركت حدودا مع قوة عظمى، هي الاتحاد السوفيتي.. ومنعت الاتفاقية الفنلندية السوفيتية التي تعرف باسم "معاهدة الصداقة"، الموقعة عام 1948 وتم تمديدها على مدار عقود، فنلندا من الانضمام إلى أي تحالف عسكري يعتبر معاديا للاتحاد السوفيتي، أو السماح بهجوم غربي عبر الأراضي الفنلندية.

وللحفاظ على السلام، اختارت فنلندا ترتيبات وصفت أحيانا بـ"الفنلدة" أو "Finlandization"، والتي وافق بموجبها القادة على مطالب الاتحاد السوفيتي من وقت لآخر.وتمت صياغة هذا المصطلح خلال الحرب الباردة، وتم تطبيقه في دول أخرى، وتعني ممارسة قوة عظمى السيطرة على دول مجاورة أصغر. 

وانتهى نهج التوازن الذي اتبعته كلا الدولتين مع انهيار الاتحاد السوفيتي. وانضمت السويد وفنلندا إلى الاتحاد الأوروبي معا عام 1995، وتدريجيا نسقا سياساتهما الدفاعية مع الغرب، مع تجنب الانضمام للناتو مباشرة، قبل أن تنهي الحرب الأوكرانية هذه السياسة أيضا.

الدول الاسكندنافية.. سياسات أمنية مختلفة

تتشابه دول إسكندنافيا في نواحٍ عدة، بيد أنها انتهجت سياسات أمنية متباينة للغاية منذ الحرب العالمية الثانية.

 وتعكس هذه التباينات إلى حدٍّ كبير التجارب المختلفة لجيران الشمالي الأوروبي أثناء الحرب. فقد انتهجت الدنمارك والنرويج سياسة الحياد، لكن ألمانيا النازية احتلت كليهما عام 1940. أما فنلندا فرفضت منذ البداية التدخُّل السوفيتي في حرب الشتاء عامَيْ 1939-1940، فوجدت نفسها تقاتل لاحقا في صف هتلر حتى تتمكَّن من انتشال نفسها من الحرب.

وقد هربت السويد وحدها من أهوال الحرب والاحتلال بفضل سياسة الحياد التي صُمِّمَت لحماية بقائها سالمة، والحال أن هذه السياسة إنما نجحت إلى حدٍّ كبير لأن جيش هتلر لم يضع في خطته ضرورة الاستيلاء على الأراضي السويدية؛ إذ أمكن له أن يُحقِّق طموحاته وأهدافه في السويد بوسائل أخرى.

فكرت السويد بعد الحرب في تشكيل اتحاد دفاعي شمالي مع النرويج والدنمارك، بيد أن المفاوضات باءت بالفشل، وذلك لأن النرويج أيقنت أن التحالف مع القوى البحرية الأنجلو-أميركية وحده هو ما سيضمن أمنها.

ولم تكن السويد مستعدة لتحالف كهذا، والسبب في ذلك جزئيا هو الوضع داخل فنلندا، إذ كانت فنلندا، الخارجة من الحرب، في وضع شائك، علما بأنها اندرجت في دولة واحدة مع السويد طيلة ستة قرون حتى عام 1809.

فقد خسرت فنلندا مدينتها الكبرى "فيبورغ" أثناء الحرب لصالح الروس، وأُجبِرَت على قبول معاهدة صداقة مع الاتحاد السوفيتي، وكانت هناك قيود مفروضة على قواتها المسلحة، علاوة على قاعدة عسكرية سوفيتية متاخمة لها إلى الغرب من العاصمة "هلسينكي".

كما أن السوفييت سيطروا أيضا على "مفوضية قيادة الحلفاء" المُكلَّفة بالإشراف على فنلندا في السنوات القليلة التالية على الحرب.
 
بالنسبة إلى السويد، كان ضمان ألا تقع فنلندا تحت أسر السوفييت مصلحة حيوية للغاية. وقد آمن القادة السويديون بأن أي حركة نحو تشكيل تحالف غربي أوسع من شأنه أن يضع فنلندا في موضع أكثر هشاشة وحساسية، ومع أنهم تحاشوا أن يقولوا ذلك علنا، فإن أخذ هذا بعين الاعتبار كان سببا رئيسيا لسياسات السويد المتمثلة في الحياد المُسلَّح أثناء الحرب الباردة.
 
بيد أن هذا الحياد لم يعنِ الاستخفاف بالقوات المسلحة. فقد أبقت السويد أثناء الحرب الباردة على قواتها العسكرية المَتينة، بما في ذلك القوات الجوية التي عُدَّت بسببها رابع أقوى جيش في العالم لفترة من الزمان.

أما سياساتها الرسمية، فكانت الالتزام بصراحة بمبدأ عدم الانحياز العسكري، لكنها عقدت تجهيزات في الخفاء للتعاون مع الولايات المتحدة والناتو في حال نشبت حرب بين القُطبين، ونُظِر إلى موقفها بالعموم على أنه يناصر المصالح الأمنية الغربية في المنطقة.

توسع الناتو

الناتو" تحالف عسكري نشأ عام 1949، هدف حلف الناتو الأساسي هو تعزيز الأمن والدفاع المشترك للدول الأعضاء بكافة السبل السياسية والعسكرية ضد أي تهديد خارجي..

كان الهدف الرئيسي لتشكيل حلف الناتو أو منظمة "حلف شمال الأطلسي" هو ردع أي تهديد توسعي من قبل الاتحاد السوفيتي في القارة الأوروبية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية.
والدول الـ 12 المؤسسة للحلف هي: الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وبلجيكا وكندا والدنمارك وفرنسا وأيسلندا وإيطاليا ولوكسمبورغ وهولندا والنرويج والبرتغال.

في عام 1999 انضمت دول مجموعة "فيسغراد" وهي المجر وبولندا وجمهورية التشيك إلى الناتو، أما في عام 2004 فقد انضمت إلى الحلف دول مجموعة "فيلنيوس" وهي بلغاريا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا.

وفي عام 2009، وافق حلف الناتو على انضمام ألبانيا وكرواتيا، ليبلغ عدد أعضائه 30 دولة مع انضمام الجبل الأسود عام 2017 ومقدونيا الشمالية عام 2020. ومؤخرا، تم إدراج ثلاث دول هي البوسنة والهرسك وجورجيا وأوكرانيا تحت فئة الدول الطامحة للانضمام.

ويتبع "الناتو" سياسة "الباب المفتوح"، والتي تعني أنه يمكن دعوة أي دولة للانضمام إذا أعربت عن اهتمامها، طالما أنها قادرة ومستعدة للالتزام بمبادئ معاهدة التأسيس.

وينص ميثاق الحلف على وجوب موافقة كل الدول الأعضاء (عددها حاليا 30) على انضمام أي دولة جديدة إليه.

بعد تقديم الدولتين طلب العضوية.. تبدأ عملية انضمام تتكون من سبع خطوات، وتتضمن المحطات الرئيسية بهذا المسار محادثات بين الناتو والدولتين المرشحتين.

ويتعين على المرشحين أن يوافقا رسميًا على التزامات العضوية، ثم توقع الدول الأعضاء الحالية على "بروتوكول الانضمام"، قبل الموافقة بشكل فردي عليه داخل دولهم، اي نحتاج عملية تصديق في 30 برلمانا، والتي دائما ما تستغرق وقتا، وعادة ما تستغرق عملية التصديق حوالي العام، بداية من توقيع الدول الأعضاء على "بروتوكول الانضمام" وصولًا إلى انضمام الدولة مقدمة الطلب إلى معاهدة واشنطن.

لكن الحرب في أوكرانيا أكدت الحاجة الملحة لعضوية فنلندا والسويد، وبناء على ذلك، قد يتم تسريع الجدول الزمني.

وبعد ذلك، تحصل الدولة المرشحة على دعوة رسمية للانضمام إلى "معاهدة واشنطن"؛ الوثيقة المؤسسة للتحالف

أهمية عضوية الناتو

يتمثل سبب رغبة معظم الدول في الانضمام إلى الناتو في أن المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي، التي تنص على أنه "يعتبر جميع الموقعين الهجوم على أحد الأعضاء هجوما على الجميع".

وكانت المادة الخامسة حجر زاوية بالتحالف منذ تأسيسه عام 1949، ليصبح قوة موازنة مقابل الاتحاد السوفيتي.

وكان الهدف من المعاهدة، والمادة الخامسة تحديدا، ردع الاتحاد السوفيتي عن شن هجمات على الديمقراطيات الليبرالية التي افتقرت إلى القوة العسكرية.

وتضمن المادة الخامسة أن موارد التحالف بأكمله، بما في ذلك الجيش الأمريكي الضخم، يمكن استخدامها لحماية أي دولة عضو، مثل الدول الأصغر "التي ستصبح بلا حول أو قوة" بدون حلفائها، فأيسلندا، على سبيل المثال، ليس لديها جيش دائم.

علا الحاذق

علا الحاذق

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ملفات عرب وعالم

العالم العربي 2025.. وقف حرب غزة وتزايد الاعترافات بفلسطين وسوريا "دولة العام"

عام "فلسطيني" بامتياز .. من وقف الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة.. الى تحول ملموس في التوجه الدولي تجاه الحق الفلسطيني،...

المشهد العالمي في 2025.. ارتفاع غير مسبوق في عدد النزاعات.. وتصاعد التوترات  

مع استقبال العام الجديد.. وفي نظرة سريعة لأهم الاحداث العالمية على مدار عام 2025.. لا يزال يعيش على وقع نيران...

من مصر إلى العراق.. 67 قمة عربية خلال 80 عاما

منذ تأسيس جامعة الدول العربية قبل 80 عاما.. وصل عدد القمم العربية إلى 67 قمة.. عقدت تحت نار الأزمات وارتبطت...

كشمير .. صراع تاريخي يتجدد بين الهند وباكستان

كشمير.. كلمة السر في الصراع الممتد عبر 8 عقود بين الهند وباكستان .. والسبب الرئيسي في واحدة من أطول الحروب...