ثمة أشياء تبدو حاسمة فقط لأننا اعتدنا أن ننظر إليها بالطريقة نفسها. الجدار جدارٌ ما دمنا نراه ارتفاعًا يحجب ما وراءه، والوقت خصمٌ ما دمنا نقيسه بما انقضى منه، والماء حاجزٌ ما دمنا نراه مسافةً تفصل بين ضفتين. والإنسان لا يغيّر الأشياء بيديه وحدهما؛ إنما يغيّرها حين يغيّر نظرته إليها أولاً.
محمود علامرئيس الإدارة المركزية للأنباء والتحليل السياسيبالهيئة الوطنية للإعلام
تقول ساعة الرمل لمن يتأملها إن الزمن يمضي في اتجاه واحد: حبةٌ تسقط وراء أخرى، من الأعلى إلى الأسفل، حتى يعلن الرمل انقضاء الوقت. غير أنها تخفي سرًّا بسيطًا وعظيمًا في آنٍ واحد: أن الذي يتأملها بعينه يستطيع أن يقلبها بيده.
على الضفة الشرقية لقناة السويس، بعد يونيو 1967، قامت ساعة رملٍ بحجم جدار. ساترٌ ترابي يعلو عشرين مترًا أو يزيد، ينحدر نحو الماء بميلٍ حاد لا تصعده مركبة ولا يثبت عليه ثِقل، ومن ورائه تحصينات ومواقع نيران، وخزانات مادةٍ حارقة أُعدّت لتحويل سطح القناة إلى لهب في لحظات. كل شيء فيه صُمّم ليقول شيئًا واحدًا: العبور ثمنه باهظ، والوقت طويل، والعقبة أكبر من أن تُجتاز.
وقد مدّه أصحابه على امتداد القناة خطًا دفاعيًا ظنّوه لا يُخترق، تتوزع على امتداده نقاطٌ حصينة تتساند فيما بينها بالنيران. ولم يكن حصنًا من التراب والإسمنت فحسب، بل كان ثقةً أيضًا: ثقةً بأن ما لا يُعبر اليوم لن يُعبر غدًا، وبأن الجدار الذي أُقيم على الرمال قد أُقيم قبله في الرؤوس.
وكانت التقديرات المتداولة تذهب إلى أن فتح ثغرة فيه سيستغرق يومًا كاملاً أو يومين، تحت النار، وبكلفة بشرية تُعدّ بالآلاف. وكان أصحابه يقرؤون ذلك قراءة المطمئن: فمن يحتاج إلى يومين ليعبر، لا بد أن ينذر بمجيئه قبل أن يبدأ بيومين. فظل الرمل يتساقط في ساعتهم سنةً بعد سنة، وهم يرونه لا يعدّ ما بقي من الجدار، وإنما يعدّ صبر خصومهم.
غير أن الساعة كانت تخفي، مثل كل ساعة رمل، متغيرًا واحدًا لم يدخل في حساباتهم: عقل من يقف على الجانب الآخر؛ عقلٌ يعرف أن في وسعه أن يمد يده إلى الساعة ويقلبها.
فقد كانت الحلول الأولى تتفق على أمرٍ واحد: أن الساتر عقبةٌ صلبة لا بد من كسرها، وأن كسره يحتاج إلى زمنٍ طويل وأرواحٍ كثيرة. كلها كانت تنظر إليه بالنظرة نفسها التي أرادها بُناته: جدارًا لا يُفتح إلا بالقوة. ثم جاء الجواب من حيث لا يُنتظر، من أسوان. هناك، في سنوات بناء السد العالي، رأى المهندس الشاب باقي زكي يوسف الماء يحمل جبالاً من الرمل ويدفع بها إلى جسم السد حتى تتشكل منها كتلٌ هائلة، فتساق كما يُساق القطيع. وبقي المشهد عالقًا في ذاكرته سنوات، كحجرٍ صغير في جيبٍ لا يعرف صاحبه لماذا يحمله، حتى وقف أمام الساتر وسأل سؤالاً بدا أبسط من أن يكون عبقريًا: إذا كان الماء قد استطاع أن يتعامل مع جبال من الرمل في أسوان، فلماذا لا يفعل الشيء نفسه مع ساتر من الرمل على ضفة القناة؟
لم تكن العبقرية في أن الماء يحرّك الرمل؛ فالفيزياء لا تغير قواعدها ما بين السلم والحرب. كانت العبقرية في نقل خبرةٍ معرفية من مشروعٍ قومي ضخم إلى مشكلةٍ لا تبدو بينهما صلة، فإذا بما تعلّمه المصريون في بناء السد العالي يفتح الطريق إلى عبور الساتر: مضخاتٌ قوية تُثبّت على الشاطئ وعلى زوارق خفيفة، تسحب الماء من القناة وتقذفه على الساتر، فيجرف الرمل معه وينسحب إلى القناة. فلم يتغير الماء، ولم يتغير الرمل؛ وإنما تغيّر السؤال.
وكثيرًا ما تأتي الحلول الكبرى من هذا الباب الخلفي: لا من التحديق والإمعان في المشكلة وحدها، بل من استعارة جوابٍ وُلد في ميدانٍ آخر. فمن يضيّق نظره على جدارٍ بعينه قد لا يرى أن الماء الذي يقف أمامه عائقًا، يمكن أن يكون هو نفسه سلاحه.
ولم تكتفِ الفكرة ببريقها الأول، بل أُخضعت لما يُخضع له كل عقلٍ جادّ: الاختبار. فبين عامي (1969ــ 1972) توالت التجارب، وفق ما ترويه المصادر والروايات المصرية، على سواتر أُقيمت لمحاكاة الساتر الحقيقي في جزيرة البلاح قرب محافظة الإسماعيلية. جُرّبت ضغوط مختلفة، وزوايا متعددة لقذف الماء، وتغيّرت أعداد المضخات، حتى صار الزمن المطلوب لفتح كل ثغرة أقرب إلى رقمٍ محسوب منه إلى تقديرٍ مرتجل. وجاءت المضخات إلى الجبهة في صورة احتياجات مدنية لا تثير الشك: للزراعة وإطفاء الحرائق. فكانت الحرب تتهيأ في صمتٍ يشبه صمت الحقول: هادئًا في ظاهره، عامرًا بالعمل في باطنه. وفي النهاية أمكن فتح عشرات الثغرات بالمياه، بعدما تحولت الفكرة من احتمالٍ نظري إلى واقع فعلي نُفِذ على امتداد الساتر.
غير أن الساتر لم يكن الجدار الوحيد الذي احتاج إلى نظرةٍ مختلفة؛ فثمة جدارٌ آخر لا يقل صلابة عن سابقه, أكثر خفاءً وأشد أثرًا: هو الزمن نفسه. فإذا كان الرمل قد أقام أمام المصريين حاجزًا ماديًا، فإن الوقت كان يمكن أن يقيم حاجزًا آخر في الحسابات والتوقعات.
فالحرب، في الحساب التقليدي، تحتاج إلى موعدٍ تُعرف علاماته، وتسبقها إشاراتٌ يلتقطها المراقب المتيقظ. أما المصريون فدرسوا خصمهم دراسة من يعرف أن الزمن لا يُقاس بالساعات وحدها، بل بما يملأها من عادات وطقوس وقراءات. فاختاروا السبت، السادس من أكتوبر، العاشر من رمضان؛ وهو في تقويم الخصم يوم الغفران، أقدس أيامه وأكثرها سكونًا، تهدأ فيه مظاهر الحياة العامة إلى حدها الأدنى؛ فتغلق المصالح أبوابها، ويخفت البث الإذاعي، وتتعطل حركة الطيران، ويهبط الاستنفار وتخفت اليقظة إلى أدنى درجاتها.
ولم يكن اختيار اليوم هو كل العبقرية في التوقيت؛ فقد جاءت الساعة نفسها جزءًا من الخطة. لم يُبحث عن يوم تخف فيه درجة الاستعداد فحسب، بل عن لحظةٍ تقل فيها احتمالات توقع الهجوم، وتمنح الدقائق الأولى من المعركة قيمتها كاملة. كان الزمن هنا سلاحًا آخر، لا يقل أهمية عن السلاح الذي سيبدأ بعد لحظات.
وفي الثانية ظهرًا، في وقتٍ لا يُختار عادةً لبدء الحروب، بدأ كل شيء. السكون الذي بدا ضمانًا قرأه الرجال فرصة، والظهيرة التي بدت هدنةً قرأوها لحظة صفر. ثم انشقّ الصمت عن السماء والأرض معًا: أكثر من مئتي طائرة تضرب أهدافها في سيناء في دقائق، ونحو ألفي قطعة مدفعية تصب نيرانها على الضفة المقابلة. وقبل أن تصل الموجة الأولى إلى الساتر، كانت الضفادع البشرية قد سبقت إلى مهمتها، فعطّلت أنابيب النابالم التي أُعدّت لإحراق سطح القناة وإعاقة العبور. ثم اندفعت الزوارق المطاطية تحمل المشاة إلى الشرق، وتسلق الجنود الساتر الترابي بالحبال والسلالم البدائية، فيما بدأت وحدات المهندسين العسكريين فتح الثغرات بمضخات المياه.
وهنا لم يعبر المصريون القناة وحدها، بل عبروا قبلها جدار الدهشة.
وفي ذلك اليوم كان كثيرٌ من الجنود صائمين، رغم صدور فتاوى شرعية تبيح للمقاتل أن يفطر، فأبى كثيرون منهم. ورُويّ عن اللواء فيليب زخاري، قائد لواء الصواريخ في بورسعيد، وهو مسيحي الديانة، أنه صام مع جنوده المسلمين حين أصروا على الصيام. وليس المقصود أن الصيام هو الذي صنع النصر، ولا أن الحرب تُقاس بمقدار المشقة وحدها؛ لكن وجوده في المشهد أضاف طبقة أخرى إلى المفاجأة. فكيف يمكن، في حسابات الخصم، أن يبدأ جيشٌ هجومًا واسعًا في ظهيرة يوم الغفران، بينما جنوده المصريون في العاشر من رمضان صائمون؟ كان الصيام، إلى جانب التوقيت وبقية عناصر الخداع، جزءًا من صورة جعلت الهجوم أقل حضورًا في دائرة التوقع، فوق تصورات مسبقة كانت تستبعد إقدام مصر على حرب جديدة.
أما على الجانب الآخر، فكان المشهد أكثر بساطة وأشد إنسانية: رجالٌ يعرفون أن لأجسادهم حدودًا، لكنهم لا يتركون تلك الحدود تقرر وحدها قدرتهم على الفعل. رجالٌ حرموا أنفسهم قطرة الماء في عز الظهيرة، ثم فتحوا بنفس الماء طريقهم إلى النصر.
وفي ساعاتٍ معدودة، لا في الأيام التي حُسبت، فُتحت في الساتر عشرات الثغرات، نحو ثمانين في أكثر الروايات تداولاً. وانفتح الجدار الذي قيل إنه عصيّ على العبور؛ لا لأن المصريين امتلكوا قوةً أكبر من الرمال، بل لأنهم وجدوا طريقةً تجعل الرمل يتخلى عن صلابته.
ولا يعني ذلك أن الطريق كان هيّنًا؛ فالفكرة وحدها لا تعبر قناة. لكنها الفكرة التي جعلت العبور ممكنًا، وجعلت الشجاعة تجد ما تعمل عليه.
وفي الحكايات القديمة تحرس الأسوار كنوزًا، وتعوزها كلمة سر. أما في حكاية أكتوبر، فكانت كلمة السر ماءً. وكأن القناة، التي بدت حدًا يفصل بين ضفتين، أرادت أن تخفي في داخلها المفارقة ذاتها، لتقول كلمتها الأخيرة: أنا لستُ الحدّ، أنا الطريق.
فانقلبت الساعة..
صار الرمل الذي كان يُراد له أن يعدّ صبر المصريين، يعدّ ما بقي من الجدار. ففي السادس من أكتوبر لم يتغير الرمل؛ تغيّرت النظرة إليه. ولم يتغير الماء؛ تغيّر السؤال الذي وُجّه إليه. ولم يتغير الزمن؛ لكن المصريين عرفوا كيف يقلبون ساعته.
ولهذا لم يكن عبور القناة وحده هو الحكاية الأكبر في ذلك اليوم. الحكاية الأعمق أن شعبًا وقف أمام جدارٍ قيل له إنه عصيّ، فلم ينشغل بارتفاعه، ولم يستسلم لصورته، ولم يسأل السؤال الذي يفرضه العجز: كيف نهزمه؟
سأل السؤال الذي تصنع به الشعوب طريقها حين تضيق الطرق: كيف نجعله يهزم نفسه بنفسه؟ وجاء الجواب في ظهيرة السادس من أكتوبر، لا في الكلمات، بل في المشهد نفسه: فلم تعد الأشياء تؤدي الوظيفة التي أُريد لها أن تؤديها؛ فالرمل الذي أُقيم ليمنع العبور صار سبيلاً إليه، والماء الذي بدا عائقًا صار الأداة التي فتحت الطريق.
فانقلبت المقاييس كما انقلبت الساعة: بين قطراتُ الرمل وحبيبات الماء فأخذت الأولى مكان الماء، وأخذت الثانية مكان القوة.
ومن يومها، لا ينبغي لأمةٍ أن تسأل عن ارتفاع الجدار الذي أمامها، بقدر ما تسأل عن قدرتها على فهمه. فليس أبقى الجدران أعلاها، بل أشدها رسوخًا في العقول.
فإذا تغيّرت طريقة النظر، تغيّرت وظيفة الأشياء؛ وقد يبدأ النصر أحيانًا قبل أن يتحرك جندي واحد، يبدأ حين ينظر الإنسان إلى الجدار فلا يراه جدارًا، وإلى الماء فلا يراه عائقًا، وإلى الرمل فلا يراه إلا رملاً.
عندها فقط ... تنقلب الساعة .. ويسقط الوهم.
موقع أخبار مصر هو موقع أخبارى سياسى اجتماعى فنى رياضى يصدره قطاع الأخبار -بالهيئة الوطنية للإعلام - التليفزيون المصرى سابقاً
ثمة أشياء تبدو حاسمة فقط لأننا اعتدنا أن ننظر إليها بالطريقة نفسها. الجدار جدارٌ ما دمنا نراه ارتفاعًا يحجب ما...
لقد سطر الجندي المصري يوم العاشر من رمضان أروع ملحمة جمعت بين أعظم أنواع العبادات الروحية، وهي الصيام والتقرب إلى...
تظل ذكرى السادس من أكتوبر واحدة من أعظم المحطات المضيئة في تاريخ مصر الحديث، وواحدة من اللحظات الفارقة التي تجلت...
الثروة التي تصنع الرخاء.. ولا تضمن المستقبل في الاقتصاد، لا تأتي المرارة دائمًا من الخسارة. أحيانًا تبدأ من مكسب يبدو...