ثاني أكسيد الكربون.. المحرك الخفي لتغير المناخ

ما هو ثاني أكسيد الكربون؟.. ثاني أكسيد الكربون غاز عديم اللون والرائحة يوجد طبيعيًا في الغلاف الجوي. ينتج عن تنفس الإنسان والحيوان، وتحلل المواد العضوية، والحرائق الطبيعية، كما تمتصه النباتات وتستخدمه في عملية البناء الضوئي.

د. مجدى بدران
عضو الجمعية المصرية للحساسية والمناعة

 

لكن ثاني أكسيد الكربون أصبح أحد أهم غازات الدفيئة بسبب الارتفاع الكبير في كمياته الناتجة عن الأنشطة البشرية. وتكمن أهميته في قدرته على امتصاص جزء من الأشعة الحرارية الصادرة من سطح الأرض، مما يساهم في احتفاظ الغلاف الجوي بالحرارة.

ثاني أكسيد الكربون والنظام البيئي

• ثاني أكسيد الكربون مكوّن أساسي في النظام البيئي، وليس مجرد غاز ملوِّث. فهو جزء طبيعي من دورة الكربون ويربط بين الغلاف الجوي والنباتات والتربة والمحيطات والكائنات الحية.

• البناء الضوئي: تمتص النباتات ثاني أكسيد الكربون من الهواء وتستخدمه مع الماء والطاقة الضوئية لإنتاج السكريات وإطلاق الأكسجين.

• السلسلة الغذائية: الكربون الذي يدخل النباتات يتحول إلى مادة عضوية، ثم ينتقل إلى الحيوانات والإنسان عبر الغذاء.

• تنفس الكائنات الحية: تعيد النباتات والحيوانات والإنسان ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي أثناء التنفس.

• تحلل الكائنات: تحلل البكتيريا والفطريات بقايا الكائنات الحية، فيعود جزء من الكربون إلى الهواء والتربة.

• المحيطات: تمتص المحيطات كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون وتشارك في تنظيم تركيزه الجوي، لكن زيادة ثاني أكسيد الكربون تؤدي أيضًا إلى تحمّض المحيطات.

• التربة والغابات: التربة والنباتات تخزنان كميات ضخمة من الكربون، ولذلك تعد الغابات والأراضي الرطبة والنظم الساحلية مهمة في دورة الكربون.

• ثاني أكسيد الكربون من غازات الدفيئة الطبيعية، ويساعد وجوده الطبيعي في الحفاظ على درجة حرارة مناسبة للحياة. لكن ارتفاع تركيزه بسبب الأنشطة البشرية يعزز الاحتباس الحراري ويغير توازن النظام المناخي.

• وجود ثاني أكسيد الكربون في حد ذاته ليس مشكلة؛ فهو جزء أساسي من النظام البيئي. المشكلة هي ارتفاع تركيزه بسرعة وبمستويات تتجاوز قدرة الأنظمة الطبيعية على امتصاصه بالكامل.

زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون

يأتي الجزء الأكبر من الزيادة الحديثة من حرق الوقود الأحفوري، مثل الفحم والنفط والغاز الطبيعي، لتوليد الكهرباء وتشغيل وسائل النقل والمصانع وتدفئة وتبريد المباني.

وتساهم إزالة الغابات وتدهور النظم البيئية في المشكلة أيضًا، لأن الأشجار والتربة تمثل مخازن طبيعية للكربون. وعندما تُزال الغابات أو تحترق، ينطلق جزء من الكربون المخزن إلى الغلاف الجوي، بينما تقل قدرة البيئة على امتصاص ثاني أكسيد الكربون.

كما تسهم بعض العمليات الصناعية والزراعية وتغير استخدامات الأراضي في انبعاثات غازات الدفيئة.

اغتيال الغابات

1. إزالة الغابات تطلق ثاني أكسيد الكربون المخزن في الكتلة الحيوية والتربة، بينما يؤدي فقد الأشجار إلى تقليل امتصاص ثاني أكسيد الكربون مستقبلًا نحو 10% من الانبعاثات العالمية السنوية ترتبط بإزالة الغابات وتدهورها وتغير استخدام الأراضي.

2. فقد العالم نحو 420 مليون هكتار من الغابات منذ عام 1990 بسبب تحويل الأراضي إلى استخدامات أخرى.

3. الغابات تخزن كميات هائلة من الكربون؛ إذ تحتوي النظم الحرجية على مئات المليارات من الأطنان من الكربون في الأشجار والتربة.

4. الغابات تمتص من الغلاف الجوي نحو نصف ما تصدره النظم البيئية البرية من الكربون سنويًا، مع اختلاف كبير بين المناطق والسنوات.

5. لذلك فإن وقف إزالة الغابات واستعادة الغطاء الحرجي يمكن أن يقللا الانبعاثات ويحافظا على أحد أهم مخازن الكربون الطبيعية.

التبغ والتدخين

ترتبط صناعة ترتبط صناعة التبغ والتدخين بإنتاج غاز ثاني أكسيد الكربون بشكل مباشر، وهو ما توثقه الدراسات والأبحاث الطبية المؤكدة. وينتج هذا الغاز بكثافة عالية عند احتراق أوراق التبغ والورق اللفّاف المصاحب للسجائر، مما يؤثر سلباً على صحة الإنسان والبيئة.

أظهرت التجارب أن تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في الدخان المستنشق مباشرة من السيجارة أعلى بنحو 200 مرة من نسبته الطبيعية في الغلاف الجوي. وتبين أن ثاني أكسيد الكربون هو المسؤول الأساسي عن الاستجابة الالتهابية الحادة في الرئتين وتنشيط عوامل الالتهاب الخلوي.

تشير الأبحاث المخبرية إلى أن الارتفاع المستمر في مستويات ثاني أكسيد الكربون داخل الرئة يعزز من التأثيرات التكاثرية والمسرطنة لمادة النيكوتين والمشتقات الكيميائية الناتجة عنها، مما يرفع احتمالية تحول الخلايا إلى أورام خبيثة.

يستنشق المدخنون هواءً يحتوي على نسبة تصل إلى 13% من ثاني أكسيد الكربون أي ما يعادل 350 ضعف التركيز الطبيعي. هذا الغاز يعد مساهماً رئيسياً في السمية العضوية المزمنة بعيدة المدى، ولا يقتصر الضرر على النيكوتين والقطران فقط.

البصمة الكربونية

البصمة الكربونية هي إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة المرتبطة بشخص أو منتج أو نشاط، وتُقاس عادةً بوحدة طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون. يبلغ متوسط الانبعاثات العالمية للفرد نحو 5 أطنان ثاني أكسيد الكربون سنويًا، مع تفاوت كبير بين الدول. يأتي جزء كبير من البصمة الكربونية من إنتاج الطاقة، النقل، الصناعة، المباني، والزراعة.

تسبب صناعة التبغ واستهلاكه انبعاث نحو 84 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً. ويُقدر أن المدخن الواحد ينتج حوالي 5 أطنان من هذا الغاز طوال حياته جراء التدخين.

ثاني أكسيد الكربون وتغير المناخ

يُعد ارتفاع غاز ثاني أكسيد الكربون أحد المحركات الرئيسية للاحترار العالمي الناتج عن النشاط البشري. فالغاز يعمل كجزء من تأثير الدفيئة الطبيعي، لكن زيادة تركيزه تؤدي إلى احتجاز مزيد من الحرارة في نظام الأرض. لا يبقى ثاني أكسيد الكربون محصورًا في الغلاف الجوي؛ إذ ينتقل باستمرار بين الغلاف الجوي والمحيطات والنباتات والتربة والصخور.

تمتص المحيطات والنظم البيئية البرية جزءًا من الانبعاثات، لكن هذا لا يعني أن ثاني أكسيد الكربون يختفي سريعًا. جزء منه يمكن أن يستمر في نظام المناخ لفترات طويلة جدًا، ولذلك فإن تأثير الانبعاثات الحالية يمتد إلى المستقبل.

ارتفاع درجات الحرارة

يؤدي بدوره إلى مجموعة من التغيرات، منها موجات الحر الأكثر شدة، وتغير أنماط الأمطار، والجفاف، والفيضانات، وحرائق الغابات، وارتفاع مستوى سطح البحر، وتغير توزيع بعض الحشرات والكائنات الناقلة للأمراض.

تغير المناخ وصحة الإنسان؟

تأثير ثاني أكسيد الكربون على الصحة له مساران رئيسيان: التعرض المباشر لتركيزات مرتفعة داخل الأماكن المغلقة، والتأثير غير المباشر الناتج عن تغير المناخ. عند المستويات الموجودة عادة في الهواء الخارجي.

ثاني أكسيد الكربون

يعد ثاني أكسيد الكربون نفسه غازًا سامًا للإنسان. لكن تراكمه داخل الأماكن المغلقة يمكن أن يكون علامة مهمة على ضعف التهوية. وعند الارتفاع الشديد جدًا، يمكن أن يسبب أعراضًا مباشرة مثل الصداع، والدوخة، وضيق التنفس، والارتباك، وفقدان الوعي. أما الخطر الأكبر على الصحة العامة فيرتبط بارتفاع ثاني أكسيد الكربون وتغير المناخ.

الجهاز التنفسي

يمكن أن يؤدي تغير المناخ إلى زيادة المخاطر التنفسية من خلال ارتفاع درجات الحرارة وتلوث الهواء والدخان الناتج عن حرائق الغابات وزيادة حبوب اللقاح وبعض مسببات الحساسية. وقد يتعرض الأشخاص المصابون بالربو والحساسية وأمراض الرئة المزمنة لتفاقم الأعراض أثناء موجات الحر أو تلوث الهواء أو انتشار الدخان.

حبوب اللقاح

ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون يمكن أن يحفز نمو بعض النباتات ويزيد إنتاج حبوب اللقاح لدى أنواع معينة. تؤدي التغيرات المناخية إلى إطالة مواسم بعض أنواع حبوب اللقاح وتغيير توزيع النباتات المسببة للحساسية. حبوب اللقاح جزيئات دقيقة تنتجها النباتات، ويمكن أن تكون من أهم مسببات حساسية الأنف والعين والجهاز التنفسي. عندما يستنشق الشخص المصاب بالحساسية حبوب اللقاح، يتعرف جهاز المناعة إليها بشكل غير مناسب ويحدث التهابًا تحسسيًا. قد تظهر أعراض مثل العطس، انسداد أو سيلان الأنف، حكة العينين، زيادة الدموع والسعال، وقد تتفاقم أعراض الربو لدى بعض الأشخاص.

القلب والأوعية الدموية

الحرارة الشديدة تضع ضغطًا إضافيًا على الجهاز الدوري. يحاول الجسم التخلص من الحرارة عن طريق زيادة تدفق الدم إلى الجلد والتعرق، مما يزيد العبء على القلب والدورة الدموية. يؤدي استنشاق ثاني أكسيد الكربون الناتج عن التدخين إلى رفع ضغط الدم ومعدل ضربات القلب، كما يُحدث خللاً في قدرة الأوعية الدموية الدماغية على الاستجابة الطبيعية لضغط الغازات الشرياني، مما يقلل من كفاءة نقل الأكسجين إلى الأنسجة الحيوية. وقد ترتبط موجات الحر بزيادة مخاطر الجفاف واضطرابات الدورة الدموية والمضاعفات القلبية، خاصة لدى كبار السن والأشخاص المصابين بأمراض القلب.

الدماغ والجهاز العصبي

يمكن للحرارة الشديدة والجفاف أن يؤثرا في وظائف الدماغ والجهاز العصبي. وقد تظهر أعراض مثل الصداع، والإرهاق، والدوخة، وصعوبة التركيز والارتباط. وتصبح ضربة الحرارة حالة طارئة عندما ترتفع درجة حرارة الجسم بشدة وتبدأ وظائف الجهاز العصبي في الاضطراب.

الكلى والجهاز البولي

الكلى من أكثر الأعضاء تأثرًا بالجفاف والحرارة. يؤدي التعرق الشديد إلى فقدان السوائل والأملاح، وإذا لم يتم تعويضها يمكن أن يقل تدفق الدم إلى الكلى. ويزداد الخطر لدى الأشخاص الذين يعملون لفترات طويلة في الأجواء الحارة أو الذين يعانون من أمراض كلوية سابقة.

الجهاز الهضمي والكبد

تغير المناخ يمكن أن يؤثر في سلامة الغذاء والمياه. ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار والفيضانات يمكن أن يزيد من فرص تلوث مصادر المياه والغذاء وانتشار بعض مسببات الأمراض. كما يمكن أن تؤثر موجات الحر والجفاف في إنتاج الغذاء وتوافر المياه، مما ينعكس على التغذية والصحة العامة.

المناعة

المناخ يؤثر في البيئة التي تعيش فيها الكائنات المسببة للأمراض والناقلات مثل البعوض والقراد. وقد تؤدي التغيرات في درجات الحرارة والأمطار والرطوبة إلى تغيير النطاق الجغرافي والموسمي لبعض الأمراض المعدية.كما يمكن أن تؤدي الكوارث المناخية والفيضانات إلى زيادة مخاطر بعض العدوى، خاصة عندما تتضرر أنظمة المياه والصرف الصحي.

الجلد والعينان

الحرارة والتعرض الشديد للشمس يمكن أن يزيدا من الإجهاد الحراري للجلد. كما يمكن للدخان والغبار وحبوب اللقاح أن تهيج العينين وتزيد أعراض الحساسية. ويصبح الأشخاص المصابون بالأمراض الجلدية والحساسية أكثر عرضة للتفاقم في بعض الظروف البيئية القاسية.

الصحة النفسية

الأحداث المناخية الشديدة، مثل الفيضانات وحرائق الغابات وموجات الحر، يمكن أن تسبب ضغطًا نفسيًا واضطرابًا في الحياة اليومية. كما قد ترتبط الكوارث المناخية بالقلق والحزن واضطرابات النوم والضغط النفسي، خاصة لدى الأشخاص الذين تعرضوا لخسائر مادية أو اجتماعية كبيرة.

الفئات الأكثر عرضة للخطر

الأطفال وكبار السن أكثر حساسية لبعض آثار الحرارة وتلوث الهواء وتغير المناخ. كما قد يكون الأشخاص المصابون بأمراض مزمنة، والعاملون في الهواء الطلق، وسكان المناطق شديدة الحرارة أو الملوثة، أكثر تعرضًا للمخاطر.

الوقاية من زيادة ثاني أكسيد الكربون

1. خفض استخدام الوقود الأحفوري مثل الفحم والنفط والغاز، والتوسع في مصادر الطاقة المتجددة.
2. تحسين كفاءة الطاقة في المنازل والمصانع والمباني لتقليل استهلاك الكهرباء والوقود.
3. استخدام وسائل النقل منخفضة الانبعاثات مثل النقل الجماعي، والمشي، والدراجات، والسيارات الكهربائية عند ملاءمتها.
4. حماية الغابات ووقف إزالة الغابات
5. زراعة الأشجار واستعادة النظم البيئية المتدهورة مع اختيار الأنواع المناسبة للبيئة المحلية.
6. مكافحة التدخين
7. تقليل هدر الغذاء والاستهلاك غير الضروري وتحسين إدارة المخلفات وإعادة التدوير.
8. خفض الانبعاثات الصناعية باستخدام تقنيات أكثر كفاءة والطاقة النظيفة، وفي بعض القطاعات تقنيات التقاط الكربون.
9. تحسين التهوية داخل المباني
10. يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من خلال ترشيد الطاقة، وتحسين النقل، وإدارة شبكات الكهرباء، ومراقبة إزالة الغابات، ودعم الزراعة الدقيقة والتنبؤ المناخي.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

د. مجدي بدران
د. مجدي بدران
مجدي بدران
د. مجدي بدران
د. مجدي بدران
د. مجدي بدران
المستشار حسام الدين علام

المزيد من مقالات

ثاني أكسيد الكربون.. المحرك الخفي لتغير المناخ

ما هو ثاني أكسيد الكربون؟.. ثاني أكسيد الكربون غاز عديم اللون والرائحة يوجد طبيعيًا في الغلاف الجوي. ينتج عن تنفس...

العام الدراسي فرصة للقراءة لبناء الوعي والثقافة

إن العام الدراسي فرصة لبناء الوعي بكثرة الاطلاع والقراءة؛ فالقراءة سبيل من سبل الوصول إلى المعرفة والعلم، وبها تكون صناعة...

قدماء المصريين أم الفراعنة، إشكالية علمية هل نجد لها حلا؟

يفضل المتخصصون في الآثار وأنا منهم بالطبع إطلاق مصطلح قدماء المصريين ويفضل الإعلاميون في الداخل والخارج مصطلح الفراعنة فأيهما أصح؟

4 مرتكزات متكاملة لصناعة الاستقرار الأسري

ينطلق الإسلام في نظرته إلى الأسرة من كونها الركيزة الأساسية في بناء المجتمع، والوعاء الأول الذي تتشكل داخله شخصية الإنسان...