أزمة التسويق الرقمي في تحول الإعلان إلى بيع للأوهام!

لم تعد التجارة الإلكترونية مجرد وسيلة للبيع والشراء وانت لا تبرح مكانك، بل أصبحت اقتصادًا افتراضيا ضخمًا ومسارًا موازيًا للتجارة التقليدية، يتعامل مع مليارات الجنيهات والدولارات يوميًا.

إبراهيم الصياد
وكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق

 

ومع اتساع استخدام الخدمات الرقمية ( الإنترنت والهواتف الذكية) أصبح المستهلك قادرًا على شراء كل ما يخطر على باله بضغطة زر واحدة !

و نرى أن انتشار منصات التجارة الإلكترونية العملاقة يمثل تطورًا إيجابيًا في عالم التجارة والاستهلاك، حيث وفرت للمواطن خيارات واسعة، وأسهمت في اختصار الوقت والجهد، وفتحت الباب أمام آلاف المشروعات الصغيرة والمتوسطة للوصول إلى المستهلك دون الحاجة إلى المتجر التقليدي.

كما أن المنافسة بين المنصات يمكن أن تؤدي، في الظروف الطبيعية، إلى تحسين الأسعار والخدمات وتقديم أقل سعر وافضل خدمة أو سلعة !

في التجارة التقليدية، يلتقي البائع والمشتري بالسلعة وجهًا لوجه و يستطيع المشتري أن يراها ويفحصها ويسأل عن مواصفاتها، ثم يقرر الشراء أو لا .

أما في التجارة الإلكترونية، فإن المشهد مختلف البائع افتراضي، والمشتري افتراضي، والسلعة لا يراها المستهلك إلا في صورة أو فيديو على شاشة الهاتف، ثم تبدأ عملية البيع والشراء بناءً على ثقة مفترضة فيما تعرضه المنصة أو المتجر الإلكتروني وهنا لا تستطيع تطبيق الموروث الشعبي: " وبين البائع والمشتري يفتح الله" لان المستهلك يواجه مشكلة الوقوع في شرك خداعي عندما تصل له سلعة بعيدة عن المواصفات القياسية ومختلفة عما ارسل له من صور لها !

تبدأ المشكلة عندما تتحول هذه التجارة الإلكترونية من سوق حقيقية إلى سوق مفتوحة لبيع الاوهام حيث يرى المستهلك إعلانًا لمنتج بمواصفات مبهرة، وصورا احترافية، وسعرا يبدو مغريًا، وربما عرضًا محدود المدة يدفعه إلى اتخاذ قرار متسرع.

وبعد إتمام عملية الشراء، تصل إليه سلعة مختلفة في الجودة أو الشكل أو المواصفات عما شاهده في الإعلان.

وقد تكون الفجوة بين الإعلان والحقيقة كبيرة إلى درجة تجعل المستهلك يشعر بأنه تعرض للنصب أو الخداع، بينما يجد نفسه أمام إجراءات معقدة لاسترداد أمواله أو استبدال المنتج !

وهنا تظهر مشكلة أخطر: الإعلان لم يعد مجرد وسيلة لتعريف المستهلك بالسلعة، وإنما أصبح في بعض الحالات وسيلة لصناعة رغبة استهلاكية قد لا تكون موجودة من الأساس.

وتزداد خطورة الأمر مع استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي في التسويق الإلكتروني.

إن هذه الخوارزميات تستطيع تحليل سلوك المستخدم، وما يبحث عنه، والمنتجات التي يتصفحها، والوقت الذي يقضيه أمام إعلان معين، ثم تقدم له إعلانات شديدة الدقة والتكرار.

وقد يجد المستهلك نفسه أمام المنتج نفسه عشرات المرات خلال اليوم، وكأن الإعلان يطارده أينما ذهب!

وهنا لا نتحدث فقط عن تسويق سلعة، بل عن محاولة مستمرة للتأثير في القرار الاستهلاكي والسيطرة على الانتباه وتوجيه السلوك.

والأخطر أن هذا النمط قد يخلق بيئة يصبح فيها المنتج الجيد أقل قدرة على المنافسة أمام المنتج الرديء إذا كان الأخير أكثر إنفاقًا على الإعلان وأكثر قدرة على جذب الانتباه.

وهنا تنطبق بصورة جديدة المقولة الاقتصادية الشهيرة: "العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة"؛ إذ يمكن للإعلان المبالغ فيه أن يمنح السلعة الرديئة فرصة للتفوق على السلعة الجيدة، ليس بسبب الجودة، وإنما بسبب قوة التسويق والإلحاح!

ولذلك فإن أزمة التجارة الإلكترونية ليست في تضليل التسويق الرقمي فقط ولكن في غياب القواعد الواضحة التي تضمن التوازن بين حق المنصة والبائع من ناحية، وحق المستهلك من ناحية أخرى.

نحن في حاجة إلى إطار قانوني وتنظيمي أكثر وضوحًا يحكم هذا النوع المستحدث من البيع والشراء، ويضع مسؤوليات محددة على المنصات والبائعين والمعلنين.

ولا يجوز أن يكون الإعلان شيئًا، والسلعة التي تصل إلى المستهلك شيئًا آخر. ولا ينبغي أن يتحول المستهلك إلى الطرف الأضعف في معادلة لا يعرف فيها حتى هوية البائع الحقيقية أو منشأ المنتج.

ومن الضروري أيضًا إلزام المتاجر والمنصات الإلكترونية بإظهار المواصفات الحقيقية للسلع، ومصدرها، وسياسات الاستبدال والاسترجاع، وبيانات البائع بصورة واضحة، مع تشديد الرقابة على الإعلانات المضللة والعروض الوهمية والتقييمات المزيفة وان تنشأ مؤسسة رقابية تجيز أو لا تجيز اعلانات هذا النوع من التجارة !

كما يجب أن تمتد الرقابة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في التسويق، بحيث لا تتحول الخوارزميات إلى أداة للتلاعب بالمستهلك أو استغلال نقاط ضعفه النفسية وسلوكه الرقمي لدفعه إلى شراء ما لا يحتاج إليه.

التجارة الرقمية باقية، بل ستزداد اتساعًا وتأثيرًا، ولا يمكن مواجهة تطورها بالرفض أو العودة إلى الماضي انما
المطلوب هو تنظيمها وحمايتها من الممارسات التي تسيء إليها.

عندما يشتري المستهلك عبر الإنترنت لا ينبغي أن يشتري صورة وإنما سلعة حقيقية بالمواصفات والسعر اللذين أُعلن عنهما.

وبين ازدهار التجارة الإلكترونية وحماية المستهلك، لا بد أن يكون القانون هو الطرف الثالث الذي يضمن أن تظل المنافسة عادلة، وأن تبقى السوق حقيقية لا تبيع الوهم !

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

عمرو الغفاري
نهال الشافعي
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
الصياد
الصياد
ابراهيم الصياد
أيمن عدلى:  ماسبيرو و الذاكرة والأمل.. والإعلام الــوطنى درع الدولة

المزيد من مقالات

أزمة التسويق الرقمي في تحول الإعلان إلى بيع للأوهام!

لم تعد التجارة الإلكترونية مجرد وسيلة للبيع والشراء وانت لا تبرح مكانك، بل أصبحت اقتصادًا افتراضيا ضخمًا ومسارًا موازيًا للتجارة...

القانون والشباب والعمل التطوعي: عقد واضح يحمي الجهد ويصنع الأثر

يمثل العمل التطوعي إحدى أجمل صور مشاركة الشباب في خدمة المجتمع. ففيه يتعلم الشاب معنى المسؤولية، وقيمة الوقت، وروح الفريق،...

حين كان المرض رسالة من السماء... السحر والطب في بلاد الرافدين

ماذا يفعل الإنسان عندما يستيقظ صباحًا فيجد جسده محمومًا، أو يشعر بألم لا يعرف مصدره، أو يرى أحد أفراد أسرته...

يد تصنع التراث.. وامرأة تصنع اقتصادها

هناك فرق بين امرأة تصنع قطعة جميلة، وامرأة تدرك أن ما تصنعه بيديها يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة واستقلال...