عندما يعيد المناخ رسم خريطة القوة... الحرب القادمة على المكان

قد لا تكون الحرب القادمة على الأرض التي نعرفها، بل على الأرض التي ستظل صالحة للحياة.

نهال الشافعي
ماجستير علوم سياسية و استراتيجية
ورئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية

هذه ليست جملة عن المستقبل البعيد، ولا سيناريو من أفلام الخيال العلمي. فالعالم بدأ بالفعل يدخل مرحلة تتغير فيها قيمة المكان بطريقة لم يعرفها التاريخ الحديث من قبل. لم تعد أهمية مدينة أو دولة تُقاس فقط بموقعها الجغرافي، أو بما تملكه من نفط وغاز، أو بقربها من الموانئ والممرات التجارية، وإنما بدأت تضاف إلى المعادلة أسئلة أكثر قسوة: هل تستطيع هذه المدينة أن تتحمل الحرارة؟ هل تملك ما يكفي من المياه؟ هل تستطيع شبكات الكهرباء والطاقة الاستمرار؟ هل يمكن لاقتصادها أن يعمل تحت ضغط المناخ؟ وهل ستظل قادرة على جذب السكان والاستثمارات بعد عشرين أو ثلاثين عامًا؟

هنا تحديدًا يبدأ التحول الأخطر.

فالتغير المناخي لا يغيّر الطقس فقط، بل قد يغيّر قيمة الجغرافيا نفسها. وقد يعيد توزيع السكان ورأس المال والاستثمارات، ويفرض على الدول أن تعيد التفكير في أمنها القومي، ليس فقط من زاوية حماية الحدود، وإنما من زاوية حماية شروط الحياة داخلها.

قد تصبح المياه أكثر أهمية من النفط في بعض المناطق، وقد يصبح امتلاك مدينة قادرة على الصمود أكثر قيمة من امتلاك مورد طبيعي ضخم، وقد يختار المستثمر مكانًا لا لأنه الأرخص، بل لأنه الأكثر قدرة على البقاء.

وبينما يواصل العالم قراءة المناخ باعتباره أزمة بيئية، قد يكون التحول الحقيقي أكبر بكثير: نحن أمام إعادة تشكيل صامتة لخريطة القوة العالمية، حيث لا يكفي أن تملك الأرض، بل يجب أن تكون قادرًا على إبقائها قابلة للحياة.

فطوال التاريخ، كانت قيمة المكان تُقاس بموقعه وموارده وموانئه وممراته التجارية وقربه من مصادر الطاقة، وبما يمنحه من ميزة عسكرية أو اقتصادية. كانت الدول تتنافس على الأرض لأنها تعني الثروة والنفوذ، وكانت السيطرة على الموقع تعني امتلاك قدرة أكبر على التأثير في الآخرين.

لكن العالم الذي يتشكل أمامنا قد يضيف معيارًا جديدًا إلى مفهوم الموقع الاستراتيجي؛ ليس فقط أين تقع الدولة، وإنما ما مدى قدرتها على الاستمرار في هذا المكان؟

هذا السؤال يبدو في ظاهره بيئيًا، لكنه في جوهره سياسي واستراتيجي. فالدولة التي تعجز عن حماية مدنها من الحرارة، أو تأمين مياهها، أو الحفاظ على إنتاجها الزراعي، أو تشغيل شبكات الطاقة والخدمات الأساسية في مواجهة الظروف المناخية المتطرفة، لن تواجه أزمة بيئية منفصلة عن بقية أزماتها، وإنما ستدخل في سلسلة متداخلة تبدأ من الاقتصاد، وتمتد إلى المجتمع، وقد تصل في النهاية إلى الاستقرار السياسي والأمن القومي.

وهكذا، ينتقل التغير المناخي تدريجيًا من كونه ملفًا بيئيًا إلى كونه عاملًا يعيد تعريف مفهوم القوة نفسه، ويضع التكيف المناخي داخل منظومة الأمن القومي. فالدولة التي لا تستطيع حماية بنيتها الأساسية من الصدمات المتكررة، أو ضمان استمرار خدماتها الحيوية، ستجد نفسها أمام تهديد يتجاوز حدود البيئة ليطال استقرارها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

لقد أمضى العالم سنوات طويلة في محاولة الإجابة عن سؤال: كيف نمنع المناخ من التغير؟ لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن أكثر تعقيدًا: ماذا سنفعل إذا كان العالم قد تغير بالفعل؟

لا يعني ذلك أن خفض الانبعاثات أو التحول إلى الطاقة النظيفة فقدا أهميتهما، بل على العكس، سيظلان جزءًا أساسيًا من المعركة. لكن الواقع يفرض على الدول أن تتحرك في مسارين متوازيين؛ أن تحاول الحد من أسباب التغير المناخي، وفي الوقت نفسه أن تستعد لنتائجه التي أصبحت واقعًا يفرض نفسه على قطاعات واسعة من العالم.

ومن هنا يكتسب التكيف أهمية تتجاوز معناه البيئي التقليدي. فالتكيف لم يعد مجرد إقامة حواجز أمام الفيضانات أو تحسين أنظمة الري، وإنما أصبح مشروعًا لإعادة تصميم الدولة والمجتمع والمدينة وفق عالم جديد، تكون فيه القدرة على الصمود جزءًا من تعريف القوة الوطنية.

حين تصبح قابلية الحياة معيارًا جديدًا للقوة

المدينة التي صُممت لمناخ الأمس ستحتاج إلى إعادة النظر في طريقة بنائها لمواجهة مناخ الغد. شبكات الكهرباء ستواجه ضغوطًا متزايدة مع ارتفاع الطلب على التبريد، والمستشفيات ستجد نفسها أمام موجات حر تضغط على قدراتها الصحية، بينما ستصبح شبكات المياه أكثر حساسية للجفاف، وستحتاج الطرق والجسور والمطارات والموانئ إلى معايير جديدة تأخذ في الاعتبار مخاطر لم تكن تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام في السابق.

لكن هذه ليست مجرد مسألة تتعلق بالبنية التحتية. فكلما تغيرت قدرة المكان على تحمل المناخ، تغيرت معه تكلفة الحياة والإنتاج والاستثمار. وما كان في الماضي قرارًا اقتصاديًا بحتًا بشأن موقع مصنع أو مشروع عقاري قد يصبح مستقبلًا قرارًا يرتبط بدرجة المخاطر المناخية التي تحيط بالمكان.

وهنا تبدأ المنافسة في اتخاذ شكل مختلف.

فالدول لن تتنافس فقط على امتلاك الموارد، وإنما على امتلاك القدرة على التكيف معها وحماية ما تملكه من أصول وسكان واقتصاد.

وقد تمتلك دولتان الموارد نفسها، لكن الدولة التي تمتلك مؤسسات أكثر كفاءة، وتمويلًا أكبر، وتكنولوجيا أكثر تقدمًا، وقدرة أفضل على التخطيط والاستجابة، ستكون أكثر قدرة على تحويل الخطر إلى فرصة، بينما قد يتحول الخطر نفسه في دولة أخرى إلى أزمة ممتدة تستنزف الاقتصاد والمجتمع.

ومن هنا قد يظهر نوع جديد من التفاوت العالمي؛ تفاوت لا يقاس فقط بحجم الناتج المحلي أو الاحتياطيات المالية أو القوة العسكرية، وإنما بقدرة الدول على حماية سكانها واقتصاداتها وبنيتها التحتية من الصدمات المتكررة.

وقد تصبح القدرة على التكيف نفسها أحد مؤشرات القوة الوطنية.

فالدول الأكثر ثراءً تستطيع الاستثمار في شبكات الإنذار المبكر، وتحسين كفاءة الطاقة، وتطوير تقنيات إدارة المياه، وإعادة تصميم المدن، وتعزيز البنية التحتية، بينما تجد الدول الأقل قدرة نفسها أمام معادلة أكثر قسوة؛ كل كارثة تستنزف جزءًا من مواردها، وكل استنزاف يقلل قدرتها على الاستعداد للكارثة التالية، فتدخل في دائرة يصعب الخروج منها.

وهنا لا يعود التفاوت المناخي مجرد فجوة في القدرة على مواجهة الكوارث، بل يتحول إلى فجوة في القدرة على الحفاظ على النمو نفسه. فالدولة التي تنفق بصورة متكررة على إصلاح الأضرار بدلًا من الاستثمار في الوقاية، قد تجد نفسها مع الوقت تنقل مواردها من التنمية إلى إدارة الخسائر، بينما تتقدم دول أخرى لأنها استثمرت مبكرًا في بناء القدرة على الصمود.

عندما يصبح التكيف المناخي جزءًا من اقتصاد الاستثمار

قد يبدأ المناخ في التأثير على القرارات التي تحدد أين تُبنى المصانع، وأين تتجه الاستثمارات، وأي المدن تستحق التوسع، وأي المناطق تصبح أكثر تكلفة بالنسبة لشركات التأمين. وقد يصبح الموقع الذي كان جذابًا بسبب قربه من الأسواق أقل جاذبية إذا ارتفعت تكلفة الطاقة والمياه فيه، بينما تكتسب مناطق أخرى قيمة جديدة لأنها أكثر قدرة على الصمود.

فالمستثمر الذي كان ينظر في الماضي إلى تكلفة العمالة، وحجم السوق، وقرب الموانئ، واستقرار الضرائب، قد يضطر مستقبلًا إلى إضافة أسئلة جديدة إلى حساباته: هل المدينة قادرة على مواجهة موجات الحرارة؟ هل مصادر المياه مستقرة؟ هل شبكة الكهرباء قادرة على تحمل الطلب؟ هل البنية التحتية معرضة للفيضانات؟ وهل يمكن أن ترتفع تكلفة التأمين على الأصول خلال السنوات المقبلة؟

بهذا المعنى، قد يصبح التكيف المناخي جزءًا من اقتصاد الاستثمار نفسه.

وقد لا يحتاج الأمر إلى كارثة واحدة ضخمة حتى يبدأ ذلك. يكفي تراكم الضغوط؛ مياه أقل، وحرارة أعلى، وتكاليف طاقة أكبر، وزراعة أكثر هشاشة، وحرائق متكررة، وفيضانات مفاجئة، حتى يبدأ المكان نفسه في فقدان جزء من قدرته على جذب البشر والاستثمارات.

وهنا يمكن أن يتحول المناخ إلى عامل جيوسياسي من دون أن يصدر أي قرار سياسي بإعادة رسم الحدود. فالسكان قد يعيدون توزيع أنفسهم، والشركات قد تعيد توزيع استثماراتها، ورأس المال قد يبحث عن مناطق أكثر قدرة على الصمود، والحكومات قد تضطر إلى إعادة توجيه الإنفاق نحو المناطق التي تستطيع استيعاب النمو السكاني.

وبمرور الوقت، يمكن أن تبدأ خريطة جديدة في الظهور؛ خريطة لا ترسمها الحروب وحدها، ولا تحددها الحدود السياسية، وإنما تشكلها قدرة المكان على استقبال البشر والحفاظ على الاقتصاد.

وهنا تصبح الجغرافيا المناخية جزءًا من الجغرافيا الاقتصادية، وتصبح الجغرافيا الاقتصادية جزءًا من الجغرافيا السياسية.

فالمكان الذي يستطيع حماية سكانه سيكون أكثر جذبًا، والمكان الذي يستطيع الحفاظ على إنتاجه سيكون أكثر قدرة على جذب الاستثمار، والمكان الذي يمتلك بنية تحتية مرنة وقدرة على إدارة موارده سيصبح أكثر أهمية، بينما قد يبدأ المكان الذي يفقد هذه العناصر في خسارة سكانه واستثماراته تدريجيًا، حتى لو ظل موقعه السياسي والجغرافي كما هو.

وهكذا، قد تبدأ معايير الجاذبية الاقتصادية نفسها في التغير. فالموقع الذي كان يُقاس سابقًا بقربه من الأسواق والموانئ ومصادر الطاقة، قد يُقاس مستقبلًا بقدرته على توفير بيئة مستقرة وقابلة للاستمرار. ومع تغير هذه المعايير، لن يكون المناخ مجرد عامل يؤثر في الاستثمار، بل عنصرًا يدخل تدريجيًا في تحديد قيمة المكان الاقتصادية.

الهجرة التي تبدأ قبل الرحيل... ورأس المال الذي يبحث عن مكان أكثر أمانًا

عندما نتحدث عن الهجرة المرتبطة بالمناخ، غالبًا ما نتخيل كارثة ضخمة تدفع أعدادًا كبيرة من السكان إلى مغادرة منازلهم. لكن التحول الأعمق قد يحدث بطريقة أكثر هدوءًا؛ فقد تبدأ الهجرة قبل أن يغادر الناس.

قد تبدأ عندما تقرر أسرة ألا تشتري منزلًا في منطقة تعاني من نقص المياه، أو عندما يختار شاب البحث عن عمل في مدينة أكثر اعتدالًا، أو عندما تعيد شركة التفكير في بناء مصنع في منطقة معرضة للحرائق أو الفيضانات، أو عندما يقرر مستثمر أن أمواله ستكون أكثر أمانًا في مكان آخر.

لا أحد يغادر في اللحظة الأولى، لكن المكان يبدأ في فقدان جاذبيته تدريجيًا.

وهنا تصبح القضية أوسع من مفهوم "الهجرة المناخية" نفسه. فنحن أمام احتمال إعادة توزيع بطيئة للبشر والاستثمارات والفرص، بحيث تتحول المناطق الأكثر قدرة على الصمود إلى مراكز جذب جديدة، بينما تفقد المناطق الأكثر تعرضًا للمخاطر جزءًا من قدرتها على الاحتفاظ بالسكان ورأس المال.

وهذا التحول قد يكون أكثر تعقيدًا من موجات النزوح المفاجئة، لأنه يحدث بصورة تدريجية ولا يظهر دائمًا في صورة أزمة واحدة يمكن رصدها بسهولة. قد تتغير التركيبة السكانية لمدينة ما ببطء، ويتراجع الاستثمار فيها، وترتفع تكلفة التأمين، وتزداد كلفة الخدمات، ثم يكتشف الجميع بعد سنوات أن المكان فقد جزءًا من جاذبيته الاقتصادية.

وبذلك، قد تصبح القدرة على الصمود عاملًا يؤثر في حركة البشر حتى قبل أن تصل المخاطر إلى مرحلة الكارثة.

وقد تتحول المناطق الأكثر قدرة على مواجهة الضغوط المناخية إلى مراكز جذب للسكان والاستثمارات، بما يفرض على الحكومات تحديًا جديدًا يتمثل في إدارة هذا النمو ومنع تحوله إلى ضغط إضافي على الموارد والبنية التحتية.

أما المناطق الأكثر هشاشة فقد تجد نفسها أمام دائرة معاكسة؛ تراجع الاستثمار يؤدي إلى ضعف فرص العمل، وضعف الفرص يدفع إلى الهجرة، والهجرة تقلل من النشاط الاقتصادي، بينما يؤدي انخفاض الموارد إلى صعوبة تمويل التكيف.

وهكذا، قد يتحول المناخ إلى عامل يعيد ترتيب الخريطة السكانية والاقتصادية من دون أن تتغير الحدود الرسمية للدول.

فالمنافسة المقبلة قد لا تكون فقط على الموارد الموجودة تحت الأرض، بل على الموارد التي تجعل الحياة ممكنة فوق الأرض؛ المياه، والأرض القابلة للزراعة، والطاقة الموثوقة، والمدن القادرة على الصمود، والبنية التحتية التي تستطيع الاستمرار تحت الضغط.

وهذه العناصر مجتمعة قد تصبح جزءًا من تعريف جديد للأمن القومي، وهنا تحديدًا يبرز الشرق الأوسط، ليس باعتباره مجرد منطقة ستدفع ثمن التغير المناخي، وإنما باعتباره إحدى أهم المناطق التي يمكن أن تكشف مبكرًا شكل العالم القادم.

الشرق الأوسط... حيث تتحول إدارة الندرة إلى قوة

في الشرق الأوسط، لا تحتاج هذه المعادلة إلى كثير من الشرح، فالمنطقة تقف بالفعل عند تقاطع مجموعة من الضغوط التي يصعب فصل بعضها عن بعض؛ ارتفاع درجات الحرارة، وتزايد الضغط على مصادر المياه، والنمو السكاني، والتوسع الحضري، وتحديات الأمن الغذائي، إلى جانب الحاجة المتزايدة إلى الطاقة.

لكن النظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مجرد منطقة معرضة للخطر سيكون قراءة ناقصة للمشهد، لأن المنطقة قد تتحول في الوقت نفسه إلى واحدة من أهم ساحات اختبار قدرة الدول على التكيف مع عالم يعيد تعريف قيمة الموارد ومفهوم الأمن والاستقرار.

فالدولة التي تنجح في إدارة مواردها المائية بكفاءة، وتطور تقنيات التحلية وإعادة الاستخدام، وتحسن كفاءة الطاقة، وتعيد تصميم مدنها لتكون أكثر قدرة على مواجهة الحرارة، وتستثمر في الزراعة الذكية، وتطور أنظمة الإنذار المبكر، لن تكون فقط دولة تتعامل مع أزمة بيئية متصاعدة، وإنما دولة تعيد بناء قدرتها الاستراتيجية وفق متطلبات عالم جديد.

ومن هنا، فإن إدارة الندرة قد تتحول من عبء إلى مصدر قوة.

عندما تصبح المياه والتكنولوجيا أدوات نفوذ جديدة

هنا تتحول التكنولوجيا من مجرد أداة للتنمية إلى عنصر من عناصر القوة، لأن امتلاك القدرة على إنتاج المياه أو إدارتها بكفاءة، وتوفير الطاقة اللازمة للتبريد والتحلية، وتقليل الاعتماد على مصادر خارجية للغذاء، قد يصبح جزءًا مباشرًا من منظومة الأمن القومي.

ومن هذه الزاوية، قد نكون أمام تحول في مفهوم القوة نفسه. فالقوة في المستقبل لن ترتبط فقط بامتلاك السلاح أو رأس المال، وإنما ستتصل بصورة متزايدة بالقدرة على إدارة الندرة؛ إدارة المياه والطاقة والغذاء، والتعامل مع حركة السكان، وإعادة تصميم المدن، وحماية البنية التحتية، وضمان استمرار الخدمات الأساسية في مواجهة ظروف أكثر قسوة.

والدولة التي تنجح في إدارة هذه الملفات لن تمتلك فقط اقتصادًا أكثر مرونة، وإنما ستكون أكثر قدرة على حماية استقرارها السياسي والاجتماعي، لأن الأزمات التي تبدأ من الموارد قد تتحول، إذا لم تتم إدارتها مبكرًا، إلى أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متشابكة.

ولهذا فإن التكيف المناخي في الشرق الأوسط يجب ألا يُنظر إليه باعتباره ملفًا بيئيًا منفصلًا عن بقية الملفات، بل باعتباره جزءًا من التخطيط الاستراتيجي للدولة. فالدولة التي تستثمر في تحلية المياه لا تواجه نقصًا في مورد طبيعي فحسب، وإنما تبني قدرة استراتيجية على تأمين أحد أهم عناصر الحياة، والدولة التي تطور الزراعة الذكية لا تحسن الإنتاج فقط، وإنما تقلل تعرضها للصدمات الخارجية وتقلبات الأسواق، والدولة التي تعيد تصميم مدنها لتكون أكثر قدرة على تحمل الحرارة لا تحسن جودة الحياة فحسب، وإنما تحمي اقتصادها من التعطل وتقلل من تكلفة الأزمات المستقبلية.

ومن هنا يمكن أن يتحول التكيف إلى أحد مجالات التنافس الإقليمي خلال السنوات المقبلة. فلن يكون التنافس فقط على من يمتلك أكبر اقتصاد أو أكبر قوة عسكرية، وإنما على من يستطيع أن يجعل اقتصاده ومجتمعه أكثر قدرة على الاستمرار في ظروف أكثر صعوبة.

وقد تصبح الدول التي تنجح في تحويل تحديات المناخ إلى فرص للتكنولوجيا والاستثمار وإعادة بناء البنية التحتية أكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال والكفاءات، بينما قد تواجه الدول التي تتأخر في الاستجابة خطرًا مضاعفًا يتمثل في ارتفاع تكلفة الأزمات وتراجع قدرتها على جذب الاستثمارات والاحتفاظ بالسكان.

وهنا تتغير معادلة الموارد نفسها. فقد تصبح المياه في بعض المناطق أكثر أهمية من النفط، وقد تصبح البنية التحتية المرنة أكثر أهمية من امتلاك الموارد الخام، وقد تتحول التكنولوجيا التي تسمح بإنتاج المياه أو إعادة استخدامها إلى أداة من أدوات النفوذ، تمامًا كما كانت الطاقة في مراحل سابقة من التاريخ الحديث.

وفي هذه الحالة لن يكون السؤال فقط من يملك الموارد، وإنما من يستطيع تحويل الموارد المحدودة إلى قدرة على الاستمرار، ومن يستطيع أن يجعل مدنه أكثر قدرة على الصمود، ومن يستطيع أن يحافظ على سكانه واستثماراته في عالم تتزايد فيه تكلفة البقاء.

وهذا هو التحول الذي قد يجعل الشرق الأوسط أكثر أهمية في المستقبل، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي أو موارده الطبيعية أو أهميته في أسواق الطاقة، وإنما لأنه قد يصبح إحدى المناطق التي تختبر مبكرًا شكل القوة في عصر جديد.

فإذا نجحت دول المنطقة في تطوير نماذج فعالة لإدارة المياه والطاقة والغذاء والمدن، فقد تتحول خبرتها في مواجهة الندرة إلى مصدر جديد للقوة والتأثير. أما إذا فشلت في إدارة هذه الملفات، فقد تتحول الضغوط المناخية إلى عامل إضافي يزيد من هشاشة بعض الاقتصادات والمجتمعات ويضاعف تحديات الاستقرار.

وبذلك، قد يصبح التكيف المناخي في الشرق الأوسط جزءًا من معركة أوسع على النفوذ، لا تدور فقط حول الحدود والتحالفات وموازين القوة العسكرية، وإنما حول القدرة على بناء مستقبل قابل للحياة.

من يملك المكان... ومن يملك قابلية الحياة؟

لطالما ارتبطت قوة الدول بموقعها الجغرافي ومواردها العسكرية والاقتصادية، لكن العالم الذي يتشكل أمامنا قد يضيف معيارًا جديدًا إلى تعريف القوة؛ معيارًا يرتبط بقدرة الدولة على الصمود والاستمرار في بيئة تتغير قواعدها بصورة متسارعة.

فالدولة القوية في المستقبل لن تكون فقط تلك التي تمتلك جيشًا متطورًا أو اقتصادًا ضخمًا، وإنما تلك التي تستطيع حماية مدنها وسكانها واقتصادها عندما تتعرض بنيتها التحتية لضغوط متكررة، وأن تواجه موجات الحرارة والجفاف والفيضانات دون أن تتحول كل أزمة إلى تهديد للاستقرار العام.

ومن هنا قد تصبح القدرة على التكيف أحد أهم مؤشرات القوة الوطنية، وربما أحد المعايير التي ستعيد تشكيل ترتيب الدول في النظام الدولي خلال العقود المقبلة.

وإذا كان القرن العشرون قد شهد سباقات كبرى على النفط والغاز والموانئ والممرات التجارية، فإن القرن الحادي والعشرين قد يشهد سباقًا مختلفًا وأكثر هدوءًا، لكنه لا يقل أهمية؛ سباقًا على القدرة على التكيف وإدارة الموارد النادرة والحفاظ على قابلية الحياة.

فالدول التي تمتلك المال والتكنولوجيا والمؤسسات القادرة على التخطيط طويل المدى ستكون أكثر قدرة على حماية مجتمعاتها، بينما قد تجد دول أخرى نفسها مضطرة إلى الاختيار بين تمويل احتياجاتها الحالية والاستثمار في مواجهة مخاطر مستقبلية أصبحت تفرض نفسها قبل أن تكون مستعدة لها.

وهنا تظهر واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في السياسة الدولية المقبلة: من سيدفع تكلفة البقاء في العالم الجديد؟ ومن سيحصل على التكنولوجيا التي تسمح له بالتكيف؟ ومن يستطيع حماية سكانه من تداعيات الأزمات المتكررة؟ ومن سيضطر إلى استقبال موجات الهجرة القادمة من مناطق أصبحت أقل قدرة على توفير شروط الحياة؟

هذه الأسئلة قد لا تبدو اليوم جزءًا من صراع القوة التقليدي، لكنها قد تصبح خلال السنوات المقبلة من أكثر الأسئلة تأثيرًا في العلاقات الدولية، لأن امتلاك القدرة على توفير شروط الحياة قد يتحول في حد ذاته إلى مصدر جديد للنفوذ.

فالقوة، في النهاية، تتبع الموارد النادرة. وفي عالم المستقبل قد تصبح بعض الموارد التي نعتبرها اليوم متاحة نسبيًا شديدة الأهمية، ليس فقط بسبب ندرتها، وإنما بسبب ارتباطها المباشر باستمرار الحياة والاقتصاد.

وقد تتحول المياه والطاقة الموثوقة والأراضي القابلة للزراعة والمدن القادرة على الصمود إلى أصول استراتيجية لا تقل أهمية عن النفط والغاز والممرات التجارية التي شكلت خرائط النفوذ في القرن الماضي.

وعند هذه النقطة قد تبدأ الجغرافيا السياسية في إعادة تعريف نفسها، لأن قيمة الأرض لن تُقاس فقط بموقعها أو بما تخفيه تحت سطحها من ثروات، وإنما بما تستطيع أن توفره فوق سطحها من شروط للحياة والاستقرار.

في الماضي كان السؤال هو: من يسيطر على الأرض؟ أما المستقبل فقد يطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا: من يملك الأرض القابلة للحياة؟

لكن حتى هذا السؤال قد لا يكون هو الأكثر أهمية، لأن القوة قد تنتقل تدريجيًا من مجرد امتلاك المكان إلى القدرة على إدارته وإبقائه صالحًا للحياة.

فالدولة التي تستطيع تحويل منطقة قاسية إلى مدينة قادرة على جذب السكان والاستثمارات قد تصبح أكثر نفوذًا من دولة تمتلك موارد طبيعية هائلة لكنها لا تستطيع إدارتها بكفاءة، والدولة التي تنجح في إدارة مياهها بكفاءة قد تمتلك نفوذًا أكبر من دولة لديها موارد مائية أكبر لكنها تهدرها، والمدينة التي تستطيع حماية سكانها من الحرارة والفيضانات قد تصبح أكثر جذبًا لرأس المال من مدينة أكبر لكنها أكثر هشاشة أمام الصدمات.

وبهذا المعنى، قد ينتقل العالم تدريجيًا من عصر كانت فيه القوة مرتبطة بامتلاك المكان إلى عصر تصبح فيه القوة مرتبطة بالقدرة على إدارة المكان وصناعة قابليته للحياة.

وهنا تحديدًا تصبح "قابلية الحياة" أصلًا استراتيجيًا جديدًا؛ أصلًا قد لا يظهر في ميزانيات الدول بالطريقة التقليدية، لكنه سيؤثر في اتجاهات الهجرة وحركة رأس المال وتوزيع السكان ومواقع المصانع وقيمة المدن وقدرة الحكومات على الحفاظ على الاستقرار.

ومن هذه الزاوية، قد يصبح التغير المناخي أحد أكبر العوامل التي تعيد توزيع القوة العالمية، ليس لأنه سيغير الحدود السياسية بالضرورة، وإنما لأنه قد يغير قيمة الأماكن داخل هذه الحدود.

فقد لا تكون الهجرة المقبلة مجرد هروب من الحرب، بل بحثًا عن شروط حياة أكثر استقرارًا، وقد لا يكون الاستثمار المقبل بحثًا عن أرخص سوق، بل عن المكان الأكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات. وفي الحالتين، ستصبح قابلية المكان للحياة عاملًا يؤثر في حركة البشر ورأس المال، وربما في موازين القوة بين الدول نفسها.

وبينما ينشغل العالم اليوم بالحروب والصراعات والتحالفات، يتشكل في الخلفية صراع آخر أكثر هدوءًا، لكنه قد يكون أطول عمرًا وأكثر تأثيرًا؛ صراع على المدن التي ستظل قادرة على العمل، وعلى المناطق التي ستحتفظ بمصادر المياه والغذاء، وعلى الاقتصادات التي ستستطيع مواصلة الإنتاج، وعلى المجتمعات التي ستملك القدرة على تحمل الصدمات دون أن تتفكك.

وقد تحسم هذه المعركة التكنولوجيا، أو المياه، أو الطاقة، أو البنية التحتية، أو قدرة الدول على التخطيط قبل وقوع الأزمة بدلًا من انتظارها ثم محاولة احتوائها.

وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحًا في القرن الحادي والعشرين ليس فقط كيف ننقذ الكوكب، فالكوكب سيبقى، وإنما كيف نضمن أن تظل الحياة ممكنة في الأماكن التي بنينا فيها مستقبلنا.

فعند هذه النقطة تحديدًا، قد نكتشف أن الحرب القادمة على المكان لم تبدأ غدًا، بل بدأت بالفعل، لكننا ما زلنا نقرأ مظاهرها باعتبارها أحداثًا منفصلة؛ حريقًا هنا، وموجة حر هناك، وجفافًا في مكان آخر، وأزمة مياه، وارتفاعًا في تكلفة الغذاء، وموجات هجرة، وتراجعًا في جاذبية بعض المناطق أمام الاستثمار.

بينما قد تكون هذه كلها، في حقيقتها، أجزاء من تحول واحد أكبر يعيد تعريف قيمة المكان ومصادر القوة.

إنها معركة على "قابلية الحياة" نفسها، معركة لن تُحسم بالسيطرة على الأرض وحدها، وإنما بالقدرة على إبقائها صالحة للحياة، وعلى حماية الإنسان والاقتصاد والمؤسسات من عالم تتغير قواعده بسرعة أكبر من قدرة السياسات التقليدية على مواكبته.

وفي هذا العالم الجديد، قد لا يكون الأقوى هو من يملك أكبر مساحة أو أكبر جيش أو أكبر اقتصاد، وإنما من يمتلك القدرة على صناعة مستقبل قابل للحياة.

وربما تكون هذه هي المفارقة الكبرى التي سيكتشفها العالم متأخرًا: أن الصراع على المكان لم يعد صراعًا على امتلاك الأرض، وإنما على القدرة على جعلها مكانًا يمكن للإنسان أن يعيش فيه ويستثمر ويخطط للمستقبل.

وعندها، لن يكون السؤال الحقيقي هو من يملك المكان، بل من يستطيع أن يحافظ على قابليته للحياة، لأن القوة في المستقبل قد لا تكون لمن يسيطر على الأرض فقط، وإنما لمن يستطيع أن يجعلها تستمر.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي

المزيد من مقالات

عندما يعيد المناخ رسم خريطة القوة... الحرب القادمة على المكان

قد لا تكون الحرب القادمة على الأرض التي نعرفها، بل على الأرض التي ستظل صالحة للحياة.

الالتفاف حول الوطن.. درس نتعلمه من أبطال المنتخب

في لحظات الفرح الكبرى، تختفي كل الفوارق، وتسقط كل الانقسامات، ويعلو صوت واحد فقط... صوت الوطن. هكذا كانت الصورة التي...

التليفزيون المصري 66 عاما من العطاء !

يستعيد المصريون هذه الأيام ذكرى انطلاق التليفزيون المصري أو بالأحرى التليفزيون العربي الذي انشأ في الحادي والعشرين من يوليو عام...

الدبلوماسية الدينية وبناء السلام في ضوء جهود بيت العائلة المصرية

للإيمان أثر عميق في تشكيل وجدان الإنسان واتجاهاته وسلوكه اليومي؛ فهو يمنح كثيرا من الناس لغة أخلاقية يفهمون بها معنى...