المبانى التراثية وتجارب عالمية وإقليمية ومحلية ناجحة

المباني التراثية بمصر هي المباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز أو المرتبطة بالتاريخ القومي أو بشخصية تاريخية أو التي تمثل حقبة تاريخية أو التي تعتبر مزارا سياحيا مهددا بالاندثار من جراء التعدي عليها وإهمالها وقد تتحول معظم هذه المباني لأماكن مشبوهة لعدم وجود آلية لتسجيل المباني التراثية ليتضمنها هذا القانون وترك الأمور مفتوحة للتسجيل في أي وقت حتى تتلاشى هذه المباني تماما أو يحصل أصحابها على تصريح بهدمها.

بقلم د. عبد الرحيم ريحان
رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية
دكتوراه في الآثار الإسلامية والقبطية

 

وهناك قانون خاص للمباني التراثية رقم 144 لسنة 2006 الخاص بتنظيم هدم المباني والمنشآت غير الآيلة للسقوط والحفاظ على التراث المعماري وحددت المادة 4 منه كيفية تسجيل المباني التراثية بكل محافظة بتشكيل لجان دائمة بكل محافظات مصر بقرار من المحافظ، وتتضمن محافظات مصر العديد من المباني التراثية، حيث تضم بورسعيد وحدها 505 مبنى تراثي مسجل وخاضع للحماية بالقانون.

تلك اللجان الدائمة تتضمن ممثلا من وزارة الثقافة يتولى رئاسة اللجنة وممثلا لوزارة الإسكان والمرافق والتنمية العمرانية وشخصين من المحافظة المعنية و5 من أعضاء هيئات التدريس بالجامعات المتخصصين في مجالات الهندسة المعمارية والإنشائية والآثار والتاريخ والفنون، على أن ترشح كل جهة من يمثلها.

ورغم صدور القانون منذ عام 2006، لكن حتى الآن لم يتم الحصر الكامل للمباني التراثية بكل محافظات مصر لعدم وجود مدة إلزامية في القانون لحصر المباني التراثية، مما أدى لهدم الكثير منها واحتراق بعضها مثل مسرح المنصورة وعند حدوث أية كوارث بهذه المباني تتصارع وزارتي الآثار والثقافة في المسؤولية، خاصة وأن الآثار مسؤولة عن المباني المسجلة وتخضع لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته وما دون ذلك فهي من المباني التراثية إما مهملة وغير مسجلة ضمن المباني التراثية أو مسجلة وتخضع للقانون 144 لسنة 2006 ولا توجد آلية لحمايتها وتطويرها وترميمها وفتحها للزيارة.

ونصت المادة 12 من هذا القانون على معاقبة كل من هدم كليا أو جزئيا مبنى أو منشأة، مما نص عليه في الفقرة الأولى من المادة الثانية من هذا القانون بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على 5 سنوات وبغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تزيد 5 ملايين جنيه ويطالب بتغليظ العقوبة، خصوصا في الغرامة لتصل إلى مليار جنيه أو مبلغ يفوق ثمن الأرض الخاصة بالمبنى التراثي لأن الهدم تحكمه مصالح شخصية لا تعبأ بقيمة التراث التي لا تقدر بثمن وفقدانها هو فقدان جزء من الهوية والشخصية المصرية.

ولكن الأمر يحتاج إلى تفويض الجهاز القومي للتنسيق الحضاري بصلاحيات أكثر واعتماد ميزانية خاصة وكافية له وتنظيم لوائح جديدة تمكنه من الإشراف على المباني التراثية وحمايتها وترميمها وتطويرها وفتحها للزيارة ووضعها كمواقع مهمة على خريطة السياحة المحلية والعالمية وتحويلها لمعاهد ومتاحف لنشر الثقافة والوعي الأثري والسياحي والعمراني والحضاري وتكون مسؤوليتها كاملة عن كل المباني التراثية بمصر وتتكفل بتسجيل كل المباني التراثية بمصر بالتعاون مع المحافظين وتضع آلية واضحة ومحددة تمكنها من تطبيق القانون 144 لسنة 2006 واللوائح المنظمة، وذلك لحماية تراث معماري فني فريد متميز بمصر في طريقه للاندثار.

تجارب ناجحة

هناك العديد من التجارب الناجحة عالميا وإقليميا ومحليا في إعادة استخدام المباني التراثية (ما يُعرف بالاستثمار المستدام أو إعادة التأهيل) والتي توازن بين الحفاظ على القيمة التاريخية وتحقيق عوائد اقتصادية مربحة منها تحويل القصور إلى فنادق بوتيكية في إسبانيا التي نجحت في تحويل العديد من قصورها وقلاعها التاريخية إلى سلسلة فنادق "بارادور". وفي فرنسا حُوّلت قصور مثل "شاتو دولا بيولين" إلى فنادق فاخرة تقدم هذه المشاريع تجربة ضيافة فريدة تحافظ على العمارة الأصلية وتحويل سينما "ريكس كوالالمبور" المهجورة في ماليزيا إلى مركز ثقافي ومجتمعي نابض بالحياة وتحويل مصنع تاريخي للعملات النقدية في بريطانيا إلى معمل ومزار سياحي لعلامة "بومباي سافير" للجين مع إضافة هياكل زجاجية حديثة ومبتكرة .

ومن التجارب الإقليمية حي الدحو بالرياض وهى تجربة سعودية ناجحة لترميم وإعادة تأهيل المباني الطينية القديمة مما حافظ على النسيج التاريخي للحي وحوّله إلى وجهة سياحية وثقافية تبرز الطابع المعماري القديم للمدينة وبيوت الأحساء التراثية بالسعودية الذي تم تحويل العديد منها إلى نزل ومقاهٍ تراثية تخدم قطاع الإيواء السياحي وتساهم في إحياء التراث الحضري للمنطقة.

وفي مصر مشروع القاهرة التاريخية مثل مشروع "سيتادل بلازا" بالقاهرة التاريخية التي تهدف إلى تخصيص مساحات للمصممين والحرفيين ضمن مشروعات تدمج الأنشطة الاقتصادية مع الحفاظ على الهوية المعمارية للمنطقة.

وقصر الأمير طاز (منطقة الخليفة) يُعد من أبرز مشاريع إعادة التوظيف، حيث تم ترميم القصر الذي يعود إلى العصر المملوكي وتحويله إلى مركز للإبداع الفني والثقافي الذى يستضيف ندوات علمية وانشطة مؤسسة زاهي حواس العلمية ويضمن عدة صالونات ثقافية، كما يستضيف حفلات فرق التراث الشعبي والمعارض الفنية، مما يجعله مقصدا سياحيا وتراثيا.

وبيت السحيمي (منطقة الدرب الأصفر) حيث تحول هذا المنزل التراثي الفريد الذي يعود إلى العصر العثماني إلى مركز ثقافي نابض بالحياة يحتضن العروض الموسيقية الشعبية مما ساهم في إحياء المجتمع المحلي سياحيا وقصر الأميرة سميحة كامل (مكتبة القاهرة الكبرى بالزمالك) تجربة ناجحة لتحويل قصر تراثي يطل على النيل إلى صرح ثقافي ومكتبة عامة تقدم خدماتها للباحثين والقراء مع الحفاظ على طرازه المعماري الفريد.

وأطلقت بمنطقة الدرب الأحمر مشاريع طموحة لإحياء التراث، حيث تم ترميم العديد من المباني والبيوت التاريخية وتحويلها إلى مراكز لخدمة المجتمع ودعم الحرف اليدوية والمشاريع السياحية.

وكذلك إحياء المدن التراثية الإقليمية مثل مدينة رشيد الأثرية التي تضم أكبر تجمع للآثار الإسلامية في مصر بعد القاهرة وتقوم الدولة حاليا بتنفيذ رؤية متكاملة لترميم شوارعها ومبانيها التراثية واستثمارها في أنشطة سياحية وترفيهية ومتاحف مفتوحة تجذب الزوار.

علاوة على مشاريع التنمية المجتمعية والعمارة الذاتية في قرى التراث في مصر في الفيوم وجنوب سيناء تجارب استثمار ناجحة تعتمد على العمارة المجتمعية يقوم فيها المعماريون بترميم وإعادة إحياء البيوت التراثية باستخدام مواد البناء المحلية والخامات الطبيعية مما يساهم في توفير فرص عمل للسكان المحليين وتحويل هذه القرى إلى مزارات للسياحة البيئية.

احتياجات التنمية وضرورة الحماية

يمكن استثمار المباني التراثية من خلال عدة مسارات لا تضر بطبيعتها الأثرية مثلا تحويلها إلى متاحف أو مراكز معارض أو مساحات عمل مشتركة مجهزة بأحدث التقنيات مع الاحتفاظ بالطابع المعماري القديم.

ولتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية التراث يتطلب استراتيجيات مستدامة تدمج بين الأصالة والمعاصرة تتمثل في إعادة التوظيف التكيفي أي تحويل المباني التاريخية إلى منشآت اقتصادية حديثة (مثل: فنادق بوتيكية، مكاتب عمل مشتركة، أو متاحف)، مما يدر دخلا يمول صيانتها دون طمس هويتها
مع تدخل الدولة في صورة الحوافز الاقتصادية بتقديم إعفاءات ضريبية وقروض ميسرة ومنح حكومية لأصحاب المباني التراثية لتشجيعهم على ترميمها واستثمارها بدلا من هدمها مع الترويج للسياحة الثقافية التي تجذب الزوار المهتمين بالتاريخ مما يوفر فرص عمل ويدعم الاقتصاد المحلي للمجتمعات المحيطة بالمناطق الأثرية والتخطيط العمراني المدمج بسن قوانين بناء صارمة تحدد "مناطق عازلة" حول المعالم التاريخية وتفرض تصاميم معاصرة تحترم الطابع المعماري الأصيل وتلبي في الوقت ذاته الكثافة السكانية.

وبالطبع ومن أهم العناصر إشراك المجتمع المحلي برفع الوعي بأهمية التراث وإشراك السكان المحليين في عمليات الحماية وصناعة القرار مما يضمن استفادتهم الاقتصادية المباشرة من مشاريع التطوير.

المباني التراثية
المباني التراثية
المباني التراثية
حملة الدفاع عن الحضارة

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

د. عبد الرحيم ريحان
عاشوراء
التحنيط في مصر القديمة
الباليه فن مصري
التلاميذ في عهد الفراعنة
نصائح ميركارع
د. عبد الرحيم ريحان
د. عبد الرحيم ريحان

المزيد من مقالات

المبانى التراثية وتجارب عالمية وإقليمية ومحلية ناجحة

المباني التراثية بمصر هي المباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز أو المرتبطة بالتاريخ القومي أو بشخصية تاريخية أو التي تمثل...

كيف اخترع الإنسان القديم.. الآلهة؟

حين نظر الإنسان إلى السماء لأول مرة.. قبل أن تُبنى المعابد، وقبل أن تُكتب الأساطير على ألواح الطين، وقف الإنسان...

30 يونيو.. الوجه الآخر للثورة كان امرأة

هناك أسماء تكتب في سجلات التاريخ، وهناك أسماء تحفر في وجدان الأوطان. والمرأة المصرية كانت دائما من هؤلاء الذين لا...

لماذا نؤجل حياتنا؟.. حين نربط السعادة بمرحلة لم تأتِ بعد

هناك جملة تتكرر في حياة كثير من الناس أكثر مما يلاحظون: "سأرتاح عندما..." سأرتاح عندما أتخرج. سأرتاح عندما أجد وظيفة...