في بعض العلاقات، لا يكون الصمت اختيارًا، ولا التجاهل تعمّدًا، بل حالة يصعب تفسيرها بسهولة؛ قد تقول لشخص ما: “أشعر بالضيق”، فيردّ بهدوء: “لماذا؟”، وكأن السؤال حقيقي تمامًا، لا يحمل أي محاولة للهروب. وقد تسأله عمّا يشعر به، فيتوقف لحظة، ثم يقول: “لا أعرف”، لا لأنه يرفض الإجابة، بل لأنه فعلًا لا يجد ما يقوله.
منى عبد العزيزمستشارة علاقات زوجية وأسريةنائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري
هذا النمط لا يعني دائمًا برودًا أو قسوة، بل قد يكون ما يُعرف نفسيًا بـعمى المشاعر (Alexithymia)، حيث يجد الإنسان صعوبة في التعرف على مشاعره أو التعبير عنها بالكلمات.
ما هو عمى المشاعر؟
عمى المشاعر ليس اضطرابًا بمعناه التقليدي، بل نمط نفسي يتمثل في صعوبة فهم المشاعر أو تسميتها أو التعبير عنها. لا يعني ذلك أن الشخص لا يشعر، بل على العكس، قد تكون مشاعره موجودة، لكنها غير واضحة له، وكأنها إحساس داخلي لا يجد له اسمًا.
كيف يظهر في العلاقات؟
في العلاقات، يظهر عمى المشاعر بطرق قد تُفهم بشكل خاطئ؛ فقد يبدو الشخص غير متفاعل عاطفيًا، أو قليل التعبير، أو متجنبًا للنقاشات الشعورية، بينما في المقابل قد يشعر الطرف الآخر بأنه غير مفهوم، أو أنه يتحدث وحده، أو أن مشاعره لا تجد صدى. وهنا تبدأ الفجوة، ليس لأن أحد الطرفين لا يهتم، بل لأن لغة المشاعر مختلفة بينهما.
“لا أعرف ماذا أشعر”
هذه الجملة قد تكون مفتاح الفهم؛ حين يقولها شخص يعاني من هذا النمط، فهو لا يتهرب بالضرورة، بل يعبّر عن عجز حقيقي في الوصول إلى ما بداخله. في كثير من الأحيان، يتعامل مع المواقف بشكل عملي أو منطقي، لأنه لا يمتلك أدوات كافية لفهم الجانب الشعوري، فيبدو وكأنه “بارد”، بينما هو في الحقيقة غير قادر على ترجمة ما يشعر به.
لماذا يحدث ذلك؟
لا يأتي هذا النمط من فراغ، بل يتشكل غالبًا عبر التجارب المبكرة؛ فقد ينشأ الإنسان في بيئة لا تُشجّع على التعبير عن المشاعر، أو تُقلّل منها، أو تعتبرها ضعفًا، وقد يُطلب منه أن يكون “قويًا” دائمًا، أو أن يتجاهل ما يشعر به لصالح ما يجب أن يفعله. ومع الوقت، يتعلم أن يعتمد على التفكير المنطقي فقط، ويترك الجانب الشعوري دون تطوير، حتى يصبح الوصول إليه صعبًا.
حين تتحول المشاعر إلى أعراض
أحيانًا لا تختفي المشاعر، لكنها تظهر بشكل مختلف؛ فقد تتحول إلى توتر مستمر، أو انفعال مفاجئ، أو تعب جسدي غير مفسر، أو انسحاب من المواقف، لأن ما لا يُفهم… لا يُعبَّر عنه، بل يظهر بطريقة أخرى.
هل هو نقص في الحب؟
أحد أكثر التفسيرات الخاطئة هو أن هذا النمط يعني قلة الحب أو عدم الاهتمام، لكن الحقيقة أن الشخص قد يحب ويهتم ويرغب في القرب، لكنه لا يعرف كيف يُظهر ذلك بالشكل المتوقع. قد يعبّر عن اهتمامه بالأفعال أكثر من الكلمات، أو بالصمت بدل الحديث، وهنا تظهر أهمية فهم الفروق الفردية بدل الحكم السريع.
كيف نتعامل مع هذا النمط؟
في العلاقات، لا يكفي أن نطلب من الآخر أن “يتغير”، بل نحتاج أن نفهم ما يستطيع وما لا يستطيع فعله حاليًا. قد يساعد استخدام أسئلة بسيطة بدل الأسئلة المعقدة، وتقليل الضغط المباشر للتعبير، وإعطاء مساحة للتدرج، والانتباه للأفعال لا الكلمات فقط. وفي الوقت نفسه، من المهم ألا نتجاهل احتياجاتنا العاطفية، بل نعبّر عنها بوضوح.
هل يمكن التغيير؟
التواصل مع المشاعر مهارة يمكن تعلمها، لكنها تحتاج وقتًا ووعيًا وصبرًا؛ يبدأ الأمر بمحاولة ملاحظة الإحساس الداخلي، ثم تسميته، ثم التعبير عنه تدريجيًا، وقد تساعد علاقة آمنة أو مساحة علاجية في تسهيل هذا الطريق.
عمى المشاعر لا يعني غياب القلب، بل صعوبة الوصول إليه؛ وبين من يشعر ولا يعرف كيف يقول، ومن يشعر ولا يجد صدى، تتشكل كثير من المسافات في العلاقات.
وربما لا يكون الحل دائمًا في أن نطلب من الآخر أن يصبح مثلنا،بل أن نفهم كيف يرى هو العالم…وكيف يمكن أن نلتقي في منتصف الطريق.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في بعض العلاقات، لا يكون الصمت اختيارًا، ولا التجاهل تعمّدًا، بل حالة يصعب تفسيرها بسهولة؛ قد تقول لشخص ما: “أشعر...
هذا المقال هو أساسا محاضرة تم إعدادها من قبل خلال حرب غزة (2023 - 2025 ) لدارسي الإعلام وقد جرى...
رصد الدكتور حسين دقيل الباحث المتخصص في الآثار اليونانية والرومانية حكاية قصة حدثت في أوائل شهر أبريل عام 1155 قبل...
ممثل يقوم بالأدوار الثانية.. استضافته إحدى القنوات الفضائية، وسألته المذيعة إن كان يتطلع للخروج من عباءة دور السنيد إلي دور...