حين تختفي المتعة من كل شيء: الأنهيدونيا وتأثيرها على حياتنا وعلاقاتنا

لأن فقدان الإحساس… قد يكون أثقل من الحزن.

في بعض الفترات، لا يكون الألم هو المشكلة الأساسية، بل غياب الشعور نفسه؛ تستيقظ في يومك، تمارس ما اعتدت عليه، تتحدث، تعمل، تلتقي بالآخرين، لكن كل شيء يبدو بلا طعم، وما كان يمنحك سعادة من قبل لم يعد يحرّك فيك شيئا، وما كنت تنتظره لم يعد يعني لك الكثير. لا يوجد حزن واضح يمكن تفسيره، ولا سبب محدد يمكن الإشارة إليه، فقط إحساس داخلي بأن الحياة تمر دون أن تمسك بك، وكأنك موجود… لكنك غير متصل بها كما كنت.

منى عبد العزيز
مستشارة علاقات زوجية وأسرية
نائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري

 

 

ما هي الأنهيدونيا؟

تُعرف هذه الحالة نفسيا بـ”الأنهيدونيا”، وهي ، لكنها ليست كسلا ولا مللا عابرا، بل حالة يفقد فيها الإنسان ارتباطه بما كان يمنحه شعورا بالحياة. قد يستمر في أداء مهامه اليومية بشكل طبيعي، لكنه لا يشعر بالمعنى نفسه، وكأن هناك مسافة خفية تفصله عن كل ما يحدث حوله، وكأن التجربة تمر عبره دون أن تترك أثرها المعتاد.

كيف تظهر في حياتنا اليومية؟

تظهر الأنهيدونيا تدريجيا في تفاصيل صغيرة؛ لم تعد متحمسا لما كنت تحبه، تؤجل أشياء كنت تنتظرها، تشعر أن الأيام متشابهة، وتفعل ما عليك دون رغبة فقدان القدرة على الاستمتاع حقيقية، وغالبا ما نفسر ذلك على أنه إرهاق أو ضغط مؤقت، بينما يكون في الحقيقة إشارة أعمق إلى أن هناك جزءا في الداخل بدأ ينطفئ بهدوء. ومع الوقت، قد يعتاد الإنسان هذا الإحساس، فيظن أن هذا هو “طبعه الجديد”، دون أن ينتبه إلى أنه ابتعد تدريجيا عما كان يمنحه شعورا بالحياة.

تأثيرها على العلاقات

في العلاقات، يصبح هذا الشعور أكثر تعقيدا، لأن ما يحدث في الداخل لا يكون مرئيا بسهولة. قد يلاحظ الطرف الآخر تغيرا في التفاعل، أو غياب الحماس، أو نوعا من البرود غير المفهوم، بينما في الحقيقة لا يكون هناك رفض أو ابتعاد مقصود، بل عجز عن الشعور بالشكل المعتاد. قد تقول “أنا بخير” لأنك لا تملك تفسيرا أدق، ومع الوقت قد يُفسر الطرف الآخر هذا التغير على أنه فتور في الحب، بينما هو في الحقيقة فقدان مؤقت للقدرة على التفاعل، وهنا تتشكل فجوة صامتة لا سبب واضح لها من الخارج.

وقد يظهر هذا التأثير بشكل أوضح حين يشعر الطرف الآخر أنه يبذل جهدا للوصول إليك دون استجابة واضحة، فيبدأ في الشك في نفسه أو في العلاقة، بينما أنت في الحقيقة لا تبتعد، بل لا تعرف كيف تقترب بالشكل المعتاد. ومع تكرار هذا النمط، قد تتحول العلاقة إلى مساحة من سوء الفهم المتبادل، حيث يفسر كل طرف ما يحدث من زاويته الخاصة، دون إدراك لما يجري في الداخل.

لماذا تحدث الأنهيدونيا؟

غالبا ما ترتبط هذه الحالة بالضغط النفسي المستمر أو الإرهاق العاطفي الممتد، فحين يتحمل الإنسان أكثر مما يستطيع لفترة طويلة، قد لا ينهار بشكل واضح، لكنه ينطفئ تدريجيا. يحاول الجهاز النفسي أن يحمي نفسه من خلال تقليل الإحساس، لكن هذه الحماية تأتي على حساب القدرة على الاستمتاع، فيتحول الشعور إلى حالة باهتة يصعب الإمساك بها أو تفسيرها.

كيف نتعامل معها؟

يبدأ التعامل مع هذه الحالة ليس بمحاولة استعادة الفرح فورا، بل بتقليل الضغط الداخلي والتوقف عن مطالبة النفس بالعودة السريعة لما كانت عليه، ثم محاولة إعادة الاتصال التدريجي بالحياة من خلال أشياء بسيطة، مثل ملاحظة لحظة هدوء أو تفاعل خفيف مع ما حولنا، حتى وإن بدا ذلك بلا تأثير في البداية. أحيانا لا يأتي الشعور قبل الفعل، بل بعده، لذلك قد تساعد الحركة حتى دون رغبة، كما أن التعبير— even لو بجملة بسيطة مثل “أنا لا أشعر بشيء”—يكون خطوة مهمة بدل الصمت، وفي بعض الحالات يصبح طلب الدعم أو التحدث مع مختص ضروريا إذا استمر هذا الشعور.

ومن المهم أيضا تقبّل فكرة أن العودة إلى الإحساس لا تحدث فجأة، بل تأتي تدريجيا، وقد تمر بفترات يشعر فيها الإنسان ببعض التحسن ثم يعود للفتور مرة أخرى، وهو أمر طبيعي لا يعني الفشل، بل جزء من عملية الاستعادة. الصبر هنا ليس رفاهية، بل عنصر أساسي في التعافي.

ماذا نحتاج في العلاقات؟

لا تحتاج هذه الحالة إلى حلول كبيرة بقدر ما تحتاج إلى فهم متبادل؛ أن يدرك الطرف الآخر أن ما يحدث ليس تجاهلا أو فتورا متعمدا، بل حالة تحتاج دعما وصبرا، وفي المقابل من المهم أن نحاول التعبير بقدر ما نستطيع، لأن غياب التفسير يفتح بابا واسعا لسوء الفهم. العلاقات هنا لا تحتاج إلى مثالية، بل إلى مساحة آمنة تسمح بمرور هذه المرحلة دون ضغط إضافي.

الأنهيدونيا لا تعني أن الحياة فقدت معناها، بل أن الإنسان فقد الاتصال بها مؤقتا، وبين الرغبة في أن نشعر والعجز عن ذلك، قد نحتاج إلى أن نبطئ قليلا، لا لنبحث عن السعادة، بل لنسمح لأنفسنا أن نعود إليها تدريجيا، فليس كل من لا يشعر قد فقد القدرة على الشعور، بل ربما يحتاج فقط إلى وقت… ليعود.

 

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
منى عبد العزيز

المزيد من مقالات

العلاقات الدولية في عصر الذكاء الاصطناعي: الفرص والتحديات وحدود القانون

لم يعد الحديث عن تأثير التكنولوجيا على العلاقات الدولية حديثا عن أدوات مساعدة أو وسائل اتصال أكثر سرعة فحسب، بل...

المرأة .. القوة الخفية

لم تعد قضية المرأة في مصر مجرد ملف اجتماعي أو عنوان موسمي يتجدد مع شهر مارس، بل أصبحت مدخلًا حقيقيًا...

حين تختفي المتعة من كل شيء: الأنهيدونيا وتأثيرها على حياتنا وعلاقاتنا

في بعض الفترات، لا يكون الألم هو المشكلة الأساسية، بل غياب الشعور نفسه؛ تستيقظ في يومك، تمارس ما اعتدت عليه،...

حروب العقول في عصر الذكاء الاصطناعي

في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية بوتيرة غير مسبوقة، يبرز اسم المستشار الدكتور عادل ماجد كأحد أبرز الخبراء الدوليين الذين...