تظل الكلمة هي الأداة الأهم في تشكيل الوعي الجمعي وصناعة الرأي العام. ومن هنا، تأتي هذه الرسالة إلى كل من كانت وظيفته “صناعة الكلمة”، وإلى الزملاء المحترمين من الإعلاميين والمطورين الساعين إلى بناء خريطة طريق جديدة للإعلام المصري أقول رسالة تذكير بقدر المسؤولية، وبحجم التأثير، وبخطورة الانزلاق في فخ المصطلحات الملتبسة أو الاستخدام غير الدقيق للألفاظ.
إبراهيم الصيادوكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق
إن دلالة المصطلح ليست مجرد اختيار لغوي عابر، بل هي مسألة حاكمة في توجيه الإدراك العام. لا يعبر المصطلح عن محتوى الخبر فقط، بل يحدد زاوية النظر إليه، ويضع إطارا ذهنيا يفسر به المتلقي الحدث.
وبين كلمة وأخرى، قد يتغير الحكم الأخلاقي، وتتبدل المشاعر، ويتشكل موقف كامل لدى الجمهور.
في هذا السياق، تبرز إشكالية جوهرية في الإعلام المعاصر، وهي الخلط بين المصطلحات، أو استخدامها بانتقائية تخدم سردية معينة دون الالتزام بالمعايير المهنية والموضوعية. وهذا الخلط لا يؤدي فقط إلى إرباك المتلقي، بل يفتح الباب أمام فقدان الثقة في الوسيلة الإعلامية، بل وفي الخطاب الإعلامي ككل.
خذ على سبيل المثال تغطيات ضحايا الحروب.. حين يتوفى إنسان في ساحة صراع، نجد تباينا واضحا في توصيفه: هل هو “شهيد” أم “قتيل”؟
الكلمتان تحملان دلالات مختلفة تماما؛ فمصطلح “شهيد” يرتبط غالبا بقضية عادلة أو تضحية في سبيل هدف نبيل، ويمنح الضحية بُعدا أخلاقيا وإنسانيا رفيعا ويرى البعض أن كلمة الشهيد لها دلالة أيديولوجية
أما “قتيل” فهو توصيف محايد تميل له كثير من القنوات الإخبارية ، لكنه حياد ظاهريا قد يُفقد الحدث شحنته العاطفية، ويضعه في إطار إخباري بحت.
هذا التباين لا يعكس فقط اختلافا لغويا، بل يعبر عن موقف، أو رؤية، أو حتى انحياز. ومن هنا وهنا تبرز مسألة الحياد في الأخبار!
إن مسؤولية الإعلامي تقتضي أن يكون واعيا بتأثير اختياره، وأن يوازن بين الدقة المهنية واحترام السياق الإنساني والتزامه الوطني والقومي. الأمر ذاته ينطبق على مصطلحات مثل “مقاومة” و”إرهاب”. فبين هذين المصطلحين مساحة شاسعة من الجدل السياسي والأخلاقي. ما تراه جهة “مقاومة مشروعة” قد تراه أخرى “عملا إرهابيا”.
وهنا، يصبح الإعلامي أمام اختبار حقيقي: هل ينقل المصطلح كما هو مستخدم من قبل طرف معين؟ أم يسعى إلى تقديم توصيف أكثر توازنا، يوضح السياق ويعرض وجهات النظر المختلفة دون انحياز فج؟ لهذا تتجه بعض القنوات إلى وصفهم ب( المسلحين ). إن الاستخدام غير الدقيق لهذه المصطلحات لا يؤدي فقط إلى تضليل الجمهور، بل قد يساهم في تأجيج الصراعات، أو ترسيخ صور نمطية، أو حتى تبرير العنف. لذلك، إن الشفافية الإعلامية لا تتحقق فقط بنقل الخبر، بل بتفكيك المصطلح، وشرح دلالاته، ووضعه في سياقه الصحيح.
ومن المصطلحات التي تشهد خلطا واضحا أيضا، تلك المتعلقة بحركة السكان في مناطق النزاع، مثل “نازح”، و”لاجئ”، و”مقيم”. فـ”النازح” هو من اضطر إلى ترك منزله داخل حدود بلده، بينما “اللاجئ” هو من عبر الحدود إلى دولة أخرى طلبا للحماية. أما “المقيم” فهو وصف قانوني يرتبط بوضع إداري داخل دولة معينة.
هذا التمييز ليس ترفا لغويا، بل له أبعاد قانونية وإنسانية مهمة. فكل مصطلح يترتب عليه حقوق مختلفة، وتعامل مختلف من قبل المؤسسات الدولية والدول المستضيفة. وعندما يخلط الإعلام بين هذه المصطلحات، فإنه لا يكتفي بإرباك الجمهور، بل قد يساهم في تشويه فهم قضايا إنسانية حساسة.
من هنا، فإن الحاجة إلى تطوير الخطاب الإعلامي لا تقتصر على تحديث الأدوات أو مواكبة التكنولوجيا، بل تبدأ من إعادة النظر في “لغة الإعلام” نفسها. لغة دقيقة، واضحة، شفافة، تحترم عقل المتلقي، وتدرك أن كل كلمة قد تبني وعيا… أو تهدمه.
إن الإعلامي اليوم هو شريك في تشكيل الوعي، وصانع للرواية، ومؤثر في اتجاهات المجتمع. وهذا الدور يتطلب قدرا عاليا من المسؤولية، والتدقيق، والمراجعة المستمرة. كما يتطلب وجود مؤسسات إعلامية تدعم هذا التوجه، من خلال وضع أدلة تحريرية واضحة للمصطلحات، وتدريب صانعي الرسالة الإعلامية على استخدامها بشكل مهني.
وفي ظل التحولات الرقمية، وانتشار منصات التواصل الجمعي، أصبح التحدي أكبر. فالمعلومة تنتشر بسرعة، والمصطلح الخاطئ قد يصل إلى ملايين في لحظات. وهنا، تزداد أهمية أن يكون الإعلام المهني هو المرجع، وأن يقدم نموذجا يُحتذى به في الدقة والانضباط.
ختاما، هذه ليست دعوة للتقيد الجامد بالمصطلحات، ولا لفرض لغة واحدة على الجميع، بل هي دعوة للوعي… وعي بأن الكلمة ليست بريئة، وأن اختيارها ليس محايدا دائما، وأن مسؤولية من يصنعها لا تقل عن مسؤولية من يصنع قرار نشرها أو إذاعتها.
إلى كل من يحمل القلم، أو يقف أمام الكاميرا، أو يحرر خبرا: تذكر أن ما تكتبه اليوم قد يشكل وعي جيل كامل. فاختر كلماتك بعناية… لأن الكلمة، في النهاية هي موقف !
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تظل الكلمة هي الأداة الأهم في تشكيل الوعي الجمعي وصناعة الرأي العام. ومن هنا، تأتي هذه الرسالة إلى كل من...
لم يعد الحديث عن تأثير التكنولوجيا على العلاقات الدولية حديثا عن أدوات مساعدة أو وسائل اتصال أكثر سرعة فحسب، بل...
سأطرح عليك سؤلا.. بكام بياناتك الشخصية؟ في عالم لم يعد فيه الحد الفاصل بين الواقع والفضاء الرقمي واضحا، أصبحت البيانات...
عزيزي القارئ.. الصورة التي تطالعها أعلاه ليست لحطام مبانٍ في غزة، ولا هي نتيجة آثار التوغل الإسرائيلي في الجنوب اللبناني،...