من بدر إلي أكتوبر مروراً بالعاشر والعبور .. حبل الضياء الرمضاني

بقلم: محمود علام

عزيزي القارئ ..

ما تلمحه عيناك في العنوان أعلاه ليس مجرد خط سير لوسيلة مواصلات تجوب ضواحي القاهرة، تربط بين أربع مدنٍ حديثة العهد، بل هو "جسرٌ زمنيٌ" يمتد فوق أنهار التاريخ العظيم. إن هذه المدن التي تتناثر على أطراف العاصمة لا يجمعها العمران الفتيُّ فحسب، بل يجمعها "نسبٌ روحيٌّ" واحد، وقاسمٌ أعظم يتجسد في التبرك بنفحات النصر الرمضاني الخالد؛ فكل اسمٍ منها هو صدى لصيحة "الله أكبر" التي دوت في آفاق الزمان.

تلك هي الحكاية،وحين نغوص في أعماقها الملهمة لسبر أغوارها، سنجد أننا أمام دلالاتٍ قدسية تجمع بين البداية والنهاية، وبين الوعد الإلهي الذي تحقق لثلةٍ من المؤمنين في "بدر الكبرى"، وبين ملاحم الصائمين التي توالت تحت مظلّة الشهر الفضيل، وصولاً إلى معجزة العبور في العاشر من رمضان. إنه ليس مجرد توقيتٍ عابر، بل هو "ميثاق نصرٍ" يجعلنا نجزم بيقينٍ لا يخالجه شك: إن رمضان هو المحراب الذي تُصاغ فيه أعظم ملاحم العزّة، وأن جوع الأبدان فيه لم يكن إلا وقوداً لسمو الأرواح وانتصار الإرادة.
نسماتُ الإيمان .. ووعد النّصر المبين.

حين يهلُّ علينا هلال رمضان، فإنه لا يأتي فقط ليغسل القلوب بنسمات الإيمان والروحانية، بل يجيءُ حاملاً في طيات سناهُ سجلّ الخلود؛ سجلّ انتصاراتٍ سطرها اليقين بأقلامٍ من نور عبر العصور. إنه شهر "النصر والتمكين"، ذلك الموعد القدسيّ الذي ارتبط في الوجدان بالصبر والمجاهدة، واختاره ربُّ العزّة ليكون شاهداً على بطولاتٍ لم تغير حدود الخرائط فحسب، بل غيرت مجرى التاريخ الإنساني برمته.

من "بدرٍ" التي كانت "يوم الفرقان"، حيث ميّز الله فيها بين الحق والباطل بمددٍ من السماء، إلى حرب "أكتوبر" التي زلزلت الأرض تحت أقدام المعتدين واستردت الكرامة والتراب؛ يظل رمضان هو "المحطة الفارقة" والموعد المتجدد الذي يبرهن للعالم أن العزيمة المؤمنة تتفوق دائماً على حسابات العدد والعتاد. وكيف لا يكون كذلك، والقرآن يتلو علينا آية اليقين (123) من سورة آل عمران :{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} إن هذه الآية الكريمة وحدها هي الصكُّ الإلهي الذي جعل من رمضان شهر النصر بامتياز، فكيف بنا إذا تتبعنا خطى الفتح في دروبه عبر أربعة عشر قرناً من المجد..؟

غزوةُ بدر الكبرى .. يوم الفرقان.

في صبيحة يوم الاثنين، السابع عشر من رمضان للسنة الثانية من الهجرة، عام (624م)، كُتبت في صفحات الأزل أولى ملاحم العزّ الإسلامي. هناك، عند آبار "بدر"، وقف ثلاثمئةٍ وبضعة عشر صحابياً، لم يكن معهم من العُدّة إلا يسيرُ الزاد وكثيرُ اليقين، ليواجهوا جيشاً لُجِّيّاً يضمّ ألف مقاتلٍ من صناديد قريش وكبرائها، جاؤوا ببطَرهم ورئائهم ليطفئوا نور الله.

في تلك اللحظات العصيبة، كان المصطفى ﷺ يرفع كفيِّ الضراعة نحو السماء، يناشدُ ربهُ بقلبٍ واجف : "اللَّهُمَّ أنجز لي ما وعدتني، اللَّهُمَّ آتني ما وعدتني، اللَّهُمَّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض " ؛ حتى سقط رداؤه عن منكبيه الشريفين، فاحتضنه الصدِّيق رفقاً به قائلاً : "حسبُك مناشدتُك ربك".

لم تكن "بدر" مجرّد صدامٍ بين السيوف، بل كانت زلزالاً هزَّ أركان الجاهلية، واختباراً إيمانياً صهر النفوس لتعبر من ضيق الاستضعاف إلى سعة التمكين. وحين نزل المدد الإلهي في الآية التاسعة من سورة الأنفال :{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ}، تحولت الرمال إلى نارٍ تحت أقدام الطغاة، فخَرَّ أبو جهلٍ صريعاً، وانكسرت شوكة الكفر بأسر سبعين وقتل سبعين غيرهم من رؤوس الضلال. لقد كانت "بدر" هي "اللّبنة الأولى" في بناء صرح الدولة، والميزان الإلهي الذي فرق الله به بين الحق والباطل، لتظلّ أبد الدهر شاهدةً أن النصر ليس صنيعة العتاد، بل هو ثمرة اليقين والاعتماد.

فتحُ مكَّة .. العودُ الأحمدُ ونصرُ العفو الأعظم.

بين "بدرٍ" والفتح الأعظم ثمان سنواتٍ ممتلئة باليقين. ففي العشرين من رمضان للسنة الثامنة من الهجرة عام(630م)، زحف نور الحقّ نحو "أُمّ القُرى"؛ إذ عاد النبي ﷺ بجيشٍ قوامه عشرة آلاف قلبٍ ينبض بالتوحيد، لا فاتحاً ببطش الملوك، بل داخلاً مكة مُطأطئَ الرأس تواضعاً لربِّ العزّة، حتى كادت ذقنه الشريفة تمسُّ سَرجَ ناقته.

لم تكن غاية المصطفى ﷺ الثأر لنفسه ممن آذوهُ وأخرجوه، بل كان الوعد تطهير البيت العتيق؛ وحين هوت الأصنام تحت وطأة عصاه، كان صوته الشريف يجلجلُ في الأركان : {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}. ومع صعود "بلالٍ" فوق ظهر الكعبة المشرفة ليصدح بالأذان، أعلن نبينا الكريم "ميثاق الرحمة" بعبارته التي لا يزال صدى خلودها يتردد في الآفاق : "اذهبوا فأنتم الطلقاء"؛ فكان هذا العفو سيفاً أرقّ من الحرير، فتح مغاليق القلوب قبل أن يفتح الأبواب، ليدخل الناس في دين الله أفواجاً.

لقد كان "الفتحُ الأعظم" تتويجاً لمسيرة صبرٍ مريرة، وتحولاً تاريخياً انتقل فيه الإسلام من حيز مكة إلى رحاب أوسع، لتتحول المدينة التي أخرجت أهلها غُرباء، إلى عاصمةٍ أبدية للتوحيد، ومنارةٍ تهدي العالمين بنور الحقّ وصفاء العقيدة.

موقعة البُوَيْب .. الثأر الشريف وكسر الكبرياء

في رمضان من السنة الثالثة عشرة للهجرة عام (634م)، كانت رمال أراضي العراق على موعدٍ مع ملحمة "البُوَيْب" بقيادة البطل المِغوار "المثنى بن حارثة"، التي لم تكن مجرّد معركة، بل كانت ردّاً حاسماً واسترداداً للهيبة بعد نكبة "الجسر" الأليمة. حيث وقف المسلمون بقلوبٍ عامرةٍ بالصبر الرمضاني ليواجهوا فيلقاً فارسياً عرمرماً، ظنّ قادتُه أن كثرة عددهم وعُدَّتهم ستحجب شمس الحق.

ببراعةٍ تكتيكيةٍ مذهلة، وبصمودٍ جسّد معنى "المجاهدة" في ظلال الشهر الفضيل، استطاع المسلمون مباغتة الجيوش المنظمة وكسر غرور الإمبراطورية الساسانية في عقر دارها. لقد كانت " البُوَيْب" هي البرهان العسكري الذي أثبت للعالم أن الجنديّ المؤمن حين يتسلح بروح الصيام، يصبح إرادةً لا تقهر، وتكتيكاً لا يُصد؛ فتهاوت تحت ضرباتهم أساطير القوة الفارسية، مما مهّد السبيل لفتح الطريق واسعاً أمام فتوحات القادسية وما تلاها من نصرٍ مبين.

ملحمةُ القادِسيَّة .. زلزال الإيوان وفجر الفتوح

في رمضان من السنة الخامسة عشرة للهجرة (636م)، وفي خلافة الفاروق "عمر"، كانت "القادسية" هي المحطة المفصلية التي غيّرت وجه الدنيا. هناك، على تخوم العراق، تلاحمت الكتائب المؤمنة بقيادة البطل المستجاب الدعوة "سعد بن أبي وقاص"، في أيامٍ خلدها الدهر بــ"أيام القادسية". لم تكن مجرد معركة، بل كانت صراعاً بين حقٍّ أبلجٍ يبتغي هداية الناس، وبين كبرياءٍ ساسانيٍّ حجبته الفيلة والجيوش الجرارة.

استمرت المعركة أياماً بلياليها، وفي سكون ليل رمضان وخشوع صيامه، كان صوت "الله أكبر" يزلزل الأرض تحت أقدام جيش "رستم". وبسقوط هذا القائد الفارسي وهزيمة فلول الأكاسرة، تهاوت أسطورة الإمبراطورية الساسانية وسقط "إيوان كسرى" تحت وقع خُطى الفاتحين. لقد كانت "القادسية" هي البداية الحقيقية لانبلاج فجر الإسلام في بلاد الفرس وما وراءها، لتتحول تلك الأصقاع من قيود الجور إلى سعة العدل، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

فتحُ النُّوبة .. بوابة الإسلام إلى إفريقيا

في رمضان من السنة الحادية والثلاثين للهجرة (652م)، وفي عهد الخليفة الراشد "عثمان بن عفان"، اتجهت أنظار الفاتحين نحو الجنوب لتأمين حياض مصر الإسلامية. بقيادة القائد المحنك "عبد الله بن أبي السرح"، واجه المسلمون عند أسوار "دنقلا" مهارةً حربيةً فريدة لــ "رماة الحدق" النوبيين، الذين أذهلوا الجيش ببراعة صوبِهم ودقة نبالهم. لم يكن رمضان عائقاً أمام هذا الزحف، بل كان مدرسةً للصبر؛ وحين استعصت الحصون، تجلت الحكمة الإسلامية في أبهى صورها. فانتهت الملحمة بتوقيع معاهدة "البَقْط" الشهيرة، التي لم تكن مجرّد صلحٍ عسكري، بل كانت "ميثاق سلامٍ" وتجارةٍ استمر لقرون. وبفضل هذا العهد الذي كُتبت حروفه بنفحات رمضانية، فُتحت أبواب القارة السمراء أمام دعوة التوحيد، لتنساب أنوار الإسلام في عروق إفريقيا، وتتحول العلاقة من صراع السيف إلى سماحة التعايش ونور الهداية.

عامُ المجد الأسمى .. عناق الشرق والغرب في رمضان

في رمضان من عام اثنين وتسعين للهجرة (711م) ، وقف التاريخ مذهولاً أمام معجزةٍ إسلاميةٍ لم تتكرر؛ حيث انطلق أذان النصر من حناجر الفاتحين الصائمين في مشرق الأرض ومغربها في آنٍ واحد.

شَرقاً .. وتحت هجير شمس "السِند"، قاد الفتى الأسطوري "محمد بن القاسم الثقفي" جحافل الحق، ليحطم عروش الظلم بهزيمة الملك "داهر". لم يكن فتحاً للأرض فحسب، بل كان "بذرة الخلود" التي غُرست في تربة شبه القارة الهندية، لتنبت بعدها حضارةً إسلاميةً عريقة، حوّلت تلك الأصقاع إلى معاقل للعلم ومنابر للتوحيد، ظلّت أصداؤها تتردد في جنبات باكستان والهند إلى يومنا هذا.

وغرباً ..وفي الشهر الفضيل ذاته،كان القائد "طارق بن زياد" يعبر البحر بجيشٍ صقله الصيام ليواجه جحافل الملك "رودريك" في معركة "وادي لكة" الخالدة. بضرباتٍ حاسمة، فُتحت أبواب شبه الجزيرة الأيبيرية، لتبدأ قصة "الأندلس" الساحرة؛ ثمانية قرونٍ من الحضارة والعلم والفنون، تحوَل فيها ليل أوروبا المُظلم إلى نهارٍ مُضيءٍ بفضل شمس الإسلام، ولتظلّ مآذن قرطبة وقصور غرناطة شواهد حيةً على أن رمضان كان "مفتاح الرقيِّ" للعالم أجمع.

بلاطُ الشهداء .. مسكُ الثّبات وأقصَى مدَى للنور

في رمضان من سنة أربع عشرة ومئة للهجرة (732م)، وعلى بُعد فرسخٍ قليلٍ من قلب "باريس"، كان التاريخ على موعدٍ مع واحدةٍ من أكثر ملاحم الصيام جلالاً وتضحية. هناك، في سهول "تور وبواتييه"، قاد البطل الزاهد "عبد الرحمن الغافقي" جيوش الفاتحين الذين تغلغلوا في عمق أوروبا،حتى كاد أذان رمضان أن يصدح في مآذن "نوتردام" قبل أن تُبنى.

سُميت بـ "بلاط الشهداء" لأنها استوطنت في طياتها خيرة أجناد المسلمين الذين ارتقوا صائمين، وفي خضمِّ القتال الشرس، اصطفى اللهُ القائد "الغافقيَّ" شهيداً، مما أحدث اضطراباً في الصفوف حال دون اكتمال النصر الساحق. ورغم أن هذه الموقعة أوقفت مَدّ الفتوح نحو الشمال البارد، إلا أنها ظلّت "الصّرخة المدوية" التي أثبتت للعالم أن خيول التوحيد قادرةٌ على لجم المستحيل. لقد كانت "بلاط الشهداء" هي الحدّ الأقصى الذي وصل إليه فيض رمضان في قلب أوروبا الغربية، وظلت ذكراها عبقاً يفوح بمسك التضحية؛ فالمسلمون هناك لم يخسروا إرادةً، بل ربحوا مقاعد في الصديقين، وتركوا خلفهم أثراً في الوجدان الأوروبي .

فتحُ عمُّوريّة.. نَصر النّخوة وصدى "وا إسلاماه"

في السابع عشر من رمضان لعام مئتين وثلاثة وعشرين للهجرة (838م)، تجلّت أسمى معاني العزّة حين تحوّل نداءٌ بائس من امرأة مسلمة مستضعفة في أقصى الثغور إلى زلزالٍ هزّ عرش الخلافة في بغداد. وما إن بلغت صرخة "وا إسلاماه" مسامع الخليفة "المعتصم بالله"، حتى أجابها بفعله قبل قوله: "لبيكِ يا أختاه"، فجهز جيشاً عظيماً قيل إن أوله عند أسوار الروم وآخره في دار الخلافة.

قاد المعتصم جنده في شهر الصيام، ضارباً بعرض الحائط نبوءات المنجمين الذين حذروا من سوء الطالع، فكان صيام الجند وقوداً لصبرهم على حصار "عمّوريّة"؛ أمنع حصون البيزنطيين ودار ملكهم. وتحت ضربات المنجنيق وتكبيرات الصائمين، دُكّت الأسوار العاتية وفُتحت المدينة الحصينة، لتكون "عمّوريّة" درساً قاسياً في فقه الكرامة، وتأكيداً أبدياً على أن هيبة الخلافة لا تُستمد من القصور، بل من الذود عن عِرض كل مسلم ومسلمة، ليكون هذا الفتح تاجاً يزين جبين رمضان في سجل الخلود.
معرَكة لؤلؤة.. حصن الثّغور وسياج الخلافة.

في رمضان من عام مئتين وأربعة وستين للهجرة (878م)، وفي قلب منطقة "الثغور" المتاخمة لجنوب الأناضول، سطع نصرٌ عباسيٌّ كبير تحت اسم "معركة لؤلؤة". التي كانت رداً صاعقاً على طموحات الإمبراطورية البيزنطية التي ظنت أن وهن الخلافة قد يغريها بانتزاع أطراف الدولة الإسلامية. بإرادة الصائمين وبأس الفاتحين، استطاع الجيش العباسي دحر جيوش الروم وتأمين الحدود الشمالية الحيوية، ليعيد لراية الخلافة هيبتها في تلك الأصقاع الوعرة. لقد كانت "لؤلؤة" حقاً اسماً على مسمى؛ إذ تألقت في سجلات رمضان كحصنٍ منيعٍ كسر غارات المعتدين، وضمن للأمة قروناً من الاستقرار على ثغورها الشمالية، لتظل ذكرى هذا النصر شاهدةً على أن اليقظة في رمضان هي السبيل الأوحد لصون الديار وحماية المقدسات.

معرَكةُ الزّلاقة .. طوقُ النّجاة وعزّ المرابطين

في رمضان من عام تسعة وسبعين وأربعمائة للهجرة (1086م)، حين كادت شمس الأندلس أن تغيب تحت وطأة زحف "ألفونسو السادس"، ارتفع نداء الاستغاثة ليعبر البحر نحو المغرب. هناك، لبى نداء العقيدة أمير المرابطين الزاهد "يوسف بن تاشفين"، ليعبر بجيوشه إلى "سهل الزلاقة" في ملحمةٍ أعادت للوجدان الرمضاني هيبته وشموخه. بجيشٍ صقله الصيام والتقشف، استطاع المرابطون سحق جيش قشتالة المغرور في معركةٍ اهتزت لها أرجاء القارة الأوروبية. فكانت "الزلاقة"بعثاً جديداً للوجود الإسلامي في الأندلس ؛ إذ أوقفت الانهيار المروع، ومدت في عمر الحضارة الأندلسية أربعة قرون إضافية.

معركةُ حَارِم .. فجرُ التوحيد

في العشرين من رمضان لعام تسعمائة وخمسة وخمسين للهجرة (1164م)، وفي قلب بلاد الشام الجريحة، بزغت شمس "حارِم" لتضيء ليل اليأس الصليبي. بقيادة القائد العابد والمجاهد الزاهد "نور الدين محمود زنكي"، وقف المسلمون الصائمون بوجه تحالفٍ صليبيٍّ ضخم حشد كل قواه من طرابلس وأنطاكية لكسر شوكة الإسلام. لم يكن نصر "حارم" مجرد سحقٍ لفلول الغزاة وأسر كبار قادتهم، بل كان "بُشرى السماء" التي أثبتت أن وحدة الصف هي مفتاح استعادة الأرض. بذكاءٍ عسكري صقله الدعاء واليقين، استطاع نور الدين دحر المعتدين وتأمين شمال بلاد الشام، ليكون هذا الانتصار الرمضاني هو "الجسر الحقيقي" الذي عبرت عليه جيوش التحرير نحو بيت المقدس. فكانت "حَارِم" هي المدرسة التي تعلمت فيها الأمة أن رمضان هو شهر رصّ الصفوف وتوحيد القلوب قبل السير في دروب الفتح المبين.

ملحمة حِطِّين.. حين اكتسى ربيعُ الآخر بنفحات رمضان

رغم أن شمس "حِطِّين" أشرقت في الخامس والعشرين من ربيع الآخر لعام ثلاث وثمانين وخمسمائة للهجرة (1187م) ولم تكن فى رمضان، بل كانت تحت لهيب شمس يوليو القاسية، إلا أن نصرها المؤزر فرض نفسه "ختماً" مقدساً على سجل البطولات؛ فما كان لــ "صلاح الدين الأيوبي" ومن خلفه جحافل التوحيد أن يقطفوا ثمار الفتح في ربيع الآخر، لولا أنهم قد صُهروا في مدرسة "رمضان" عبر سنوات من الرباط والمجاهدة، وخطّوا بمدادٍ من عزةٍ نهاية حلم الغزاة الذين استباحوا الأرض والمقدسات لعقود.

لقد كانت حِطِّين هي "يوم الفتح الأكبر" في تاريخ الحروب الصليبية و"المصب" الذي صُبت فيه كل تضحيات الفتوحات الرمضانية السابقة، واللحظة التي تجلى فيها إخلاص العبادة في صورة نصرٍ عسكريّ أعاد للقدس طُهرها. إن نصر "حِطِّين"، كان تتويجاً لسنواتٍ من الإعداد الإيماني والتخطيط العسكريِّ المحكم. بعبقريته الفذة، استدرج صلاح الدين جيوش الصليبيين إلى فخٍّ قاتل، ومنع عنهم موارد الماء، حتى باتت سيوفهم واهنةً أمام بأس الجنديّ المسلم الذي تربى في محاريب التعبد. ومع هذا النصر، انفتح الباب على مصراعيه ليعود المسجد الأقصى إلى أحضان أهله، وتتحرر القبلة الأولى من قيد الاحتلال، في ملحمةٍ أثبتت للعالم أن الحقّ قد ينام لكنه لا يموت، وأن التحرير يبدأ بفتح القلوب قبل فتح القلاع.

إن المرور بحطين في رحلة "بدر وأكتوبر" هو اعترافٌ بأن نصر الله لا يحده زمان، لكنه يختار القلوب التي تذوقت حلاوة "جوع الصيام" لتنال شرف "شبع الفتح"، فصارت حطين والقدس توأماً لروح رمضان وإن خالفته في التاريخ.

عينُ جالُوت .. حين انكسر الإعصارُ وأُجيب نداءُ "وا إسلاماه"

في منتصف القرن السابع الهجري، خيّم على الأرض ليلٌ دامس؛ كانت الدنيا ترجف تحت خيول المغول الذين استباحوا بغداد، وأغرقوا كنوز العلم في دجلة والفرات حتى اسودّ لونهما حزناً، وسقطت دمشق وحلب وبيت المقدس، ولم يبق أمام "إعصار الفناء" إلا قلب العروبة النابض: مصر.

وفي فجر الجمعة، الخامس والعشرين من رمضان لعام 658 هـ(1260م)، وقف السلطان المنصور "سيف الدين قطز" في سهل "عين جالوت" بفلسطين، مدركاً أن مآذن الإسلام وقبلة المسلمين معلقتان بحدّ سيفه في ذلك اليوم. وحين اشتد الكرب وبدا أن كفة التتار ستميل، ألقى قطز خوذته عن رأسه، وصاح بصرخةٍ زلزلت أركان السهل: "وا إسلاماه .. وا إسلاماه! يا الله انصر عبدك قطز".

ببركة الصيام وعظمة اليقين، تحطمت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر لأول مرة في التاريخ. فسقط القائد المغولي "كتبجا" صريعاً، وتبدد شمل جيشه كالرماد في مهب الريح. لم يكن نصر "عين جالوت" استرداداً لمدنٍ فحسب، بل كان أيضًا إنقاذاً للحضارة الإنسانية من الاندثار الكامل، وحمايةً للتراث الإسلامي من السحق تحت أقدامٍ بربرية. لقد أثبت رمضان في ذلك اليوم أنه شهر "البعث الجديد"؛ فمن رحم الانكسار في بغداد، وُلد النصر المبين في مصر، ليظل الإسلام شامخاً بفضل تلك الدماء التي روت ثرى فلسطين في أطهر الشهور.
استردادُ صَفَد .. حين تهاوتْ قلاعُ "الهيكل" في ظلال الصّيام

بعد بضع سنوات من زلزال عين جالوت، وفي رمضان, وبإرادةٍ لا تلين، قاد "الظاهر بيبرس" جحافله في رمضان من عام ستمائة وأربعة وستين للهجرة (1266م)، نحو واحدةٍ من أعتى قلاع الصليبيين وأشدها تحصيناً: قلعة صفد. كانت القلعة معقلاً لـ "فرسان الهيكل"، وظنّ الغزاة أن أسوارها العالية المتربعة فوق القمم ستحميهم من بأس المماليك.

لم يمنع الصيام " بيبرس" وجنده من خوض غمار الحصار المرير، بل كان الصبر زادهم، والتكبير سلاحهم. وتحت ضربات المنجنيق وإصرار الصائمين، سقطت القلعة الحصينة، لتكون ضربةً قاصمةً قصمت ظهر القوة العسكرية الصليبية في بلاد الشام.
أنطاكية .. استرداد التاريخ لأنفاسه.

في الرابع عشر من رمضان لعام 666 هـ (1268م)، لم تكن شمس المغيب تعلن إفطار الصائمين فحسب، بل كانت تعلن أيضًا بزوغ فجر جديد لمدينةٍ غابت عن عرينها مائة وسبعين عاماً." أنطاكية" ؛ تلك الدُرة العصية والثغرة التي لطالما كانت شوكة في خاصرة الشرق، انحنت أخيراً أمام إصرار الأسد الظافر، "الظاهر بيبرس".

لم يكن فتحها مجرّد نصرٍ عسكري عابر في سجلات المماليك، بل كان الزلزال الذي هزّ أركان الوجود الصليبي وقصم عموده الفقري. فبعد قرن ونصف من الاحتلال، تهاوت الأسوار التي ظنّ الغزاة أنها أزلية، وتلاشت أحلامهم تحت سنابك خيل الجيش المنصور.
لقد كان هذا الفتح بمثابة الخاتمة الفعلية لزمن الهزائم؛ فبسقوط ثاني أقدم إمارة صليبية، فُتحت الأبواب على مصراعيها لتطهير السواحل الإسلامية، واستعاد الشرق هيبته الضائعة، لتبقى أنطاكية شاهدةً على أن الحق مهما طال غيابه، فإن له طارقاً لا يلين.
رودس .. ترويض "فرسان البحر".

لم تكن جزيرة "رودس" مجرد بقعة يابسة في عرض المتوسط، بل كانت قلعةً عاتية يتحصن خلفها فرسان القديس "يوحنا" الاسبتارية، الذين كانوا قراصنةً يقطعون شريان التجارة الإسلامية ويروّعون السواحل. وفي شهر رمضان من عام 848 هـ (1444م)، قرر السلطان المملوكي الظاهر "جقمق" أن يضع حداً لهذا التطاول، فأطلق صرخة "الجهاد البحري" من قلب القاهرة وقد كان.

العاشر من رمضان.. عبورٌ هزم الهزيمة .. وإرادةٌ قهرت المستحيل.

لم يكن يوم العاشر من رمضان 1393 هـ ، السادس من أكتوبر عام (1973م) مجرد تاريخ في أجندة الحروب، بل كان لحظة "انفجار الكرامة" التي زلزلت الأرض تحت أقدام الغزاة. في وضح النهار، وبينما كانت الشفاه يابسة من أثرالصيام، كانت القلوب رطبة بذكر الله، والأيادي قوية تقبض على السلاح لتكتب سطر النهاية لغطرسة دامت سنوات.

هو عبورٌ فوق المستحيل، عندما انطلقت صيحة "الله أكبر" مدويةً فوق ضفاف القناة، لم تكن مجرّد شعار، بل كانت محركاً إيمانياً تحت لواء الصيام حطم أسطورة "خط بارليف" المنيع. ذلك السد الترابي الذي ظنّ العالم أنه حائط صدٍ لا يُقهر، تهاو بمدافع المياه وبعزيمة جنديٍّ مصري آمن بأن الأرض عرضٌ لا يُستباح.

فنجد أن روح الانتصارات الرمضانية امتدت لتقفز سريعًا عبر القرون لتصل بنا إلى العصر الحديث؛ إذ انطلقت صافرات الإنذار في سيناء والجولان لتدشن حربًا جديدة. فكان المشهد مشابهًا لبدر: جيش مسلم مستضعف في الظاهر، يمتلك من العدة أقل مما يمتلك العدو، ولكنه يمتلك الإيمان والعقيدة. فكان النصر الذى لم يكن مجرد عبور عسكري، بل كان استعادة للكرامة الوطنية، لتؤكد أن الإرادة المصرية قادرة على صنع المعجزات.

كانت روح "بدر " الحاضرة : فرقاناً بين الحق والباطل، وكان "العاشر من رمضان" فرقاناً بين زمن الانكسار وزمن الانتصار، ليثبت أن روح رمضان لا تزال حية وقادرة على تحقيق المستحيل مهما طال الزمن.

ختاماً، إنَّ المتأمل في سجلات المجد الرمضاني، من غزوة بدر الكبرى، وفتح مكّة الأعظم، مروراً بأسوار أنطاكية التي دكّها بيبرس، إلى عين جالوت التي روّضها قطز ، وصولاً إلى ضفاف القناة التي عبرها أبطال العاشر من رمضان، يدرك أن هذا الشهر الفضيل لم يكن يوماً موسماً لبياتٍ شتوي أو استكانة، بل كان مضماراً لسمو الروح وقوة الإرادة.ذاك التأمل يرسو بنا على ضفاف قواسم خماسية مشتركة : للنصر الرمضاني.

إذا ما أردنا أن نستخلص "الشفرة الوراثية" لهذه الانتصارات، فسنبصر حقائق لا تتغير بتغير الأزمان:

سلاح العقيدة قبل العُدّة: في كل تلك المعارك، لم يكن العتاد هو الفيصل الوحيد؛ ففي "بدر" كان الفارق يقينًا يستمدّ مدده الملائكي من السماء ، وفي "أكتوبر" كانت التحصينات البارليفية الأسطورية من سواتر ترابية إلى دُشم خراسانية ونقاط نيران محصنة تُوهِم جميعها أن العبور ضربٌ من الخيال. لكن الإيمان بأنّ النصر من عند الله جعل المستحيل واقعاً ملموساً. يعقب العقيدة، الانضباط الذاتي: الصيام ليس حرماناً، بل هو "تدريب عسكري" رفيع المستوى. فالجندي الصائم هو إنسان تخلى عن ضرورات جسده ليرتقي بضرورات وطنه وأمته، مما يمنحه تركيزاً فولاذياً في التنفيذ.

ثم يأتي عنصر المباغتة الذهنية: كما باغت المسلمون الأوائل قريشاً، باغت أحفادهم العالم باختيار توقيت (الثانية ظهراً) في نهار رمضان؛ فكانت المفاجأة هي "الضربة القاضية" التي أذهلت العقول العسكرية. يليه وحدة الهدف والصف: من تحرير العقول من الأصنام، إلى تحرير الأرض من المغول والصليبيين، وصولاً لتحرير التراب الوطني؛ كانت الغاية دوماً هي استرداد الحق والكرامة تحت راية واحدة. ثم يصل المتأمل إلى المعادلة الربانية: إن رمضان يعلمنا أن النصر ليس ضربة حظ، بل هو نتيجة لمعادلة طرفاها : "عملٌ بالأسباب" و "توكلٌ على رب الأسباب".

إن هذه المسيرة المتصلة من الفتوحات تؤكد أن روح رمضان لا تزال حية، نابضة في عروق الأمة، قادرة على استنهاض الهمم مهما طال ليل التراجع. فكما فُتحت مكّة وتحررت أنطاكية واُستردت سيناء، يبقى الأمل معقوداً بنواصي الخيل وبعزائم الصائمين، ليتحقق وعد الله الخالد في كل عصر لمن كان حقًا مع الله : {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ} آل عمران (160).

اللَّهُمَّ كما نصرت المسلمين في بدر وفتح مكة والعاشر من رمضان، انصرهم اليوم في كل ثغر، وأعد للأمة عزتها وكرامتها، واجعلنا ممن يستحقون نصرك بصدق الإيمان وإخلاص العمل، وردنا إلى دينك ردًا جميلاً.. اللَّهُمَّ آمين

أخبار مصر

أخبار مصر

موقع أخبار مصر هو موقع أخبارى سياسى اجتماعى فنى رياضى يصدره قطاع الأخبار -بالهيئة الوطنية للإعلام - التليفزيون المصرى سابقاً

أخبار ذات صلة

محمود علام
ابراهيم عبد العزيز
نهال الشافعي
محمود علام

المزيد من مقالات

الدكتور أسامة الأزهري: رمضان شهر تعظيم الشعائر وتكبير الله

رمضان شهر التكبير، وشهر تعظيم شعائر الله؛ والسؤال: من أين جاء هذا المعنى؟ هذا المعنى مستفاد من الآية الجامعة التي...

بيت السناري

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...

سواقي مجرى العيون

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...

ذكرياتي في وادي فيران في شهر رمضان

"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...