في عالم اليوم، لم يعد الوعي الجمعي يتشكل تلقائيًا، بل أصبح نتاجًا مباشرًا لتدفق مستمر للرسائل الإعلامية، والإعلانية والدعائية لكن كثيرًا ما تُستخدم هذه المفاهيم الثلاثة بالتبادل وكأنها واحدة، وهو خلط يضر بالرسالة وبالوعي نفسه.
إبراهيم الصيادوكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق
الخطر لا يكمن فقط في التضليل، بل في إعادة تشكيل ما يفترض أن يكون تفكير الجمهور المستقل والإعلام الحقيقي هو أداة للوعي والاستنارة وظيفته توسيع مدارك الجمهور، وتزويده بالمعلومات التي تمكّنه من النقد والتحليل.
يعرض الإعلام الوقائع في سياقها، ويتيح تعدد الزوايا والرؤى ويكرس القيم والأخلاق، والمتلقي هنا شريك في المعرفة، قادر على فهم الأحداث واتخاذ قراراته بحرية ووعي.
الإعلان، في المقابل، يركز على البيع والتسويق و هدفه دفع الجمهور إلى شراء منتج أو خدمة، وهو يخاطب "العقل الاستهلاكي" عبر إبراز المزايا وإخفاء العيوب وتكرار الرسالة حتى تترسخ في الذهن!
على سبيل المثال، عند الترويج لمنتج صحي، كثيرًا ما تُعرض الفوائد وتُغفل الآثار الجانبية. ويعتمد الإعلان على الصورة الجذابة والرسائل المكثفة القصيرة المدى، ويعمل على التأثير المباشر في سلوك المستهلك لا في وعيه النقدي.
أما الدعاية، فهي وسيلة إبراز سياسي أو أيديولوجي تركز على فكرة أو شخصية أو نظام محدد، وتتجنب عرض الآراء المعارضة أو المنهج النقدي. الدعاية تهدف إلى توحيد الرؤية لدى الجمهور، وتحويل المتلقي إلى كتلة تتبنى رسالة محددة بدل أن تكون شريكًا في الفهم والتحليل.
مثال: تغطية فعالية سياسية بأسلوب تمجيدي، دون مساءلة أو عرض وجهات نظر مختلفة!
وهكذا إن الخلط بين الإعلام والإعلان والدعاية يؤدي إلى تشويش الوعي الجمعي مثلا قد يكون الإعلان مستترا في هيئة خبر، والدعاية قد تكون مموهة بأسلوب تحليلي، وهنا يتحول الإعلام إلى منصة بيع أو تعبئة، وكلها تؤدي إلى فقدان الثقة، وضعف القدرة على التمييز بين الحقيقة والترويج والتحريض!
وبشكل محدد كل مجال يخاطب جانبًا مختلفًا الإعلان يخاطب سلوك ورغبات المستهلك، والدعاية تعبر عن مواقف سياسية، والإعلام يضع إطار الفهم والتحليل ويصنع الوعي. لذلك، عند وضع السياسات العامة للإعلام، يصبح الفصل بين هذه المفاهيم ضرورة لا ترفًا.
ويجب عند العرض التأكيد على ابراز المواد الإعلانية بوضوح، وضمان استقلالية القرار التحريري، وإتاحة حق الرد، وتشجيع التعددية، وترسيخ ثقافة النقد!
في عصر المنصات الرقمية، يصبح هذا الفصل أكثر أهمية، إذ يمكن للإعلان أن يتخفى باعتباره محتوى مؤثرا والدعاية تنتشر عبر حسابات شخصية، والإعلام يختزل في عناوين مثيرة بلا تحليل.
ومن ثم الفصل بين الإعلام والإعلان والدعاية لا يعني القطيعة، بل إدارة العلاقة بشكل متوازن ويمكن القول إن الإعلام يحتاج إلى الإعلان كمصدر تمويل، والسياسة تحتاج إلى الإعلام كمنصة للتواصل، والاقتصاد يستفيد من كليهما.
لكن يجب أن تكون هناك ضوابط واضحة تمنع اختطاف الرسالة، وتحمي وعي الجمهور، وتضمن أن يبقى الإعلام مساحة للتنوير وبناء العقل وليس منصة للبيع أو التعبئة الجماهيرية!
في النهاية، كل من الإعلام والإعلان والدعاية له دوره، ولكل رسالة وظيفتها في تكوين وعي المجتمع بعبارة أخرى الإعلام وعي واستنارة ، والإعلان تسويق وتجارة، والدعاية أيديولوجيا وسياسة الخلط بينها يؤدي إلى فقدان مسار الرسالة الصحيح، ويضعف قدرة الجمهور على التمييز. وتنظيم العلاقة بين هذه العناصر الثلاثة هو الصمام الذي يحمي صناعة الوعي ويضمن أن يبقى المجال الإعلامي منصة للفكر النقدي والمعرفة الحرة، لا مجرد سوق أو أداة تعبئة!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهر رمضان يمثل قيمة كبرى في العالم الإسلامي على مدى التاريخ وارتبط بمفردات دينية تراثية محفورة في ذاكرة العالم الإسلامي...
في كل مناسبة سعيدة، يُفترض أن نشعر بالفرح تلقائيًا. رمضان، العيد، خطوبة، زفاف، نجاح، لقاء عائلي… لكن الواقع أن كثيرين...
إذا أردت أن تعيش لحظة من لحظات الأنس الروحي، وأن تلمس بقلبك شيئًا من بهاء المدينة المنورة، فما عليك إلا...
لم تعد الأزمات الدولية تُقاس بحدّتها، بل بسرعة انفلاتها من أي إطار ضابط. فالعالم لا يشهد تصعيدًا استثنائيًا، بقدر ما...