"التي من أجلها تشرق الشمس".. كيف قدّس المصريون القدماء الحب

خلف عظمة الأهرامات الشاهقة وصلابة التماثيل الصخرية، نبضت قلوب عشقت الحياة وأقدست المشاعر. لم تكن الحضارة المصرية القديمة مجرد تفوق هندسي أو عسكري، بل كانت تجسيداً لأرقى مشاعر الإنسانية، حيث كان المصري القديم "أرهف شعوب الأرض إحساساً".

د. علي أبو دشيش
مدير مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث

 

 

"الماعت" والقلب.. الحب كقانون كوني

في مصر القديمة، لم يكن الحب مجرد علاقة عابرة، بل كان ركناً أساسياً من أركان "الماعت" (الحق والعدل والنظام الكوني).
جسد الفراعنة عواطفهم في أسمى صورها عبر الأدب والشعر والرسوم، مبتكرين لغة خاصة للتعبير عن الود:

لغة الألقاب:

كان المحب ينادي حبيبته بـ "سنت" (الأخت)، وهي تناديه بـ "سن" (الأخ).
ولم تكن هذه الألقاب تشير لصلة دم، بل كانت تعني "القريبة من القلب" وشريكة الروح.

لغة الزهور:

كانت زهرة اللوتس هي الرمز الأيقوني للعاطفة، حيث كان تقديمها بمثابة لغة تفاهم صامتة تعكس النقاء والتجدد.

قصص خلدها الحجر:

رمسيس ونفرتاري الأبرز

لم تكتفِ الجدران بتسجيل المعارك، بل خلدت أعظم قصص الحب الملكية التي غيرت مفاهيم الحكم والتقدير:

1. رمسيس الثاني ونفرتاري: "إشراقة الشمس"
وصف الملك العظيم زوجته بعبارة هزت التاريخ: "التي من أجلها تشرق الشمس". ولم يكتفِ بالكلمات، بل ترجم مشاعره إلى عمارة خالدة؛ حيث بنى لها معبداً في "أبو سمبل" وجعل تمثالها بجوار تمثاله وبنفس الحجم، في سابقة تاريخية تعكس تقديراً سياسياً وعاطفياً لا مثيل له.

2. إخناتون ونفرتيتي: ثورة المودة
كسر إخناتون ونفرتيتي القواعد الفنية الجامدة، فظهرا في النقوش بوضعيات مفعمة بالحميمية، يتبادلان الزهور ويجلسان في جلسات عائلية دافئة، مما عكس ثورة اجتماعية جعلت من "المشاعر الإنسانية" جوهر الفن.

برديات الغرام.. في الزمن الفرعوني

تركت لنا البرديات أشعاراً لا تقل عذوبة عن الشعر الحديث. في "بردية تشستر بيتي"، نجد أبياتاً تفيض بالرقة تصف المحبوبة:

"حبيبتي ليس لها مثيل.. هي أجمل من في الوجود، انظر إليها كأنها النجم المضيء في مطلع سنة جديدة.. إنها متألقة في بشرتها، رقيقة في نظرات عينها".

"نبت بر":
المرأة ملكة القلب والبيت
يؤكد أبو دشيش أن احترام الرجل لزوجته كان المعيار الحقيقي لنبله.

وقد حفلت نصائح الحكماء، مثل "بتاح حتب"، بوصايا صريحة تدعو لتدليل الزوجة:
"أحبب زوجتك في البيت كما يقضي العرف، املأ بطنها واكسُ ظهرها.. فهي حقل مثمر لربها".

لم تكن الزوجة مجرد شريكة، بل كانت "نبت بر" (سيدة البيت)، والشريكة الأبدية التي يحرص المصري القديم على أن تُصور بجواره في مقبرته، ليدخلا "الجنة" معاً كما عاشا معاً.

إن الحضارة المصرية لم تكن حضارة موت وقبور، بل كانت احتفاءً مستمراً بالحياة وبالحب. لقد علمنا الأجداد أن القوة الحقيقية لا تكمن في حد السيف فقط، بل في القلب الذي يعرف كيف يحب ويبني خلوده بالمودة.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

د. عبد الرحيم ريحان
علي ابو دشيش
علي ابو دشيش

المزيد من مقالات

وانطلق مدفع الإفطار، حكايات رمضانية

شهر رمضان يمثل قيمة كبرى في العالم الإسلامي على مدى التاريخ وارتبط بمفردات دينية تراثية محفورة في ذاكرة العالم الإسلامي...

متلازمة المناسبات السعيدة: لماذا نحزن حين يُفترض أن نفرح؟

في كل مناسبة سعيدة، يُفترض أن نشعر بالفرح تلقائيًا. رمضان، العيد، خطوبة، زفاف، نجاح، لقاء عائلي… لكن الواقع أن كثيرين...

في حضرة آل البيت.. هنا القلوب تشرق وتنتشي بسكينة المدينة المنورة

إذا أردت أن تعيش لحظة من لحظات الأنس الروحي، وأن تلمس بقلبك شيئًا من بهاء المدينة المنورة، فما عليك إلا...

عالم بلا ضامن: لماذا بدأت القوى الإقليمية في بناء توازنها الخاص؟

لم تعد الأزمات الدولية تُقاس بحدّتها، بل بسرعة انفلاتها من أي إطار ضابط. فالعالم لا يشهد تصعيدًا استثنائيًا، بقدر ما...