يشهد قطاع الإعلام تحولاً جذرياً لا يقتصر على الأدوات والمنصات فحسب، بل يمتد ليطال ماهية المهنة ذاتها وطبيعة الأدوار داخل المؤسسات الإعلامية ومع تسارع وتيرة التحول الرقمي، يبرز سؤال محوري هل نحن بحاجة إلى "الإعلامي الشامل" القادر على القيام بكل المهام، أم أن التخصص يظل ضرورة لا غنى عنها؟
إبراهيم الصيادوكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق
من هو الإعلامي الشامل؟
هو ذلك المحترف القادر على التعامل مع أدوات ومنصات متعددة، ويمتلك الحد الأدنى من الفهم والمهارة في مجالات مختلفة تشمل: كتابة المحتوى، والتحرير، والتقديم، وإدارة وسائل التواصل الاجتماعي، وفهم الخوارزميات، وربما أساسيات التصوير والمونتاج وتحليل البيانات.
إنه ليس "سوبرمان إعلامياً" يؤدي كل شيء بإتقان مطلق، بل هو إعلامي مرن يستوعب الصورة الكاملة، وقادر على التفاعل مع دورة حياة المحتوى منذ مرحلة التصور الأولى وصولاً إلى النشر والتقييم.
لم يظهر هذا النموذج كرفاهية، بل فرضته بيئة رقمية سريعة الإيقاع، غالباً ما تكون محدودة الموارد، وتعتمد على فرق عمل صغيرة وإنتاج مكثف ! هل يتعارض الإعلامي الشامل مع التخصص؟
الإجابة المختصرة هي: لا، إذا ما تم فهم المفهوم فهماً صحيحاً.
لا تكمن المشكلة في فكرة الشمول بحد ذاتها، بل في إساءة تطبيقها. فعندما يُطلب من الإعلامي أن يكون كاتباً ومصوراً ومخرجاً ومسوّقاً في آن واحد، دون توفير التدريب المناسب أو الدعم أو الرؤية المؤسسية الواضحة، تتحول "الشمولية" إلى عامل استنزاف، ويفقد التخصص قيمته.
النموذج الأمثل هو إعلامي متخصص لديه وعي شامل بالتخصصات الإعلامية؛ أي أن يتقن الإعلامي مجاله الأساسي (كتابة، تقديم، إخراج، تحقيقات...)، مع فهمه لمنطق عمل المنصات الرقمية، وطبيعة الجمهور المستهدف، وآليات الانتشار، وكيفية تفاعل عمله مع المنظومة الإعلامية ككل. فالشمولية هنا تعني الوعي والسياق، وليست إلغاءً للتخصص.
في المؤسسات الإعلامية الناجحة رقمياً، لا يتم إلغاء التخصص، بل يُدار ضمن فريق عمل متكامل يتحدث أفراده "لغة رقمية مشتركة".
هل الإعلامي الشامل هو المطلوب في مرحلة التحول الرقمي؟
نعم... ولكن بشروط
مرحلة التحول الرقمي تحتاج إلى إعلاميين قادرين على:· التكيف السريع مع المنصات المتطورة باستمرار.· إنتاج محتوى متعدد الصيغ (نص، صوت، صورة، فيديو).· فهم سلوك الجمهور الرقمي وتحليلاته.· العمل ضمن فرق مرنة غير هرمية.
لكنها لا تحتاج إلى إعلامي "يفعل كل شيء" ليصبح بديلاً عن المؤسسة نفسها. المطلوب هو إعلامي يمتلك أدوات متعددة، ويعرف متى يستخدمها، ومتى يتكامل مع زملائه المتخصصين. فالتحول الرقمي لا يعني تفكيك المهنة، بل إعادة هيكلتها.
كيف تُدار المنصات الإعلامية الرقمية؟تختلف إدارة الإعلام الرقمي جذرياً عن نظيرتها التقليدية. لم تعد قائمة على غرفة أخبار مغلقة أو دورة إنتاج خطية، بل تعتمد على منظومة ديناميكية ترتكز على:
1. البيانات والتحليل: فالقرار التحريري لم يعد يعتمد على الحدس وحده، بل يستند أيضاً إلى مؤشرات الأداء، وتحليل تفاعل الجمهور، وفهم الخوارزميات دون الخضوع لها بالكامل.
2. التفكير حسب المنصة وليس الوسيلة الواحدة: حيث يُصمَّم المحتوى منذ البداية كمنتج متعدد الصيغ، يُعاد توظيفه وتكييفه وفق طبيعة كل منصة وجمهورها.
3. فرق عمل مرنة: يُدار الإعلام الرقمي بفرق صغيرة متخصصة تتكامل أدوارها، بدلاً من الهياكل الإدارية المتضخمة.
4. سرعة الاستجابة مع الحفاظ على الجودة: تعتبر السرعة عنصراً حاسماً، لكنها لا تُبرر التفريط في المعايير المهنية أو عمليات التحقق من المعلومات.
5. قيادة تحريرية واعية: أخطر ما في الإعلام الرقمي هو إدارته بمنطق "الترندات" فقط. الإدارة الرشيدة هي التي توازن بين الانتشار، والقيمة المقدمة، والرسالة المؤسسية.
خلاصة القول من الضروري أن يمتلك الإعلامي المعاصر دراية موسوعية بكل مراحل العملية الإعلامية.
لكن الإعلامي الشامل ليس بديلاً عن التخصص، بل هو تطور طبيعي له في بيئة رقمية معقدة. التحول الرقمي لا يتطلب إعلامياً واحداً يعرف كل شيء، بل منظومة إعلامية متكاملة تفهم روح العصر، وتُحسن استثمار العنصر البشري قبل الأدوات التكنولوجية.
المستقبل ليس للإعلامي الذي يفعل كل شيء بمفرده، ولا للمؤسسة التي تُجزئ الإنسان وتستنزفه، بل لمن يجيد التكامل بين الوعي الشامل، والتخصص الدقيق، والتقنية المسخَّرة بذكاء!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهر رمضان يمثل قيمة كبرى في العالم الإسلامي على مدى التاريخ وارتبط بمفردات دينية تراثية محفورة في ذاكرة العالم الإسلامي...
في كل مناسبة سعيدة، يُفترض أن نشعر بالفرح تلقائيًا. رمضان، العيد، خطوبة، زفاف، نجاح، لقاء عائلي… لكن الواقع أن كثيرين...
إذا أردت أن تعيش لحظة من لحظات الأنس الروحي، وأن تلمس بقلبك شيئًا من بهاء المدينة المنورة، فما عليك إلا...
يشهد قطاع الإعلام تحولاً جذرياً لا يقتصر على الأدوات والمنصات فحسب، بل يمتد ليطال ماهية المهنة ذاتها وطبيعة الأدوار داخل...