بوتان.. الدولة التي لا يعرفها أحد

اقتصاد صامت، نموذج خفي

في أقصى شرق جبال الهيمالايا، بين الهند والصين، تقع دولة صغيرة المساحة تُقدَّر بنحو 38 ألف كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها قرابة 800 ألف نسمة فقط. اسمها بوتان.

نهال الشافعى
ماجستير علوم سياسية و استراتيجية
ورئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية


قد لا يلفت اسمها انتباه القارئ العادي، ولا تحضر في نشرات الأخبار أو خرائط الصراعات الدولية، لكنها واحدة من أكثر التجارب السياسية والاقتصادية إثارة للاهتمام في العالم المعاصر. ليس لأنها دولة قوية أو ثرية، بل لأنها اختارت أن تفكر بطريقة مختلفة تمامًا عمّا اعتاده العالم.

بوتان دولة غير ساحلية، بلا موانئ بحرية، وبسوق داخلية محدودة، وعملة محلية تُعرف باسم النغولتوم، وهي مرتبطة بالروبية الهندية، في انعكاس مباشر لطبيعة العلاقة الاقتصادية الوثيقة مع الهند. هذا الارتباط النقدي لم يكن نقطة ضعف، بل أداة استقرار، خفّفت من تقلبات العملة وحمت الاقتصاد الصغير من صدمات الأسواق العالمية.

حتى سبعينيات القرن الماضي، كانت بوتان شبه معزولة عن العالم الخارجي. لا سياحة دولية، لا إعلام عالمي، ولا اندماج في الاقتصاد الدولي. اقتصاد بسيط قائم على الزراعة التقليدية والموارد المحلية. هذا الانغلاق لم يكن فشلًا أو عجزًا، بل اختيارًا واعيًا لتجنّب صدمات الحداثة السريعة التي عصفت بدول نامية كثيرة حولها.

وعندما قررت بوتان الانفتاح، لم تسأل: كيف نلحق بالعالم؟ بل طرحت سؤالًا أكثر عمقًا: كيف ندخل العالم دون أن نفقد أنفسنا؟

جغرافيًا، تبدو بوتان دولة صعبة؛ تضاريس جبلية قاسية، شتاء طويل، ونسبة محدودة من الأراضي الصالحة للزراعة. لكن ما اعتبرته دول أخرى عائقًا، حولته بوتان إلى فرصة استراتيجية؛ الأنهار الجبلية أصبحت أساسًا لاستثمار واسع في الطاقة الكهرومائية، التي تمثل اليوم العمود الفقري للاقتصاد البوتاني، وأحد أهم مصادر الدخل القومي.

يُقدَّر الناتج المحلي الإجمالي لبوتان بحوالي 2.5 إلى 3 مليارات دولار، وهو رقم متواضع لكنه يتميز بالاستقرار. تصدير الكهرباء، خصوصًا إلى الهند، يشكّل النسبة الأكبر من عائدات التصدير، ويمنح الدولة مصدرًا ثابتًا للعملة الصعبة، بعيدًا عن تقلبات أسعار السلع أو الأزمات الجيوسياسية.

اللافت أن هذا الخيار لم يكن اقتصاديًا فقط، بل سياسيًا وبيئيًا في آن واحد. الطاقة النظيفة خفّضت اعتماد الدولة على الوقود الأحفوري، وجعلت بوتان واحدة من الدول القليلة في العالم ذات انبعاثات كربونية سلبية، أي أنها تمتص من الكربون أكثر مما تنتج. هذا الأمر منحها وزنًا أخلاقيًا وسياسيًا غير مباشر في مفاوضات المناخ العالمية، رغم صغر حجمها.

لكن الاقتصاد في بوتان لا يقوم على الطاقة وحدها. السياحة، على سبيل المثال، تخضع لفلسفة غير مألوفة في الدول النامية. الدولة لا تسعى إلى جذب ملايين السياح، بل إلى عدد محدود من الزوار ذوي الإنفاق المرتفع، مقابل رسوم يومية تُستخدم مباشرة في تمويل التعليم، والصحة، والبنية التحتية. بهذا النموذج، تحقق بوتان دخلًا اقتصاديًا دون التضحية بالبيئة أو الهوية الثقافية، ودون تحويل المدن إلى مساحات استهلاكية مكتظة.

تجاريًا، تعتمد بوتان بشكل أساسي على الهند كشريك أول في التبادل التجاري، مع علاقات محدودة لكنها مدروسة مع دول أخرى في آسيا. هذا التركيز التجاري يقلل المخاطر، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات تتعلق بتنويع الشركاء، وهي مسألة تدركها الدولة وتتعامل معها تدريجيًا.

سياسيًا، مرت بوتان بتحول نادر في العالم النامي. انتقلت من ملكية مطلقة إلى ملكية دستورية ونظام ديمقراطي تدريجي، دون ثورات أو صراعات أو انهيار مؤسسات. لم يكن التحول نتيجة ضغط شعبي أو خارجي، بل قرارًا من داخل الدولة نفسها. هذا الانتقال السلس حافظ على استمرارية السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ومنح البلاد استقرارًا سياسيًا انعكس مباشرة على الأداء الاقتصادي.

وفي قلب هذه التجربة، ظهر مفهوم "السعادة الوطنية الإجمالية"، الذي اشتهرت به بوتان عالميًا. التنمية لا تُقاس فقط بالناتج المحلي، بل بجودة الحياة، والصحة، والتعليم، والتماسك الاجتماعي، وحماية البيئة. أي مشروع اقتصادي يُقيَّم ليس فقط من حيث الربح، بل من حيث أثره الاجتماعي والبيئي طويل المدى.

الدروس المستفادة ضمن السياق الدولي

عند النظر إلى بوتان بالمقارنة مع دول صغيرة أخرى، مثل ليبيريا أو ناميبيا، تتضح صورة صانعي القرار في الدول النامية: بينما تواجه هذه الدول صعوبات في إدارة قطاعاتها الحيوية أو السيطرة على الموارد، استطاعت بوتان توجيه قدراتها المحدودة نحو قطاعات يمكن التحكم فيها فعليًا، مثل الطاقة الكهرومائية والسياحة المنظمة. هذا التوازن بين السيطرة الداخلية على الموارد والتحكم في الانفتاح الخارجي يضمن استقرارًا اقتصاديًا وسياسيًا لا تتاح غالبًا للدول ذات الاقتصادات المتقلبة أو المؤسسات الهشة.

التجربة البوتانية تعلم أن التنمية ليست مجرد سباق لتحقيق أرقام الناتج المحلي أو الاستثمار الأجنبي، بل عملية متكاملة تبدأ بالقدرة على إدارة الموارد والقطاعات الأساسية، وتمتد إلى حماية البيئة والمجتمع، وضمان الاستقرار السياسي على المدى الطويل. بوتان تقدم نموذجًا واضحًا لكيفية تحقيق تنمية مستدامة دون الانجرار وراء الأزمات أو الضغوط الخارجية، وتوضح أن الاستراتيجيات الصغيرة والممنهجة قد تحقق أثرًا أكبر بكثير من الانفتاح العشوائي أو الطموحات الاقتصادية غير المستندة إلى مؤسسات قوية.

بهذا الشكل، تصبح بوتان نموذجًا حيًا لصانعي القرار في الدول النامية والعالمية، ليس بوصفها دولة قوية، بل بوصفها مثالًا على كيفية تحويل القيود إلى مزايا، والمخاطر إلى فرص، والتخطيط المستدام إلى أداة للحفاظ على السيادة والهوية الوطنية، وفي الوقت نفسه، المساهمة في القضايا العالمية الكبرى مثل الطاقة النظيفة والمناخ.

في زمن تتسارع فيه الأزمات الاقتصادية والبيئية، تذكّرنا بوتان بأن بعض الدول لا تحتاج إلى أن تكون في الصدارة كي تكون مؤثرة. أحيانًا، يكفي أن تعرف ما تريد… وأن تمضي نحوه بهدوء.

Katen Doe

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

كيف يكون البرلمان شريكا في التنمية واستقرار الوطن؟

تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...

الغش بين ضعف الضمير وضعف الواقع

لا شك أن الإسلام يحرص دوما على أمن المجتمع وسلامة أفراده، ويتحقق ذلك بأن تعم العدالة، وتنتشر النزاهة في شتى...

الـ AI في تشخيص الأمراض قبل ظهور الأعراض

لم يعد تشخيص المرض مرتبطًا فقط بظهور الأعراض أو شعور المريض بالألم، إذ يشهد القطاع الصحي تحولًا جذريًا تقوده تقنيات...

فك الاشتباك المهني بين مصطلحي الإعلامي والصحفي!

يختلط على كثيرين اليوم التفرقة بين الإعلامي والصحفي، حتى أصبح المصطلحان يُستخدمان وكأنهما شيء واحد؛ فكل من يظهر على شاشة...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص