شكّل الأسطول البحري ركيزة أساسية في حضارة مصر القديمة، حيث لعب دوراً محورياً في التجارة والحملات العسكرية والبعثات الاستكشافية.
الأستاذ الدكتور محمود حامد الحصري أستاذ الآثار واللغة المصرية القديمة المساعد – جامعة الوادي الجديد
الأستاذ الدكتور محمود حامد الحصري
أستاذ الآثار واللغة المصرية القديمة المساعد – جامعة الوادي الجديد
وبالرغم من أن مصر القديمة عُرفت بحضارتها النهرية المرتبطة بنهر النيل، إلا أن المصريين القدماء أثبتوا براعة ملحوظة في بناء السفن والملاحة البحرية، مما مكّنهم من التواصل مع الحضارات المجاورة وتأمين احتياجاتهم من الموارد النادرة.
يُظهر الأسطول البحري المصري القديم مدى تقدم الحضارة المصرية وقدرتها على التكيف والابتكار. ورغم أن مصر كانت حضارة نهرية بالأساس، إلا أن المصريين القدماء نجحوا في بناء أسطول بحري قوي مكّنهم من التوسع التجاري والعسكري والتواصل مع العالم الخارجي.
وقد ساهم هذا الأسطول في ازدهار مصر الاقتصادي والثقافي، وترك إرثاً ملاحياً لا يزال يُدرس ويُحتفى به حتى يومنا هذا. فالسفن المصرية القديمة لم تكن مجرد وسائل نقل، بل كانت رموزاً للقوة والحضارة والإيمان، وشاهداً على عبقرية الإنسان المصري القديم وقدرته على تسخير موارده لخدمة أهدافه وطموحاته.
نشأة الملاحة المصرية القديمة علي نهر النيل :
بدأت الملاحة المصرية على نهر النيل منذ عصور ما قبل التاريخ، حيث استخدم المصريون القدماء القوارب البسيطة المصنوعة من البردي والقصب.
ومع تطور الحضارة المصرية، انتقل المصريون من القوارب النهرية البسيطة إلى بناء سفن أكثر تعقيداً قادرة على الإبحار في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر.
وتشير النقوش والرسومات الجدارية في المعابد والمقابر إلى أن المصريين بدأوا في بناء سفن خشبية كبيرة منذ عصر الدولة القديمة، مستخدمين أخشاباً محلية ومستوردة من بلاد الشام، خاصة خشب الأرز اللبناني المشهور بجودته وقوته.
أنواع السفن المصرية القديمة:
تنوعت السفن المصرية القديمة بحسب الغرض من استخدامها، فكانت هناك سفن للنقل النهري اليومي، وسفن للتجارة البحرية، وسفن حربية، وسفن خاصة بالطقوس الدينية.
اما السفن التجارية فكانت عريضة وعميقة لحمل البضائع الثقيلة، بينما صُممت السفن الحربية لتكون أسرع وأكثر قدرة على المناورة.
ومن أشهر السفن المصرية تلك المستخدمة في رحلات بلاد بونت، والتي كانت قادرة على الإبحار لمسافات طويلة عبر البحر الأحمر.
كما عُثر على سفينة خوفو الشهيرة المدفونة بجانب الهرم الأكبر، والتي تُعد من أقدم وأكبر السفن الخشبية المحفوظة في العالم، ويبلغ طولها حوالي 43 متراً.
الحملات البحرية الشهيرة:
رحلات بلاد بونت : تُعتبر بعثة الملكة حتشبسوت إلى بلاد بونت (الصومال الحالية/جيبوتي) في القرن الخامس عشر قبل الميلاد من أشهر الرحلات البحرية المصرية.
وقد سُجلت تفاصيل هذه الرحلة على جدران معبد الدير البحري، وتُظهر النقوش أساطيل كاملة من السفن محملة بالبخور والمُر والأخشاب النادرة والذهب والحيوانات الغريبة.
أظهرت هذه البعثة القدرات الملاحية المتقدمة للمصريين وقدرتهم على تنظيم رحلات تجارية معقدة.
الحملات العسكرية البحرية:
استخدم الفراعنة الأسطول البحري في حملاتهم العسكرية، خاصة ضد القراصنة وشعوب البحر الذين هددوا السواحل المصرية.
الملك رمسيس الثالث خاض معركة بحرية شهيرة ضد شعوب البحر حوالي عام 1175 قبل الميلاد، وتُعد هذه المعركة من أوائل المعارك البحرية المسجلة في التاريخ.
التنظيم العسكري للأسطول البحري :
كان المصريون القدماء أول من استعمل القوات البحرية إلى جانب القوات البرية بشكل منظم، وقد أظهر الأسطول الحربي المصري تنظيماً عسكرياً محكماً يعكس تطور الفكر الاستراتيجي المصري القديم.
البحارة والجنود المحترفون :
جُهز الأسطول الحربي ببحارة محترفين يُطلق عليهم اسم "عبر"، وهو لقب يختلف عن لقب الجنود البريين "عبر-نفرو" الذي يعني "كتيبة مجندة".
يؤكد هذا الاختلاف أن البحارة لم يكونوا مجرد مجندين كجنود الجيش البري، بل كانوا جنوداً محترفين يتمتعون بمهارات خاصة في الملاحة والقتال البحري.
التسلسل القيادي :
كانت كل سفينة "دبت" تحت إمرة ضابط مسئول، بينما كان لقب "الضابط المدير العظيم" يُمنح لضابط عالي الرتبة تحت إمرته العديد من الضباط، وكان هذا الضابط الكبير على الأرجح رئيس الأسطول.
ظهرت ألقاب مثل "مدير الأسطول" و"رئيس الأسطول" و"مديري بحارة السفن العظيمة"، وكانت هذه الألقاب تُمنح لضباط ذوي رتب عالية جداً.
تقسيم الأسطول :
تألف الأسطول الحربي من سفن عظيمة "دبت عات"، بعضها يبلغ طولها نحو خمسين متراً.
قُسم الأسطول إلى طائفتين من السفن، ولذلك كان يُطلق على الأسطول بأكمله اسم "الأسطول البحريين"، وهو تقسيم يعكس التنظيم الإداري لمصر القديمة.
القيادة الموحدة للبر والبحر :
منذ عهد الأسرة الثالثة، كانت القيادة العليا للجيش والأسطول موحدة في يد أمير ملكي واحد.
فكان الأمير "رع-حتب" قائداً للجيش وأميراً للأسطول في عهد الأسرة الثالثة، وكذلك الأمير "مر-إيب" في عهد الأسرة الرابعة.
وفي عصر الأسرة الخامسة، قُسم كل من الجيش والأسطول إلى فيلقين طبقاً لتقسيم البلاد إلى الوجه البحري والوجه القبلي، لكن القيادة العليا ظلت موحدة.
وقد حمل القادة العظام لقب "مدير كل الأوامر الملكية"، مما يدل على أنهم كانوا الممثلين المباشرين للسلطة الفرعونية في رئاسة جيوش مصر.
وفي عهد الأسرة الخامسة، فُصلت الإدارة المدنية عن الإدارة الحربية فصلاً تاماً، وأصبح قادة الجيش والأسطول معادلين للوزير في المكانة.
ناقلات الجنود الأولى في التاريخ :
يُعد المصريون القدماء أول من صمم سفناً خاصة لنقل الجنود في العالم، وكان ذلك في عصر الأسرة السادسة (2420-2280 ق.م).
وقد عُثر على نقش بالغ الأهمية من مقبرة الوزير "وني" يشير إلى أول استخدام لسفن "ناقلات الجنود" للخروج إلى البحر.
الأسطول في حروب التحرير ضد الهكسوس :
ظهر دور الأسطول الحربي بقوة في عهد الملكين "سقنن-رع" و"كامس" خلال حروب طرد الهكسوس.
حيث استُخدمت السفن النهرية الضخمة كناقلات للعتاد الحربي والجنود، حيث كان الملك "كامس" يُبحر بأسطوله من طيبة (الأقصر) حتى الفرع الشرقي للدلتا.
وكانت سفينته تُستخدم كقاعدة متحركة لقيادة العمليات الحربية، مما يُظهر التطور الاستراتيجي في استخدام القوة البحرية.
حيث يكشف هذا التنظيم المحكم عن مدى تقدم الفكر العسكري المصري القديم وقدرته على دمج القوات البحرية والبرية في منظومة دفاعية وهجومية متكاملة، مما جعل مصر قوة إقليمية عظمى في العالم القديم
تقنيات بناء السفن في مصر القديمة :
أظهر المصريون القدماء مهارة فائقة في بناء السفن، حيث طوروا تقنيات متقدمة لربط الألواح الخشبية باستخدام الحبال والأوتاد الخشبية.
كانت السفن تُبنى بطريقة "الهيكل أولاً"، حيث يتم تجميع ألواح الهيكل الخارجي ثم إضافة الدعامات الداخلية.
وقد استخدم البناؤون المصريون أخشاباً محلية مثل خشب السنط للسفن الصغيرة، بينما اعتمدوا على الأخشاب المستوردة عالية الجودة للسفن الكبيرة.
وكانت السفن تُزود بصواري لحمل الأشرعة، ومجاديف للتحكم والدفع، وكان الشراع المربع هو النوع السائد.
التجارة البحرية في مصر القديمة :
مثّلت التجارة البحرية شريان الحياة للاقتصاد المصري القديم، حيث استوردت مصر السلع التي لم تكن متوفرة محلياً مثل الأخشاب من لبنان، واللبان والمُر من بلاد بونت، والمعادن النفيسة من بلاد النوبة وأفريقيا.
في المقابل، صدّرت مصر الحبوب والكتان والورق البردي والمنتجات الحرفية المصرية المتقنة.
وكانت الموانئ المصرية على البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر مراكز تجارية نابضة بالحياة، تربط مصر بالحضارات المجاورة في بلاد الشام وبلاد الرافدين وجزيرة كريت وبلاد بونت.
الأهمية الدينية والإدارية للسفن :
لم تكن السفن مجرد وسائل نقل عملية، بل حملت أهمية دينية ورمزية عميقة في المعتقدات المصرية القديمة.
آمن المصريون بأن إله الشمس رع يبحر عبر السماء نهاراً في قاربه الشمسي، ثم يعبر العالم السفلي ليلاً في رحلة أخرى.
لذلك، دُفنت سفن حقيقية مع الفراعنة لاستخدامها في رحلتهم إلى الآخرة، كما هو الحال مع مراكب الملك خوفو.
وكانت المواكب النهرية للآلهة من الطقوس الدينية الهامة، حيث تُحمل تماثيل الآلهة في سفن مقدسة خلال الاحتفالات الكبرى، مثل عيد "الأوبت" في الأقصر.
وكان للأسطول المصري تنظيم إداري محكم، حيث أشرفت الدولة على بناء السفن وصيانتها وتشغيلها.
وكان هناك موظفون مختصون بإدارة الموانئ والإشراف على التجارة البحرية وتحصيل الرسوم الجمركية.
وقد عمل آلاف الحرفيين والبحارة والعمال في صناعة السفن وتشغيلها، وكانت مهنة البحار من المهن المحترمة في المجتمع المصري القديم.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...
لا شك أن الإسلام يحرص دوما على أمن المجتمع وسلامة أفراده، ويتحقق ذلك بأن تعم العدالة، وتنتشر النزاهة في شتى...
لم يعد تشخيص المرض مرتبطًا فقط بظهور الأعراض أو شعور المريض بالألم، إذ يشهد القطاع الصحي تحولًا جذريًا تقوده تقنيات...
يختلط على كثيرين اليوم التفرقة بين الإعلامي والصحفي، حتى أصبح المصطلحان يُستخدمان وكأنهما شيء واحد؛ فكل من يظهر على شاشة...